|
مَعْلَمٌ كنسيّ مهم
تقع كنيسة سيّدة الزلزلة العجائبيّة في الجهة الجنوبيّة الشرقيّة من مدينة زحلة حيث نشأ أقدم حيٍّ من أحياء المدينة، وعلى بُعد مئةٍ وخمسين مترًا منها.
لا نعرف، بالتحديد، السّنة الّتي بُنيَت فيها هذه الكنيسة، ولكن يُشير بعض الدلالاتِ إلى ٱحتمال بنائها في النّصف الثاني من القرن السّادس عشر أو، كحدٍّ أقصى، في آخره. المؤرِّخ عيسى ٱسكندر المعلوف يقول عنها إنّها أوّل كنيسةٍ بُنيت في زحلة، وهذا شائعٌ في ذاكرة أبناء المدينة. يقول أيضًا إنّ بعض العائلات الأرثوذكسية القديمة في المنطقة سكنَتْ زحلةَ في القرنِ السّابع عشر. من هذه العائلات عائلة ”الحاج شاهين“ الّتي أتَت مع السّلطان سليم الفاتح فأقطعها أرض عرْجموش في منطقة حوش الأمراء العقاريّة حاليًا، وذلك سنة 1517. ٱنتقلت عائلة ”الحاج شاهين“ إلى زحلة إثر خلاف بينها وبين السيّاد في برالياس. هذا ويوردُ عيسى ٱسكندر المعلوف أنّ حوالي الثلاثين الألف مقاتل حطّوا رحالهم في أرض عَرْجَموش في العام 1584. هذا يفترض أنّه لم تكن عائلة ”الحاج شاهين“ ساكنةً في أرض عَرْجَموش في ذلك الوقتِ. على هذا يكون الوجود الأرثوذكسيّ في زحلة قابلاً للردّ إلى القرن السّادس عشر، وعلى الأكثر إلى بدايات السّابع عشر. وهذا يتضمّن أنّ الرّعيل الأوّل من الأرثوذكس يكون قد بنى كنيسة في ذلك الحين. يشار إلى أنّ العثمانيين، يومذاك، كانوا يُحَوِّلون الكنائس إلى جوامع. لذا كان من الصّعب على أحد أن يُشَيِّد كنيسة في ظل حكمهم. فإذا كان ”آل النّصراني“، الّذين صاروا ”آل الحاج شاهين“ لاحقًا، قد تمكنوا من بناء كنيستهم فلأنهم كانوا يحملون براءةً من السّلطان سليم الأوّل تقديرًا لهم. وهكذا، فيما يُظن، بُنيت كنيسة سيدة الزلزلة العجائبية في زحلة وقامت العائلة بتشييد مساكن لها حول الكنيسة.
حدث زلزالٌ قويٌّ في العام 1759، غرقت مدينة بيروت على أثره وتضرّرت مدينة بعلبك الّتي كان ما يزال معبدها قائمًا بأعمدته كاملةً مع الهيكل حتّى ذلك الحين. يُذكر أنّ شكلها الحالي صار عليه بعد الزلزال. أما زحلة فكانت بلدةً صغيرةً وكنيسة السّيِّدة كانت أعلى بناءٍ فيها. فلما وقعت الزلزلة تشقّقت الأرض خلف الكنيسة وزحلتِ التربةُ باتجاه الكنيسة، ولمّا تتوقّف إلا بعجيبة بعدما ٱصطدمت بالكنيسة وطمرت جزءًا من حائطها الغربي. إذ ذاك توقّفتِ الهزّاتُ الأرضية وسلِمت كلّ المنازل من تأثير الزلزال، وأيقن أبناء زحلة أنّ كنيسة السّيّدة حمتهم منه وأوقفتْه، فتوافدوا إليها شاكرين العذراء على حمايتها لهم.
علامات الزلزال في الكنيسة:
- أثناء توسيع الكنيسة من الجهة الغربية عام 2003، تبيّن، أثناء أعمال إزالة الأتربة، أنّ الحجارة دون أرضية الكنيسة مصقولة وهي مشابهة للحجارة الّتي فوقها، ما يدلّ على أنّ هذه النّاحية لم تُبنَ لكي تُطمَر بل جرى ذلك إثر الزلزال. - وهناك أيضًا قنطرة من القناطر، قوسها منحطّ من إحدى جهتيه والعقد تفكك قليلاً. - كما يوجد عمود، واضح للعين المجردة، زَحَل أساسُه حوالي سّبعة سنتمترات من ضغط الزلزال، من الناحية الشمالية للكنيسة. - إلى ذلك تفسّخت الأرضية عند الحائط الشرقي للكنيسة، ناحية الهيكل، وٱنشقت الحجارة المرصوفة وتباعد بعضها عن البعض الآخر حوالي خمسة أو ستة سنتمترات. ومنذ تلك الحادثة أطلق المؤمنون على الكنيسة ٱسم ”كنيسة سيّدة الزلزلة العجائبيّة“. كلّ البيوت المحيطة بها بقيت سالمة، ولا أثر للزلزال فيها. كما ٱعتُبرت الكنيسة ملجأ لكلّ متألّم لا فقط بين الأرثوذكس بل بين الكاثوليك والموارنة أيضًا، فيما بعد.
