الجبل المقدّس آثوس
دير الفاتوبيذي

       يقع دير الفاتوبيذي على حافّة خليج واسع في النصف الشمالي لجبل آثوس. يبعد عن كارييس ثلاث ساعات سيراً على الأقدام. وهو مكرّس لبشارة والدة الإله.

       بحسب التقليد، أنشأ الأمبراطور قسطنطين الكبير الدير أولاً ثم دمرّه الأمبراطور يوليانوس الجاحد وأعاد بناءه الأمبراطور ثيودوسيوس الأول عربون شكر لعودة ابنه أركاديوس سالماً. تقول القصة أنه عندما كان أركاديوس مبحراً من روما إلى القسطنطينية، تحطمت سفينته على ضفاف شبه جزيرة آثوس، لكن والدة الإله تدخلت وأنقذت الأمير فجرفته الأمواج إلى الشاطىء حيث وُجد نائماً بين أشجار العلّيق ومنه أُخذ اسم الدير: شجرة العلّيق (Vato) وطفل (paidi).

       أما التاريخ فينسب تأسيس الدير إلى ثلاثة رهبان إخوة هم أثناسيوس ونيقولاوس وأنطوني. هؤلاء جاءوا من أدرينوبوليس وأرادوا الإلتحاق بالقدّيس أثناسيوس في اللافرا الكبير. وبعد بضعة أشهر في عهدة القدّيس أرسلهم ليؤسسوا ديراً جديداً.

       التيبيكون الثاني لجبل آثوس (1046) يُعطي دير الفاتوبيذي المرتبة الثانية بين الأديرة التي كانت موجودة في الجبل. هذه مرتبةٌ ما زال يحتفظ بها إلى اليوم.

       وبعد إنشاء دير الخيلانداري، في القرن 12 من قبل القديسيَن الملك الصربي سمعان وابنه سابا، وهما كانا راهبين في دير الفاتوبيذي، جرى التقليد (وهو إلى اليوم) أن رهبان دير الفاتوبيذي يشاركون بالإحتفالات الكنسية السنوية لديرالخيلانداري وكذلك رهبان دير الخيلانداري في الأعياد السنوية لدير الفاتوبيذي.

قلالي في الدير

 

ساحة الدير

       شهد دير الفاتوبيذي سلسة غزوات من القراصنة والأتراك. ولكن هذا لم يحُل دون تقدّم الدير وازدهاره بفضل المساعدات السخية للأباطرة البيزنطيين ومن ثم القيصر الروسي. وكسائر الأديار في الجبل شهد دير الفاتوبيذي تقلّبات بين النظام الشركوي والنظام الإيديوريتمي. ومن العام 1989 م إلى اليوم، يتبع الدير النظام الشركوي.

       القدّيس غريغوريوس بالاماس نسك بقرب الدير والقدّيس مكسيموس اليوناني سيم راهباً في الدير. وفي العام 1749 م أُنشئت الأكاديمية الآثوسية في الدير فأمّنت العلم والثقافة للشعب اليوناني خلال الأزمات الصعبة.

       معالم الدير

كاثوليكون الدير

       من  أهم  معالم الدير، الكاثوليكون  المكرّس  لبشارة والدة الإله.  أُنشئ  في  القرن  العاشر  على الطريقة  الآثوسية  أي على طريقة إنشاء  كاثوليكون دير اللافرا الكبير. في الكاثوليكون بعض الحائطيات التي تعود إلى العهد البيزنطي وأعيد رسمها بين القرنين 18 و19. وفي الدير 12 كنيسة صغيرة وله 19 كنيسة خارج حرم الدير. 5 من هذه الكنائس داخل الكاثوليكون.

الجرسية مع حوض تقدّيس الماء

 

قاعة الطعام

       قرب حائط الكاثوليكون حوض لتقدّيس الماء وهو مسيَّّج بأعمدة رفيعة. وقد جرى رسم المكان في العام 1810 م. مقابل الكاثوليكون قاعة للطعام وهي من القرن 12 وجرى رسمها في العام 1786 م.

       جرسية الدير هي أقدم جرسية في الجبل وقد جرى بناؤها على الطريقة البيزنطية حوالي العام 1427 م.

نارثكس الكاثوليكون

       شماليّ شرقيّ الجرسية مكتبة الدير. في المكتبة حوالي 2000 مخطوطة و25 درجاً والعديد من الوثائق وأكثر من 35,000 كتاب مطبوع.

