الجبل المقدّس آثوس
دير الخيلانداري

       يقع دير الخيلانداري شمال شرق شبه جزيرة آثوس على بُعد حوالي 5 كيلومترات من الشاطئ أي 45 دقيقة سيراً على الأقدام. لا يمكن رؤية الدير بسهولة إذ إنه محاط بتلال صغيرة مشجرة بكثافة. أغلب الظن أن اسم الدير مأخوذ من اسم مؤسس (خيلانتاريوس) المجموعة الرهبانية التي كانت في مكان إنشاء الدير. التسمية موجودة في مراسم إمبراطورية قديمة وعدد من المخطوطات السلافية.

أيقونة حائطية لدخول والدة الإله إلى الهيكل في كاثوليكون الدير

       أَنشأ الدير في القرن 12 استيفانوس نمانجا (القدّيس سمعان الصربي المعيّد له في 13 شباط)، ملك الصرب وابنه راستكو (القدّيس سابا رئيس أساقفة صربيا المُعيّد له في 14 كانون الثاني).

برج القدّيس سابا

راستكو ترك كل أمجاد العالم والتحق بدير الفاتوبيذي حيث سيم راهباً باسم سابا. بعد ذلك بقليل، تنحى الملك استيفانوس عن العرش، وانضم إلى دير ستودينيكا في صربيا حيث سيم راهباً باسم سمعان. من هناك التحق بالقدّيس سابا في دير الفاتوبيذي. عام 1198، منح دير الفاتوبيذي موضع الخيلانداري للراهبين سمعان وسابا ليؤسسا ديراً. وأٌُثبتت هذه المنحة لاحقاً بمرسوم أصدره الأمبراطور ألكسيوس الثالث جعل من الموضع هبة أبدية للشعب الصربي. ما لبث أن التحق بالدير عدد من الرهبان الصرب. عمل القدّيسان سمعان وسابا بجدّ لإعمار الدير روحياً ومادياً. لاحقاً عاد القدّيس سابا إلى صربيا ليكون رئيساً لأساقفتها وبقي القدّيس سمعان في الدير حيث توفي. ضمّ إلى دير الخيلانداري عدة مواضع مثل زيجو (Zygou ) وسكوربيوس وستروفيلايس وكاليكا وذلك لاستعاب عدد الرهبان المتنامي. وفي وقت قليل أصبح دير الخيلاندري المركز الديني والثقافي لصربيا واستمرّ على هذه الحال. دَعْم الأمراء والشعب الصربي للدير جعله يزدهر ويستمر حتى في السنين الصعبة للحكم التركي. نذكر أنه في عدة مرات كان البروتوس في جبل آثوس صربياً من دير الخيلانداري لِما كان عليه الدير من مستوى روحي وثقافي رفيع.

جانب من الدير

       في القرن 17 توقف قدوم الرهبان الصرب إلى الدير، فعانى الدير صعوبات كبيرة خاصة بعد حريق كبير نشب فيه عام 1722.  في  القرن  18 أقام في الدير رهبان من بلغاريا. عام 1891، نشب فيه حريق ثان مُفجع. ولكن زيارة الملك الصربي ألكسندر أوفرينوفيتش للدير عام 1896، ساعد على إعادة إعماره ووفادة الرهبان الصرب إليه.

أيقونة جامعة عدد من الأيقونات الصغيرة

       عام 1913، دعم الرهبان الصرب، بالمظاهرة، انضمام جبل آثوس إلى اليونان. كذلك في الحرب العالمية الثانية لم يتعاون أي من الرهبان في الدير مع الحركة الشيوعية اليونانية.

       اليوم، يقع الدير في المرتبة الرابعة بين أديرة الجبل، ويتبع النظام الشركوي منذ العام 1990. إلى جانب اللافرا الكبير يملك دير الخيلانداري أكبر عدد من الأراضي في جبل آثوس.

       

معالم الدير

كاثوليكون الدير

       كاثوليكون الدير مكرّس لدخول والدة الإله إلى الهيكل. وقد جرى بناؤه في القرن 13. جرى رسمه في القرن اللاحق وأعيد ترميمه في القرن 18. اللافت في الكاثوليكون هو أرضه المغطاة بالفسيفساء الجميلة. الإيقونسطاس مغطى بقشرة خشبية مزخرفة بشكل مميز على أن الأصل خلف الغلاف الخشبي مصنوع من الرخام. في الكاثوليكون يوجد ضريح القدّيس سمعان الصربي المغطى بقشرة فضية. من الضريح تنبت كرمة يُقال إن حبوبها تشفي من العقر.