في حوادث العام 1860 ٱحتشد مقاتلون، في محيط مدينة زحلة، لمهاجمتها ودخلوا إليها بالحيلة وأحرقوها. احتمى عددٌ من أبنائها في كنيسة الزلزلة لإيمانهم أنّها ستردع الأعداء وتحمي من يلوذ بها. وعندما وصلت فرقةٌ من المهاجمين إلى باحة الكنيسة وهمّت بالدخول إليها لقتل مَن فيها ونَهْبِ تحفها وحرقها، كانت العذراء مريم لهم بالمرصاد إذ ذرّت الغبارَ في عيونهم، مُحدِثةً سياجًا حول كنيستها حال دون اقتراب الأعداء منها. هكذا سلِمت الكنيسة من الحريق، وسَلِم كلّ من التجأ إليها*.
يُذكر في هذا السّياق، أنّه أثناء ترميم الكنيسة، عام 2003، لم يظهر أي أثر للحريق على حجارة الكنيسة، لأنّ الحجر إذا تعرّض للحريق اسْوَدّ لونه وتفتت. والحجر الحالي أصفر اللون مثله مثل الحجر الطبيعي.
من جهة أخرى، نذكر أنّ الفرنجة تدخّلوا بعد ثورة 1860 وأُعطِيَ المسحيّون في زحلة بعضًا من الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية. فكانت زحلة هي المدينة الوحيدة الّتي تدقّ أجراسها أثناء الحكم العثماني. كذلك صدرت، يومذاك، جريدة ”زحلة الفتاة“ الّتي كانت تكتب مقالات ضد الحكم العثماني.
ثم في العام 1914، إبّان الحرب العالمية الأولى، دخل جنودٌ من الأتراك إلى المدينة كما لينتقموا. وقد لاحقوا صحافيي جريدة ”زحلة الفتاة“ وشرعوا بإنزال أجراس الكنائس. وعندما وصلت فرقةٌ منهم إلى كنيسة سيّدة الزلزلة صعِدَ إلى قُبّة جرسها إثنان من الجنود حاولا إنزال الجرس فوقعا إلى أسفل دون أن يعرف أحد كيف**. ولمّا رأت سيّدة من الرّعية ما حصل للجنديّين تشجّعت واقتربت من رئيس الفرقة وقالت له: ”إنّ العذراء ستمنعُكم من إنزال جرسها“. فاستشاط غيظًا وحنقًا وحمل فأسه ودخل الكنيسة عازمًا أن يحطّم أيقونة العذراء. لكنّ العناية الإلهية، بشفاعةِ والدة الإله، أوقعتْه أمام إيقونة الرقاد العجائبية لا حول له ولا قوّة، فخاف الجنود الباقون ممّا حصل وأخذوا قتلاهم وجرحاهم وولّوا الأدبار***.
رسم هذه الأيقونة ميخائيل مهنى القدسي عام 1881، وهي أيقونة كبيرة عرضها حوالي 90 سنتمترًا. سنة 1971 أو 1972، ٱحترق قسم من هذه الأيقونة بسبب الشموع الّتي كانت تضاء مقابلها. فأخذها القيّمون على الكنيسة، وعلى قدر معرفتهم أعطوها لأحدهم ليرممها. هذا الأخير قطع القسم العلوي منها وهو القسم المحروق بالإضافة إلى أحد جوانبها. فلم يبقَ ظاهرًا فيها إلا جسد العذراء المسجّى وقسم من الرّسل والجزء السّفلي من السّيّد. وهي أيقونة عجائبية. تُنسب إليها عجائب عدة يتناقل خبرها النّاس.