       من كنوز الدير جزء من زنار والدة الإله، وقطعة من الصليب المقدّس، وقطعة من القصبة ذات الإسفنجة المبلولة بالخل التي قدّمت للرب يسوع المسيح على الصليب، وكأس مصنوعة من حجارة الياسمين (Jasper)، وهي هدية من مانويل كنتاكوزينوس. وأيقونة مزدوجة للرب يسوع ووالدة الإله هي المصلّى السرّي للأمبراطورة ثيودورة في فترة إضطهاد الأيقونات.

كأس مصنوعة من حجارة الياسمين (Jasper)

كذلك في الدير عدد من الإيقونات العجائبية سنأتي على ذكرها.

       تابع للدير إسقيط القدّيس أندراوس وإسقيط القدّيس ديميتريوس و27 قلاية: 22 قلاية في كوليسو و 5 في كارييسٍ.

 

إسقيط القدّيس أندراوس المدعو أوّلاً حيث توجد هامته

الأيقونات العجائبية

   العذراء الشافية من السرطان أو "ملكة الكل" (Pandanassa)

       في يوم من الأيام أتى شاب إلى الكنيسة لتكريم أيقونة والدة الإله. وإذ اقترب منها، أخذ وجه العذراء القدّيسة، فجأة، باللمعان وقوة غير منظورة طرحته أرضاً. فلمّا عاد إلى نفسه، اعترف أنه كان يحيا بعيداً عن الله وبأنه يتعاطى الشعوذة. وإثر التدخّل العجائبي لوالدة الإله، غيّر الشاب مسلك حياته وغدا مسيحيّاً تقيّاً.

       هذه الإيقونة مُجّدت، أيضاً، من خلال عدة أشفية لمرض السرطان المنتشر بكثرة في أيامنا هذه. لهذا كُتب مديح لهذه الأيقونة سنة 1996، ودُوّنت أشفية كثيرة من خلال تلاوة هذا المديح بتواتر. نسخة من هذه الأيقونة رُسمت بدمج الألوان مع الماء المقدّس وبُعثت إلى روسيا حيث جرت بها عدة أشفية.

   العذراء المطعونة (Esfagmeni)

       رواية هذه الأيقونة تقول إنه في أحد الأيام أبطأ الشماس القندلفت بسبب انشغاله في تنظيف الكنيسة فأتى إلى المائدة بعد الجميع طالباَ غذاءه. رفض المسؤول عن المائدة أن يعطيه شيئاً منبّهاَ إياه إلى وجوب الحضور في الوقت المحدد لأنه هكذا تفترض الحياة المشتركة. (هذه الحادثة تكررت عدة مرات). فانفعل الشماس وعاد إلىِ الكنيسة وتلفّظ وهو في حالة من الغضب أمام الأيقونة بهذه الكلمات:"يا والدة الإله حتى متى أخدمك؟ إني أتعب وأتعب وليس لدي شيء حتى ولا كسرة خبز تشدّدُ قواي المنهوكة". قال هذا وأخذ السكين الذي كان يزيل به الشمع عن المصابيح وطعن به خدَّ السيدة العذراء الأيمن. فانغرست السكين فيها فاصفرّ للحال رسم العذراء وفار الدم من الجرح فسقط الطاعن وعمي ويبست يده. لكن بفضل صلاة رئيس الدير والشركة، ظهرت والدة الإله لرئيس الدير وأعلمته أن الراهب سيشفى. أمضى هذا الراهب بقية حياته يصلي مقابل الأيقونة طالباً الغفران. أخيراً ظهرت له والدة الإله وأفرحته بالعفو عنه. ولكن أنذرته بأن يده الجسورة لا بد أن يحكم عليها في مجيء المسيح الديّان. ثم منحته الصفح والرحمة فأبصر وعاد كما كان. أما يده فبقيت يابسة حتى مماته، وهي، إلى الأن، تُعرض، أحياناً، على الزائرين موضوعة في صندوق تحت الأيقونة العجائبية وهي غير منحلّة وسوداء.