داخل كاثوليكون الدير

       إلى شمال الكاثوليكون، في وسط باحة الدير، يوجد حوض تقديس المياه الذي جرى إنشاؤه في العام 1784 ورسمه في العام 1847.

       قاعة المائدة هي على شكل مستطيل مع عقدتين قبويتين. تقع مقابل جهة الكاثوليكون الغربية. جرى رسم كل جدرانها عام 1623.

       في الدير 11 كنيسة صغيرة. وهناك كنيستان أخريان خارج الدير، واحدة للقدّيس تريفون في الحدائق المجاورة وأخرى للبشارة في المقابر.

       أما مكتبة الدير فهي إلى شرق الكاثوليكون في مبنى جديد. تحوي 47 مخطوطة و935 كتاباً مخطوطاً: 181 باليونانية و809 باللغة السلافية و12 درج: 7 باليونانية و5 بالسلافية. كذلك في المكتبة أكثر من 20,000 كتاب مطبوع.

ضريح وكرمة القدّيس سمعان الصربي

 

الرب يسوع الضابط الكل

       من كنوز الدير عدد كبير من الأيقونات المميزة منها: الرب يسوع المسيح الضابط الكل والإنجيليّون الأربعة والقدّيس يوحنا المعمدان ورؤساء الملائكة ميخائيل وجبرائيل كذلك أيقونة من الفسيفساء لوالدة الإله القائدة Hodegetria وأيقونة لوالدة الإله المرضعة Galactotrophousa . ومن أهم الأيقونات أيقونة لوالدة الإله ذات الأيدي الثلاث (التريشيروزا - Trichirousa ) التي سنأتي على ذكرها. كذلك يملك الدير شوكة من الإكليل الذي وضع على رأس الرب يسوع المسيح في آلامه الخلاصية وذخائر قديسين. وفي دير الخيلانداري صليبان مميزان مصنوعان من عود الصليب المحيي وأيقونة جامعة لـ24 أيقونة صغيرة.

       لدير الخيلانداري 17 قلاية، 15 منها في كارييس.

والدة الإله المرضعة Galactotrophousa والدة الإله القائدة Hodegetria

 

أيقونة والدة الإله ذات الأيدي الثلاث (التريشيروزا - Trichirousa )

       ارتبطت هذه الأيقونة بسيرة القديس يوحنا الدمشقي (يُعيّد له في )، وتعود إلى القرن الثامن الميلادي عندما استلم الملك لاون الحكم في القسطنطينية وأثار حرباً ضد الأيقونات المقدسة، فأمر برفعها من الكنائس وأخذ يضطهد المؤمنين المستقيمي الرأي الذين كانوا يؤدّون الإكرام الواجب لها.

       سمع القديس يوحنا، وهو في مدينة دمشق عاصمة الدولة الأموية، بهذه الموجة العنيفة ضد الكنيسة، وكان، حينئذ،ٍ علمانياً يشغل منصب وزير الخزانة لدى الدولة الأموية. كان اسمه منصور بن سرجون. فانبرى للرد على كل من يهاجم الأيقونات المقدسة واصفاً إياه بالمهرطق وبأنه يحارب تجسد ابن الله من العذراء، وتألّه البشر بالنعمة الإلهية. واعتمد كثيراً على قول القديس باسيليوس الكبير: "إن إكرام الأيقونة يعود إلى عنصرها الأول".

       ولما وصل الخبر إلى الملك المضطهد الأيقونات، أراد أن ينتقم من القديس يوحنا فلجأ إلى الغش والخداع. فدعى إليه بعض الخطاطين ليقلّدوا خطَ القديس برسالة مزورة ملفّقة كأنها على لسان القديس موجهة للملك لاون، وفيها يعرب للملك بأنه مستعد للتعاون معه ضد الخليفة الأموي وأن يسلم له مدينة دمشق. بعد ذلك أرسل الملك لاون إلى الخليفة الأموي الرسالة المزوّرة مع رسالة أخرى يكشف فيها خداع وخيانة المنصور له .

