(1991-1906 )
الأب بورفيريوس الرائي
 

        ولد إفانجلوس بايراكتاريس في 7 شباط 1906 في عائلة فقيرة وكبيرة في منطقة كاريسيتييا. كان والداه مزارعين تقيّين. والده كان مرتلاً في الكنيسة سبق له أن التقى القدّيس نكتاريوس. لكن العوز أجبره على السفر إلى أميركا حيث عمل في حفريات قناة باناما.

        غياب المدرّس عن المدرسة وحال الفقر دفعا إفانجلوس على ترك المدرسة والعمل في سن مبكرة. عمل أولاً في في رعاية القطعان. ومن ثم في السابعة انتقل إلى خلكيذا حيث عمل في محل سمانة، ومن هناك إلى بيريا حيث عمل في أحد المقاهي. كان يذهب إلى الكنيسة بتواتر ويقرأ سير القدّيسين ومنها سيرة القدّيس يوحنا الكوخي الذي أراد أن يتمثّل به. أصبحت لديه رغبة جامحة في الذهاب إلى الجبل المقدس واقتبال الحياة الرهبانية. بعد عدة محاولات، وصل أخيراً إلى الجبل. كان عمره يومذاك إثنتي عشرة سنة. في السفينة إلى الجبل، بتدبير إلهي، إلتقى بأبيه الروحي الراهب الكاهن بندلايمون الذي أخذه تحت رعايته إلى كافسوكاليفيا، منسك القدّيس جاورجيوس. هناك سلك إفانجلوس في طاعة كاملة وخدمة متفانية للأب بنداليمون وأخيه في الجسد الأب يوانيكيوس الناسك معه. في حياة الأب بورفيريوس كمبتدئ لم يكن يسمح لنفسه بأي تراخٍ بل كان يجاهد بشكل قاسٍ متواصل. كان يتعلم الإنجيل والطروباريات عن ظهر قلب وكان يخدم كمرتل في الكنيسة. وككل الرهبان كان يعمل لتأمين معيشته. العلامة الفارقة في جهاده النسكي لم تكن جهاده الجسدي بقدر ما كانت طاعته الكاملة لأبيه الروحي.

        في الرابعة عشرة من عمره، سيم راهباً واتخذ اسم نيكيتا. ثم بعد عامين حصل على الإسكيم الكبير.

        ذات مرة، عند الفجر، ذهب الشاب نيكيتا إلى الكنيسة قبل أن يدق ناقوس الصلاة وجلس تحت الدرج يصلي. كان لوحده في الكنيسة. فجأة فُتح الباب ودخل الأب ديماس، الذي كان ناسكاًً في مغارة متوحداً متخفياً، وهو رجل قدّيس. إثر ذلك تلفّت الأب ديماس يميناً ويساراًً وبعد تأكده من عدم وجود أحد، أمسك بمسبحته وابتدأ يصلي صانعاً مطانيات عديدة وسريعة قائلاً: "يا ربي يسوع المسيح ارحمني...أيتها الفائق قدسها والده الإله خلصينا". ثم وقف ويداه مفتوحتان بشكل صليب ودخل في حالة من الذهول، محاطاً بالنعمة مغموراً بالنور الغير المخلوق. فوراً انتقلت النعمة إلى الشاب نيكيتا الذي تلقى موهبة الصلاة والرؤية من حينه.

        في ذلك اليوم تناول نيكيتا القدسات وأحس بفرح عظيم غمره لم يشعر به من قبل. ثم أخذ يجري في البراري رافعاً يديه إلى العلاء وصارخاً: "المجد لك يا الله...يا الله المجد لك..."

        من بعد زيارة الروح القدس له، حصل تغيير جذري في التكوين الذهني للراهب نيكيتا إذ اقتنى قدرات خارقة من العلي: كان شديد الفرح والحماسة دائماً وأصبحت حواسه (السمع، الشم، النظر) شديدة الدقة، كما أصبحت عنده القدرة على معرفة أعماق النفس البشرية. ولدى اعترافه لأبيه الروحي بهذه القدرات طلب منه هذا الأخير تجاهلها، وهكذا كان.

        بعد فترة قصيرة تدهورت صحة نيكيتا فاضطره أبوه إلى العودة إلى العالم لإستعادة عافيته. في العالم، مكث نيكيتا في دير القديس خرالمبوس بعد أن رفضت والدته استقباله. تعافى وعاد إلى الجبل، لكن صحته ما لبثت أن انتكست ثانيةً فعاد مجدداً إلى العالم. هذه الحادثة تكررت ثلاث مرات إلى أن قرّر أبوه الروحي أن يرسله إلى العالم نهائياً. كان عندئذ في التاسعة عشرة من عمره.

        في دير القدّيس خرالمبوس، حيث مكث، رسمه رئيس الكهنة بورفيريوس الثالث السينائي كاهناً وأعطاه اسمه. كان الأب بورفيريوس في العشرين من عمره.

