يقع دير ديونيسيو جنوب غرب شبه جزيرة آثوس وهو مبني على صخرة ضخمة لكن ضيقة وشديدة الإنحدار. ترتفع هذه الصخرة حوالي 80 متراً عن سطح البحر. يبعد الدير عن كارييس 4 ساعات سيراً على الأقدام.
تاريخ الدير
![]() |
| المرسوم الذي أصدره الأمبراطور ألكسيوس بشأن دير الديونيسيو |
أسّس الدير القدّيس ديونيسيوس الذي من كورسيوس من كاستوريا في القرن 14. باشر البناء مع تلاميذه بوسائله المحدودة. ولكن صعوبة إتمام العمل أجبرته على طلب المساعدة من الأمبراطور ألكسيوس الثالث كومنينوس في تريبيزوند. تدخل متروبوليت تربيزوند ثيودوسيوس أخ القدّيس ديونيسيوس لدى الأمبراطور فحصل القدّيس بسرعة على المساعدة المرجوة. في البدء أُعطي الدير سيولة بقدر حاجته ومن ثم خُصص له مبلغ سنوي. دعي الدير في ذلك الوقت دير الكومنينوس العظيم. استمرّ الأباطرة البيزنطيون بمساعدة الدير. وبعد سقوط القسطنطينية عام 1453، حصل الدير على دعم الأمراء والملوك السلافيين. كُرّس الدير لميلاد القدّيس يوحنا المعمدان في 24 حزيران.
![]() |
| علبة الذخائر التي تحوي عظام القدّيس نيفون |
من أهم ما يذكر في تاريخ الدير أنه في القرن 16 ترك البطريرك نيفون (يُعيد له في 11 آب) عرشه ولجأ إلى دير الديونيسيو متخفياً. كان يلبس ثوب راهب بسيط. طلب الإنضمام إلى الشركة. أُسندت إليه مهمّة سائس البهائم. ذات يوم، فيما كان يحفظ الحيوانات في الجبل، عاين رهبانٌ شعلة نار ترتفع إلى السماء ولاحظ أحدهم القدّيس في الصلاة وكلّه بهاء. عاد الراهب، بسرعة، إلى الدير لينقل الخبر. اجتمع الرهبان في الكنيسة ليسألوا الله في أمر نيفون مَن تُراه يكون. ظهر القدّيس يوحنّا السابق، شفيع الدير، للرئيس وأمره بإعداد العدّة لاستقبال نيفون، بطريرك القسطنطينية. فلما عاد القدّيس إلى الدير في حلّته البسيطة، كانت الشركة كلّها في انتظاره بالباب، على قرع الأجراس، بالشموع والبخور، إكراماً لرتبته.
![]() |
| الواجهة البحرية للدير |
فلما طالعه المشهد انطرح أرضاً والدموع في عينيه، وسأل الإخوة الصفح لأنّه خدعهم. شرح لهم أنّ هذا كان لخلاص نفسه ولكي يجد رحمة في الدينونة، فإنّه، هرباً من الكرامات الباطلة وهموم العالم جعل نفسه في خدمتهم كالأخير بينهم. فيما بعد، استمرّ يخدم الشركة في الأمور الوضيعة عينها، معلِّماً بالمثال الطيِّب التواضع، ومستأسراً كل فكر جسدي لناموس الروح بنسك فائق.
![]() |
| جانب من الدير |
عام 1574، احتلّ الدير المرتبة الخامسة، في الجبل المقدّس، بعد تراجع دير كزيروبوتامو بسبب ضيقاته المالية. ما زال الدير يحتفظ بهذه المرتبة إلى اليوم. وهو من الأديرة القلة التي لم يثبت فيها النظام الإيديوريتمي طويلاً، فقط ما يقارب القرن ثم عاد إلى النظام الشركوي في العام 1805 وبقي عليه.
معالم الدير
![]() |
| أحد أزقة الدير حول الكاثوليكون |
يشبه الدير من الخارج قلعة محصنة مثل معظم الأديرة في الجبل. ولدى دخول الزائر إلى ساحة الدير يجدها صغيرة متعددة الزوايا فيها الكاثوليكون الذي تحيط به أزقة ضيقة وقناطر. يعود ذلك إلى المساحة المحدودة التي بني عليها الدير على رأس الصخرة.
![]() |
| كاثوليكون الدير من الداخل |
كاثوليكون الدير مكرّس لعيد ميلاد السابق المجيد وقد رُمِّم ورُسمت حائطاياته بين العامين 1537-1547. ساهم في ذلك الأمير بطرس السلافي. يعلوه خمس قبب. داخل الكنيسة مظلم بعض الشيء لأن المباني المحيطة به تحجب الضوء. يتّبع بناء الكاثوليكون الهندسة التقليدية للكاثوليكون في الجبل.
تقع قاعة الطعام إلى جنوب غرب الكاثوليكون. رسوم الحائط فيها مميزة وتعود إلى المدرسة الكريتية: أيقونات لقدّيسين بالطول الطبيعي ومشاهد من استشهادهم، سقوط لوسيفر، رؤساء الملائكة القدّيسون، السلّم إلى الله، بالإضافة إلى ذلك صور من الإنجيل وعجائب الرب يسوع ومقاطع من حياة القدّيس يوحنا المعمدان. في مدخل المائدة حائطيات تمثّل نهاية العالم والدينونة الأخيرة.
