الجبل المقدّس آثوس
دير سيمونوس بتراس

       شُيّد الدير على قمة منحدر صخري شاهق وشبه عمودي فوق البحر إلى الجهة الجنوبية الغربية لشبه جزيرة آثوس. يبعد الدير عن كارييس ثلاث ساعات ونصفاً سيراً على الأقدام. بناء الدير هو من أكثر الأعمال جرأة في الجبل، وهو بمثابة عجيبة في ما يخص الهندسة الرهبانية.

 

 

الدير من البحر
الدير من فوق
جانب من الدير

       الدير مكّرس لميلاد الرب يسوع المسيح المعيّد له في 25 كانون الأول تذكاراً لرؤيا رآها مؤسس الدير.

تاريخ الدير

القدّيس سمعان المفيض الطيب

       أَسّس الدير القدّيس سمعان المفيض الطيب (المعيّد له في 28 كانون الأول). عاش في الجبل المقدّس في منتصف القرن 13. كان ناسكاً في مغارة ضيّقة رطبة على المنحدر الغربي من آثوس، على علو ثلاثمائة متر عن البحر. وحدث لسمعان ذات ليلة، قبل أيام من عيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح، أن رأى نجماً يهبط فجأة من السماء ليستقر فوق صخرة مقابل المغارة التي كان مقيماً فيها. وإذ خشي أن يكون ذلك فخاً من فخاخ الخبيث الذي كثيراً ما يظهر بمظهر ملاك من نور، لم يولِ المنظر اهتماماً بل انصرف عنه إلى صلاته وسجداته. لكن المنظر تكرّر على سمعان بضع ليال متتالية. وما أن حلّت ليلة الميلاد حتى انحدر النجم فوق الصخرة كما لو كان نجم بيت لحم وخرج صوت من السماء، كان صوت والدة الإله، يقول:"لا تخف يا سمعان، الخادم الأمين لابنيَ! انظر هذه العلامة ولا تغادر المكان فتجد لنفسك خلوة أكبر كما تشتهي لأني أريدك هنا أن تنشىء ديراً لخلاص كثيرين". فلما سمع سمعان صوت والدة الإله اطمأن قلبه وغمرته النشوة فألقى نفسه محمولاً إلى بيت لحم، أفي الجسد أم خارج الجسد؟ الله يعلم! وقف مذهولاً أمام الطفل يسوع مع الملائكة والرعاة! وإذ عاد إلى نفسه باشر للحال ما دعته والدة الإله إليه. وما هي إلا فترة قصيرة حتى جاء إلى سمعان ثلاثة إخوة من عائلة تسالونيكية غنية، سمعوا عنه وعن فضيلته. فألقوا بغناهم عند رجليه، على نحو ما فعل المجوس قديماً أمام طفل المغارة، وسألوه أن يقبلهم تلاميذ له.

إحدى شرفات الدير

وجيء ببنائين، فلما عاينوا الموضع ولاحظوا وعورته وخطورة العمل فيه امتنعوا واتهموا القدّيس بالجنون. في تلك الساعة جاء أحد الإخوة الثلاثة ليقدّم للبنّائين النبيذ ضيافة. وكان الموضع الذي جلسوا فيه مشرفاً على هوّة. فزلقت رجل الأخ وسقط من علو. فظنّوه قد مات وتيّقنوا من أن ما قالوه عن استحالة العمل في المكان كان صحيحاً. فجأة، وبفعل صلاة قديس الله، رأوا الراهب يصعد من الهوّة سالماً معافى وإبريق الخمر في يده والكأس في اليد الأخرى ممتلئة وكأنه على وشك تقديمها لهم. إذ ذاك تعجّبوا ومجّدوا الله وترّهبوا. ولما بدأوا بالعمل تعرّضوا لحوادث عدة، لكن بنعمة الله، لم يصبهم أي أذى. واكتمل البناء وأخذت أعداد من طلاب الرهبنة تنضمّ إليه. وهكذا بنعمة الله تأسس هذا الدير الشريف. أعطى القدّيس سمعان للدير اسم "بيت لحم الجديد". ولكن في وقت لاحق أخذ الدير اسم مؤسسه والصخرة التي بني عليها.