        جُعل أباً روحياً. وفي العام 1938 أُعطي رتبة أرشمندريت. ثم لدى تحوّل دير القدّيس خرالمبس إلى دير للراهبات ذهب الأب بورفيريوس إلى فاثيا، إلى دير للقدّيس نقولاوس.

        عام 1940، أُعطي مهام كاهن في كنيسة القدّيس جراسيموس التابعة لمستشفى أثينا. إضافة إلى مهامه ككاهن كان عليه العمل لإعالة نفسه وعائلته لأن أجره كان قليلاً لكونه غير متعلم.

        هناك زادت شهرته وتدفّق عليه طالبو الإعتراف وأصبح أباً روحياً للعديدين.

        عام 1955 استأجر من دير رقاد والدة الإله بنديللي في كاليسيا، عقاراً صغيراً مؤلّفاً من كنيسة صغيرة للقدّيس نيقولاوس وبناء صغير وأرض. هناك أراد إنشاء دير فزرع الأرض المحيطة بالبناء واستصلح نظاماً لريّها. هذا وكان يعرّف ويرشد كل الوقت. عام 1970 ترك الأب بورفيريوس خدمته في كنيسة القدّيس جراسيموس وأصبح يقيم القداديس ويعرّف أولاده الروحيين في كاليسيا.

        حوالي العام 1980 استقرّ في ميلسي حيث أسس ديراً للراهبات على اسم التجلي الإلهي. ازداد تدهور صحته وفقد نظره وكان ينزف باستمرار، لكنه بنعمة الله بقي على قيد الحياة مرشداً ومعيناً للناس.

        عام 1985 حصل الأب بورفيريوس من دير اللافرا الكبير على منسك القدّيس جاورجيوس في كافسوكاليفيا. انسحب إلى هناك بشكل دائم في حزيران عام 1991 واجتمع مع تلاميذه الخمس الذين كانوا قد أتوا بالتتابع تحت إشرافه. وكما أنبأ تلاميذه أنه عندما يصير عددهم خمسة سوف يرقد، هكذا كان. في الثاني من كانون الأول عام 1991 رقد الأب بورفيريوس محاطاً برهبانه الخمس في جبل آثوس.

 

        عندما يأتي المسيح إلى القلب، تتغير الحياة. المسيح هو الكل. ومن يعيش المسيح في داخله، يختبر أموراً لا يعبر عنها، أموراً مقدّسة وسامية. يعيش في الإبتهاج. هذه الأمور حقيقية، عاشها أشخاص نساك في الجبل المقدس، فيما كانوا يهمسون باستمرار وشوق صلاة يسوع: "أيها الرب يسوع المسيح ارحمني".

        كي يأتي المسيح إلى داخلنا، عندما ندعوه "أيها الرب يسوع المسيح ارحمني"، ينبغي أن يكون القلب نقياً، ولا يوجد فيه أي عائق، حرّاً من الكراهية والغرور والشر...ولكننا إذا شعرنا في داخلنا بسقطة ما أو إدانة، فيوجد سرّ الإعتراف، نعترف أمام الكاهن، إلا أن هذا يتطلب تواضعاً...

        عندما تكونون في مشكلة ما، أنتم أو أحد ما غيركم، أطلبوا صلوات الآخرين أيضاً، ولنتضرع جميعنا إلى الله بإيمان ومحبة، وكونوا واثقين أن الله يُسرّ بهذه الصلوات، ويتدخل صانعاً العجائب.

        عليكم أن تواجهوا كل شيء بمحبة وخير ووداعة وصبر وتواضع. كونوا صخوراً يتحطم عليها كل شيء، ويعود أدراجه كالأمواج، وابقوا أنتم عديمي الإضطراب. ولكنكم ستقولون: "وهل هذا ممكن؟". نعم، بنعمة الله يمكن أن يتم ذلك دائماً. إذا نظرنا إلى الأمور بشرياً، فهذا غير ممكن، ولكن بدل أن تؤثر الأمور فيكم بشكل سيّء، من الممكن أن تنفعكم وتثبتكم في الصبر والإيمان.

        كما أن الناسك ينفع العالم، دون أن يراه أحد، لأن أمواج صلواته تؤثر في الآخرين، وتنقل الروح القدس إلى العالم. هكذا أنتم أيضاً، وزّعوا محبتكم دون أن تتوقعوا مكافأة، وتصرفوا بمحبة وصبر وابتسامة...

        إن الدواء الشافي من السرطان هو سهل إيجاده حتى إن الأطباء يتداولونه يومياً؛ إنه أمام أعينهم؛ وهكذا، أنا أيضاً بنعمة الله، أعرفه. لكن الله لم يكشفه لهم لأنه، في هذه السنوات الأخيرة، وبسبب هذا المرض، قد امتلأ الفردوس.

 

المراجع:

دير راهبات السيّدة بلمّانا، (2005)، الشيخ بورفيريوس الرائي (سيرة وأقوال)، بلمّانا، منشورات دير راهبات السيّدة

Tomadakis, Alexandre (2007) Père Porphyre- Anthologie de Conseils, Lausanne: L’Age d’Homme