![]() |
![]() |
| قاعة الطعام | الجداريات عند مدخل قاعة الطعام |
إلى جانب قاعة الطعام يوجد البرج الذي يحوي الجرسية وهو مقسّم إلى ثلاثة طوابق. في
![]() |
| البرج الذي يحوي الجرسية |
الطابق العلوي توجد ساعة الدير القدّيمة.
وبسبب ضيق المساحة في باحة الدير لا يوجد حوض لتقدّيس الماء كما في سائر الأديرة.
مكتبة الدير محفوظة في مبنى جديد وتحوي حوالي 1100 مخطوطة وكتاب مخطوط بالإضافة إلى أكثر من 15000 كتاب مطبوع.
من أهم كنوز الدير اليد اليمنى للسابق المجيد التي بها عمّد الرب يسوع المسيح في الأردن بالإضافة إلى صليب فيه قطعة من الصليب المحيي. في كاثوليكون الدير قطع من عظام القدّيس نيفون موضوعة في علبة ذخائر مغطاة بالفضة والذهب مزخرفة بشكل مميّز. إلى جانب ذلك يملك الدير الكثير من ذخائر القديسين وقطعة من سلسلة الرسول بطرس الذي حرره منها الملاك بشكل عجائبي عندما كان هيرودوس الملك مُزمعاً أن يقتله (يُعيَّد للسجود للسلسلة في 16 كانون الثاني). من أهم الأيقونات في الدير أيقونة والدة الإله عذراء المديح وهي موجودة في كنيسة على اسمها.
![]() |
| اليد اليمنى للسابق المجيد مع الصليب الذي فيه قطعة من الصليب المحيي |
في الدير 8 كنائس أخرى غير الكاثوليكون بالإضافة إلى 6 كنائس أخرى خارج الدير وتابعة له.
تابع لدير ديونيسيو 7 قلالي واحدة منها في كارييس وعدد من الكاثسماتات، وميتوخيون مونوكسيليتو (Monoxylitou).
|
![]() |
| الواجهة الجبلية للدير | |
منقوشٌ على اللوح الفضي الذي على ظهر هذه الأيقونة:
الإمبراطور الكسيوس كومنينوس يعهد هذه الأيقونة إلى المغبوط ديونيسيوس، مؤسس الدير، لدى زيارة هذا الأخير تريبيزوند. هذه الأيقونة هي التي حملها البطريرك سيرجيوس حول أسوار مدينة القسطنطينية فصدت هجوم الفرس عام 626 م والتي جرى ترنيم المديح أمامها لأول مرة بعد الإنتصار.
وقصة الأيقونة هي التالية:
تعود هذه الأيقونة المقدسة إلى القرن السابع الميلادي. سنة 626 م نشبت حرب بين الروم والفرس. استطاع الفرس أن يتقدموا حتى مدينة خلقيدونية. طمع الآفار، وهم قوم من البرابرة، بالاشتراك في الحرب ضد الروم ظانين أنهم بهذا سيحصلون على غنائم جمّة. اندفعوا إلى أسوار المدينة المتملّكة، القسطنطينية. الإمبراطور هرقل، الذي كان متغيباً عن العاصمة بسبب انشغاله بالحرب، جعل البطريرك المسكوني سرجيوس وصيّاً على ابنه ونائبه في الحكم. بإذاء الخطر المحدق بالعاصمة، هبّ البطريرك بكل فصاحة وشجاعة يثير الهمم ويشدّد العزائم، ويدعو المحاصَرين إلى التوكل على الله ووالدته الفائقة القداسة بقوله لهم:
"تشجعوا يا اولادي فإن رجاءنا بالنجاة ملقىً على الله وحده ونحن رافعون إليه من كل قلوبنا ونفوسنا أيدينا وأبصارنا. هو الذي يبدّد المصائب والنكبات النازلة بنا ويدمّر مظالم أعدائنا". وأخذ البطريرك يطوف مع الشعب شوارع المدينة ويدور حول أسوارها، حاملاً أيقونة المخلّص وأيقونة والدة الإله المقدسة مناجياً وباكياً هكذا :"قم يا الله وليتبدد أعداؤك وليبيدوا كالدخان ويذوبوا كالشمع من أمام وجهك" ( مز67: 1 ). أصبح البطريرك على حسب تعبير أحد المعاصرين "خوذة العاصمة ودرعها وسيفها". ويقول فيه معاصر آخر: "إن البطريرك ما فتئ يواجه قوات الظلمة والفساد بأيقونتَي المخلّص والسيدة العذراء حتى زرع في قلوب الأعداء الرعب والخوف. فكانوا كلما عرض البطريرك من الأسوار أيقونة الشفيعة حامية العاصمة أعرضوا هم عن النظر إليها".