نورد هنا عجيبة حصلت لسيّدة قامت بسرد خبرها للأب جورج معلوف (الكاهن الحالي) فيما بعد. ذات يوم في شهر كانون الأوّل، كان الأب جورج يستقبل مجموعة من الشبّان في الكنيسة ويشرح لهم تاريخها، فدخلت سيّدة مسنّة مع ٱبنها وأولاده. جلست على أحد مقاعد الكنيسة وأخذت تُصغي إلى ما يُقال. وبعد أن أنهى الكاهن كلامه، طلبت السّيّدة منه قائلةً إنّ عندها ما تقوله له. قالت: ”تزوجتُ وأنا شابة ولم أستطع الإنجاب. وبعد فترة أُصبتُ بمرضٍ، صَعُب عليّ، على أثره، السير فأصبحت شبه مشلولة. أتى إلي أحد أبناء قريتي وأشار عليّ بأن أقدّم نذرًا لسيّدة الزلزال في زحلة وهي قادرة أن تشفيني. أتى بي زوجي إلى الكنيسة محمّلة. صلَيْتُ على قدر طاقتي ومعرفتي، وبعد ربع ساعة تقريبًا أحسست بقوة في جسدي، فانتصبت ومشيت. وأعطاني الله بعد ذلك أولادًا، وأنا، كلّ سنة، في شهر كانون الأول أزور الكنيسة لأشكر والدة الإله على صنيعها معي“.
لعلّها أقدم أيقونة في الكنيسة من حيث رسمها وزخرفتها. قبل ترميمها لم يكن ظاهرًا منها إلاّ وجه العذراء، ولكن بعد ترميمها، سنة 2005، وإزالة السّواد الّذي سبّبته الشموع المضاءة مقابلها، بان قدّيسون يحيطون بوالدة الإله الحاملة السّيّد على ذراعها. يُحكى عن الأيقونة، أنّ سيّدة كانت تصلّي بحرارةٍ أمامها في المزار، عند مدخل الكنيسة، فاستجابَتِ والدة الإله لتضرّعِ هذه السّيّدة. وقد أعطتِ الأيقونة علامةً على ذلك بأنْ تحرّكتِ الدمعة في عين العذراء. كتب هذه الحادثة الأستاذ جان أبو حمرا آنذاك في جريدة ”زحلة الفتاة“، في 31 أيار من العام 1954. وعندما رُمِّمَت الأيقونة، أكّد المختصّ بترميم الأيقونات أنّ الدمعة على الأيقونة ليست من أيِّ نوعٍ من الألوان وأنّها لم تُكْتَب مع الأيقونة، ما يؤكّد صحّة الحادثة المرويّة.
أوّل عمليّة تجديد وتوسيع للكنيسة حصلت العام 1740 وتبِعَها ترميم العام 1759 إثر الزلزال. ثم في مطلع القرن العشرين أضاف أبناء الرعيّة إلى كنيستهم الشرفتَيْن المطلّتين على صحن الكنيسة من الجهتين الشماليّة والجنوبية، وأجروا بعض التحسينات في داخلها. يذكر أنّ الإيقونسطاس الرّخاميّ يعود إلى العام 1910 مع بلاط الكنيسة. بعد ذلك بُنِيَتْ مدرسة السّيّدة من الجهة الجنوبية للكنيسة. هذه المدرسة جرى الترخيص لها من الدولة العثمانية سنة 1914، ثم جُدّدَتْ في الخمسينيّات من القرن الماضي، وهي لا تزال تعمل لغاية اليوم، وفي موقعها نفسه. سنة 1936 جُدِّد المدخل الغربيّ للكنيسة، وكان هو المدخل الأساسي، برخامٍ مزخرفٍ جميل، كما استُحدِثت غرفةٌ صغيرة إلى يمين المدخل عُرِفَتْ بالكابيلا حيث وُضعت أيقونة رقاد والدة الإله العجائبية. هذا ويُقدِّمُ المؤمنون نذورهم لهذه الأيقونة من قطَعٍ ذهبيّةٍ وفضيّةٍ ويسألونها البركة والشفاء من الأمراض. في السّنة 1951 ٱستُبدِل سقف الكنيسة الترابيّ بآخر إسمنتيّ فوقه قرميد أحمر. ثم في بداية السبعينات جُدِّدت جرسيّة الكنيسة فأصبحت عاليةً ومطِلّةً على المدينة. وفي العام 1993 بدأ بناء مسكنٍ للكاهن وقاعاتٍ للمناسبات، ملحقةٍ بالكنيسة، وذلك في الفترة الأخيرة من خدمة المتقدِّم في الكهنة الخوري اسبيريدون العدس. وقد أنْجَزَ مجلس الرّعية عملية البناء، آنذاك، بسرعةٍ فائقةٍ وبمباركة ورضى والدة الإله.