واجهة من الدير

       تمّ البناء الأول للدير بمساعدات الحاكم يوحنا أوغليزا السخيّة عام 1364. هذا بعث بأحد معاونيه أفثيميوس ليشرف على بناء الدير مع هدايا وأموال. في هذه الفترة أيضاً تلقّى الدير مساعدات من مصادر أخرى جعلته يزدهر. في التيبيكون الثالث للجبل المقدّس يقع دير سيمونوس بيتراس في المرتبة 23 بين الأديرة 25 الموجودة آنذاك.

       في القرن 16، وبالتحديد عام 1580، شهد الدير تراجعاً سببه حريق كبير دمّر كل أبنيته وأتلف كنوزه وأرشيفه. وما أعيد إعماره دُمّر مجدداً بحريق ثانٍ عام 1626. هذا وبسبب الضيقات المادية التي تعرّض لها الدير في هذه الفترة اضطر، في القرن 17، لتبني النظام الإيديورتمي. غير أن ذلك لم يؤدِّ إلى تحسين وضع الدير المادي.

داخل الدير

       في القرن 18، بدأ وضع الدير يتحسن عندما انضم إليه القديّس المغبوط باييسي  فيليتشكوفسكي (المعيّد له في 15 تشرين الثاني) مع عدد من تلاميذه والراهب اليوناني يوسف الذي من لسبوس. هذا الأخير جاء باليد اليمنى للقدّيسة مريم المجدلية التي كان قد سرقها قراصنة في ما مضى. بإزاء هذا الدعم الروحي والمادي، عاد الدير مجدداً إلى النظام الشركوي عام 1801.

 

كوخ القدّيس سمعان المفيض الطيب

       خلال الثورة اليونانية، بين العامين 1820 و1828، ترك الرهبان الدير لمحاربة الأتراك، فأُققل ثلاث سنوات.

       وعام 1891، نشب حريق جديد، وبالكاد استطاع الرهبان الفرار ومعهم بعض من الكنوز والوثائق. وللمرة الثالثة أُعيد إعمار الدير بهمة رئيسه نيوفيتوس الذي أخذ يجول في البلاد الروسية لجمع التبرعات.

داخل كوخ القدّيس سمعان المفيض الطيب

       بعد تحرير اليونان من الهيمنة التركية، استعاد دير سيمونوس بيتراس ازدهاره، إلا أنه، حوالي العام 1963، شهد فترة من الإنحطاط. وفي العام 1970، انضم إلى الدير عدد من رهبان الميتيورا. هؤلاء ساهموا في إعادة الحياة إلى الدير.

       يحتلّ الدير اليوم المرتبة 13 بين أديرة الجبل ويتبع النظام الشركوي.

معالم الدير

كاثوليكون الدير

       لا يوجد في دير سيمونوس بيتراس أبنية منفصلة لكل منها عمل معين وذلك بسبب المسافة الضيقة التي بني عليها الدير.

       يقع كاثوليكون الدير في وسط الباحة الضيقة، وهو صغير وذو قبة واحدة وغير مرسوم. يلتصق نارثكس الكنيسة بالجناح الغربي للدير. بني عام 1600 ودمّر في حريق 1891. وحوالي هذا العام أُعيد بناؤه بشكله الحالي.

       يوجد في الدير 4 كنائس إلى جانب الكاثوليكون وتعود له 8 كنائس خارج الدير.

داخل الدير

       للدير 5 قلالٍ في جوار كارييس. القلاية المكرّسة لجميع القدّيسين هي المقرّ الرئيسي للدير. كما يعود للدير عدد من الأبنية في كارييس ودافني.

       يملك الدير عدداً من الميتوخيا خارج الدير منها كنيسة الصعود في أثينا وكنيسة القدّيس خرالمبوس في تسالونيكيا وكنيسة البشارة في أورميليا.

       من كنوز الدير قطعة من العود المحيي وعدد كبير من ذخائر القدّيسين من أهمها اليد اليمنى للقدّيسة مريم المجدلية التي لم تزل غير منحلّة.

       مكتبة الدير لا تحوي مخطوطات مهمة إذ أن معظمها دمّر في الحرائق المتعاقبة على الدير. يوجد فيها بعض المخطوطات الحديثة وعدد من الكتب المطبوعة.

مزيد من الصور للدير

شرفة في الدير داخل الدير
درج داخلي في الدير عين ماء في الدير
غرفة الطعام داخل الدير