       لما استلم الخليفة هاتين الرسالتين أسرع باستدعاء المنصور (يوحنا)، فأراه الرسالة المزورة قائلاً له: "أتعرف يا منصور هذا الخط ومن كتبه". فأجاب القديس: "أيها الأمير كأن الخط مشابه لخطّي وهو ليس خطّي وألفاظه ما نطقت بها شفتاي ولم أرَ هذا الكتاب إلا في هذه الساعة الحاضرة". لم يصدقه الخليفة، فأمر بقطع يده اليمنى. تم تنفيذ الحكم في الحال وعلّقت يده في وسط مدينة دمشق .

       عند المساء أرسل يوحنا إلى الخليفة طالباً منه أن يهبه يده المقطوعة. فأذن له الخليفة بذلك. فأخذها القديس يوحنا وعاد إلى بيته. هناك صعد إلى علّيته (مكان صلاته) التي كانت فيها هذه الأيقونة. وضع كفه على الأيقونة وارتمى أمامها مصلياً بخشوع ودموع كي يكشف الله براءته من هذه التهمة ويشفي له يده كتأكيد لبراءته، وتوجّه إلى والدة الإله بابتهال حار لتتشفع من أجله. بقي على هذه الحال إلى أن تعب، فنام. وإذا بالسيدة العذراء تظهر له في الحلم قائلة: "قد شُفيت يدك التي ستكون قلم كاتب سريع الكتابة". وأخذت اليد عن الأيقونة ووضعتها مكانها، فعادت كما كانت، فاستيقظ القديس معافى اليد وأخذ يصلي شاكراً الله وأمه الفائقة القداسة. وللشهادة على قطع يده بقي موضع القطع كخيط أحمر .

       ويقال إنه بعد نهوضه من النوم أنشد في الحال ترنيمة "إن البرايا بأسرها تفرح بك يا ممتلئة نعمة " .

       في الصباح ذاع صيت هذا الشفاء العجيب في كل دمشق. وبلغ مسمع الخليفة. فجاء الوشاة إليه قائلين بأن يوحنا لم تقطع يده، بل أنه أعطى أحد عبيده أموالاً كثيرة كي تقطع يده عنه. فاستدعى الخليفة القديس ليستمع منه الدفاع، فأراه القديس علامة القطع التي بقيت كالخيط الأحمر. استغرب الخليفة، وسأله بدهشة عن الطبيب الذي أعاد له يده كما كانت. فأخبره يوحنا عن الأعجوبة التي حدثت معه، فعرف الخليفة بالخديعة وبأنه حكم على القديس ظلماً، فطلب منه المسامحة وأعاد له كرامته السابقة كوزير. ولكن القديس الذي كان قد عاهد نفسه على ترك الحياة الدنيوية، والتفرغ للحياة الملائكية، طلب من الخليفة أن يأذن له بترك كل شيء كي يتفرّغ لربه. فحزن الخليفة على خسارته صديقه ووزيره، لكنه تركه يذهب.

       توجه القديس إلى بيته، وباع ما له ووزعه على الفقراء. ثم قصد فلسطين والتحق بدير القديس سابا المتقدس. لم يحمل معه سوى هذه الأيقونة المقدسة. وقد صاغ القديس معصماً من الفضة ووضعه عليها عربون شكرٍ منه على شفائه العجيب وتذكيراً به .

       بقيت هذه الأيقونة في دير القديس سابا من منتصف القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر حين زار القديس سابا رئيس أساقفة صربيا الدير، فقدمت له هذه الأيقونة المقدسة كبركة له فحملها معه إلى صربيا .

       عند احتلال الأتراك لبلاد صربيا، أخذ الأرثوذكسيون هذه الأيقونة وربطوها على حمار وأُطلق هذا الحمار على هواه بلا قائد ولا مرشد له. كان إيمانهم بأن الله سيعتني بها ويوصلها إلى مكان أمين. وهكذا كان الأمر. فوصل الحمار إلى جبل أثوس ووقف عند باب دير الخيلانداري. فتلقى الرهبان هدية والدة الإله هذه بابتهاج، وحملوها إلى هيكل الكنيسة الكبرى.