سام الجزيل الاحترام المطران ٱسبيريدون خوري الأب جورج سليم معلوف كاهنًا جديدًا على كنيسة سيِّدة الزلزلة العجائبية سنة 1998. باشر الكاهن الجديد، بالتعاون مع مجلسِ الرّعيّة، حركةً نهضويّة مباركة في الرّعية على الصّعيدين الرّوحيّ والعمرانيّ. وكان أحد أهمِّ الطموحات توسيع الكنيسة بسبب الحاجة إلى استيعاب أكبر عددٍ ممكن من المؤمنين الّذين يتوافدون بأعدادٍ وافرة في كلّ أحد ومناسبة. وقد بوشر العمل بتحضير الرّسوم الهندسيّة. في العام 2003 شُرع بتوسيع الكنيسة من الجهة الغربيّة وٱستحداث ساحةٍ خلفها، على أن تتضمّن الزيادة شرفةً جديدةً تتّصل بالشرفتين القديمتين وأن يكون الوصول إليها ممكنًا من داخل الكنيسة. هكذا توسّعت الكنيسة وباتت قادرة على استيعاب أربعمئة شخصٍ في طابقَيها الأرضيّ والعلويّ. والأمر الآخر كان ٱستحداث ساحة كبيرة للسّيارات.
من أهمّ العلامات البارزة في الكنيسة الدّالة على أنّ هناك قدرة إلهية جعلت هذه الكنيسة ثابتة في موقعها رغم الضعف الهندسيّ في بنائها ما يلي: - غياب أيّ أساس صخريّ لجدران الكنيسة. المعروف أنّ أرض الكنيسة هي من التراب المعروف بـ”الكدّان“، مما يزحل في المدينة. - حجرُ أساسِ أحد الأعمدة الأربعة كان من ضمن بلاط الكنيسة، حيث إنّ أرضيّتها، كانت، قديمًا مرصوفةً بالحجر الصّخريّ. وعندما جُدِّد بلاط الكنيسة، في بدايات القرن العشرين، مع الإيقونسطاس، جرَتْ عمليّةُ تكسيرٍ لهذه القاعدة لكي يحلّ محلّها الرخام. لذا لم يعُدْ ثمة أساسٌ للعمود. رغم ذلك بقي ثابتًا ولم يتزعْزع. الجدير بالذكر أنّ هذا العمود تأثّر بالزلزال الّذي حصل عام 1759، إذ حاد عن موقعه حوالي الخمس السنتيمترات.
يُقام القدّاس الإلهي، كلّ أسبوع، في الكنيسة، يومَي الأحد صباحًا والخميس مساءً. وتُقام صلاة الغروب والنّوم الصّغرى أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء السّاعة السّادسة مساءً وصلاة البراكليسي لوالدة الإله نهار الجمعة السّاعة السّادسة مساءً وصلاة الغروب نهار السّبت السّاعة الخامسة مساءً. وتحتفل الرّعية ببعض السّهرانات: سهرانة وداع عيد رقاد والدة الإله، لتعذّر إقامة سهرانة يوم عيد رقاد والدة الإله، عيد الكنيسة، لكثافة إقبال الزائرين من مرضى ومستبركين إلى الكنيسة. كذلك تقام سهرانة يوم عيد القدّيس لوقا الإنجيلي في 18 تشرين الأوّل وأُخرى يوم وداع الفصح.
طروبارية خاصة بكنيسة سيّدة الزلزلة العجائبيّة والدة الإله سيّدة كلّ الدّهور
* زار كنيسة سيّدة الزلزلة في السّبعينات من القرن الماضي حفيد أحد المهاجمين وقد روى القصة أعلاه لبعض الأشخاص الّذين التقاهم والّذين منهم والد المحامي ميشال بالش والسّيّد ألفرد سابا. ** يذكر المؤرِّخ عيسى ٱسكندر المعلوف أنّ كلّ الأجراس أُنزلت في زحلة عام 1914 إلا جرس سيّدة الزلزال لكنّه لا يذكر السبب. *** القصة منقولة عن لسان المرحوم ٱسكندر الطباع من مقابلة شخصية أجراها معه الأب جورج معلوف (كاهن الرّعية الحالي) في العام 1998 وقد توفاه الله في العام 2003. ٱسكندر الطباع من مواليد العام 1902. جدّه كان وكيل الوقف في الكنيسة في تلك الآونة. |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||






