أتمّ زعيم الأعداء كل ما يلزم لتهيئة الهجوم. ملأ خليج القرن الذهبي بالسفن وحاصر الأسوار بالعساكر المشاة. ثم أمر بالهجوم على المدينة. ردّ الجنود المستعينون بالمخلّص ووالدته بشجاعة هجمات العدو الغادر. امتلأ ميدان القتال بجثث البرابرة، وفي الوقت عينه عصفت ريح عاتية جعلت البحر هائجاً مائجاً، الأمر الذي أدى إلى إغراق معظم سفن الأعداء وتحطّمها.
فتح شعب القسطنطينية أبواب المدينة وطارد البرابرة إلى معسكرهم. عند ذلك أحرق الأعداء جميع الآلات التي كانوا قد جاؤوا بها لتهديم أسوار المدينة وتقهقروا ومعهم الجيش الفارسي الذي مُني هو أيضاً بخسائر فادحة لمشاركته بالحملة.
أما الشعب المتعزي بمعونة والدة الإله السريعة الإجابة فرنّم أمام أيقونتها المقدّسة: "إني أنا عبدك يا والدة الإله أكتب لك رايات الغلبة يا جندية محامية وأقدّم لك الشكر كمنقذة من الشدائد لكن بما أن لك العزة التي لا تحارب أعتقيني من صنوف الشدائد حتى أصرخ إليك، افرحي يا عروسا لا عروس لها". وأحيى الليل كلّه واقفاً على الأقدام مصلياً ومرنّماً للشفيعة السماوية نشائد المديح والشكر.
تذكاراً لهذا الانتصار والانتصارات الأخرى الممنوحة بمساعدة والدة الإله حدّدت الكنيسة المقدسة عيد مديح والدة الإله الفائقة القداسة في يوم السبت من الأسبوع الخامس من الصوم الكبير كل سنة حين ترنّم خدمة مديح العذراء الفائقة النقاوة المسمّاة (أكاثيسطون) أي (التي لا يُجلوس فيها) لأن الشعب رتلّ هذه النشائد الشريفة في البدء واقفاً الليل بطوله.
كان يُحتفل بالمديح هذا في كنيسة البلاط الإمبراطورى حيث حُفظت أيقونة والدة الإله القائدة العجائبية مع ثوبها وزنّارها الشريفين وفي المكان الذي أقام الشعب الصلاة ساهراً ليلة هجوم الآفاريين والفرس على مدينة القسطنطينية. في القرن التاسع أُثبت هذا العيد في قوانين ديري سابا المتقدّس وستوديون، ومنهما انتقل إلى كتاب التريودي الذي يضم صلوات الصوم الأربعيني المقدس. وهكذا عّمالمديح الكنيسة الشرقية جمعاء.
اشتهرت هذه الأيقونة بجريان الميرون الذكي الرائحة منها. هي صغيرة الحجم وقاتمة لذلك فإن تمييز تفاصيلها صعب. الأيقونة موجودة في كنيسة على اسمها في دير ديونيسيو حيث يُتلى المديح يومياً. تعرضت للسرقة مرتين، المرة الأولى كانت سنة 1592 والمرة الثانية كانت سنة 1767 وفي المرتين اضطر سارقوها إلى إعادتها للدير.
في سنة 1592 هاجمت مجموعة من القراصنة دير القديس ديونيسيوس وسرقت الأيقونة المباركة ووضعتها في صندوق بعد تغطيتها بأغطية كثيرة وأبحرت مسرورة بما فعلت. وما إن ابتعدت السفينة عن الشاطئ حتى تتالت ظهورات والدة الإله لزعيم القراصنة قائلة له: "لماذا وضعتني في السجن أيها الرجل الشرير؟ أرجعني إلى مسكني الذي أقيم فيه بهدوء وسلام". ولمّا لم يبالِ الزعيم بكلامها، قامت عاصفة هوجاء مفاجئة وتهددت السفينة بالهلاك. فعاد الزعيم إلى نفسه وتذكر ظهور العذراء له فأسرع إلى الصندوق الذي وُضعت فيه الأيقونة فألفاه محطّما إلى قطع صغيرة والأيقونة مبللة بالميرون الطيب العرف مع الأغطية التي عليها. وما إن رفع الأيقونة بيديه المرتجفتين حتى سكنت الريح وهدأت العاصفة. للحال عاد اللصوص أدراجهم إلى الشاطئ وأرجعوا الأيقونة إلى الدير. هذه الحادثة دفعت العديد من القراصنة إلى التوبة والعودة إلى الله تاركين لصوصيتهم الأثيمة، فاعتمدوا وقد بقي قسم منهم في الدير وترهب.
أما في العام 1767، فقد سرقت عصابة من دالماتيا الأيقونة مجدداً، وفي طريق عودة العصابة إلى مقرّها، لاحظها بعض الرعاة اليونانيين فأخذوا منها الأيقونة ووضعوها في جزيرة سكوبوليس. رفض مشايخ القرية إعادة الإيقونة لرهبان دير الديونيسيو. وما إن مرّ ثلاثة أشهر عُوقبت المنطقة بوباء الطاعون، فأدرك السكان خطأهم وتابوا وأعادوا الأيقونة إلى الدير ووهبوه ميتوخيون في جزيرتهم.