   العذراء التي أصيبت بطلقة رصاص (Pyrovolitheisa)

       عام 1833 م، عندما كان الأتراك يحتلّون الجبل المقدّس. تجرأ جندي وأطلق النار على أيقونة والدة الإله الحائطية التي فوق باب مدخل الدير فأصاب يدها اليمنى؛ وأصيب هو بالجنون فشنق نفسه في شجرة زيتون مقابل مدخل الدير. هذا الجندي كان ابن أخ قائد الفرقة المحتلّة، فأصبح الدير في خطر إلا أن رفيق هذا الجندي شهد ما حصل ونقل الخبر للقائد الذي شعر بأن هذا فيه تدّخل إلهي ورفض أن يدفن جسد الجندي.

   العذراء المعزية (Paramythia) "لا تتكلّمي يا أمي"

       في السنة 807 م اقتربت عصابة لصوص من الجبل تنوي الدخول إلى الدير عندما يفتح أبوابه في الصباح من أجل نهب ثرواته الكثيرة والفتك برهبانه. في الغد ذهب كل من الاخوة إلى قلايته للاستراحة بعد صلاة السحر، وبقي رئيس الدير في الكنيسة. فسمع وهو يصلي صوتاً يقول له :"لا تفتحوا اليوم أبواب الدير بل اصعدوا إلى السور واطردوا اللصوص". فاضطرب وذهب إلى مصدر الصوت إلى أن اقترب من الأيقونة التـي كانت على الحـائط الخارجي للكنيسة، فأمعن النظر فيها .فبدت له منها أعجوبة مدهشة ألا وهي أنه رأى رسم والدة الإله ورسم طفلها على يدها وكأنهما حيّان. فبسط الطفل الإلهي يده على فم أمه وأدار وجهه إليها وقال لها:"لا يا أمي لا تقولي لهم هذا بل دعيهم يُعاقَبون". لكن والدة الإله أعادت قولها للرئيس مرتين وهي مجتهدة في إمساك يد ابنها وربها وفي تحويل وجهها عنه إلى الجهة اليمنى. تخشّع الرئيس ونادى الرهبان وقصّ عليهم ما حدث له معيداً ما قالت والدة الإله وما قال لها ابنها الرب يسوع بسبب كسلهم وتوانيهم في الحياة الرهبانية. ولاحظ الاخوة أن رسم العذراء ورسم ابنها الإلهي وهيئة الأيقونة بشكل عام قد تغيّرت وصارت غيرما كانت عليه. فعظّموا والدة الإله لحمايتها لهم والرب يسوع المسيح الذي رحمهم من أجل شفاعتها وتعاهدوا على السلوك حسناً بجدّ ونشاط في حياتهم الرهبانية. ثم صعدوا إلى السور فدفعوا هجوم عصابة اللصوص.

       بقي رسم والدة الإله ورسم ابنها الإلهي إلى الآن على المنظر ذاته الذي تحوّلا إليه عندما تكلّما أمام رئيس الدير. أي بقي وجه العذراء محوّلاً إلى كتفها الأيمن ووجه طفلها متجهاً إليها . تذكاراً لهذه الحادثة يُشعَل، من ذلك الحين، قنديل أمام هذه الأيقونة المقدسة، وقد أُقيم لها كنيسة على اسمها حيث يُقام كل يوم القداس الإلهي وصلاة البراكليسي. لهذه الأيقونة خاصيّة تلفت الانتباه ألا وهي أن منظر وجه والدة الإله يعبّر عن المحبة والحنان ويفيض باللطف، أما وجه الطفل الإلهي فهو عابس متجهّم ويلاحَظ في معالمه كلها الغضب والوعيد ونظره طافحاً بالقسوة ويبدو وكأنه المسيح الديّان .

   العذراء التي يسيل منها الزيت (Elaiovrytissa)

       الأيقونة قيِّمة على مخزن السوائل (الزيت والنبيذ) (docheion) في الدير ويحكى في صددها هذه الأعجوبة: عندما كان المغبوط جنّاديوس مسؤولاً عن مخزن السوائل في دير الفاتوبيذي، ذهب، ذات مرة، إلى رئيس الدير وأعلمه أن مخزون الزيت نفذ ويجب الإمساك عن تسليم الزيت والإحتفاظ بما تبقى للحاجات في الكنيسة. أجابه رئيس الدير أن لا يقلق بهذا الشأن ويستمر في تسليم الزيت بحرّية لمن يطلب. ففي يوم من الأيام دخل المغبوط جنّاديوس ليسحب آخر كمية من الزيت وإذ به يجد أن الجرة قد امتلأت وفاض منها الزيت وسال حتى وصل إلى باب المخزن. تفوح من الأيقونة رائحة طيب زكية وهي معروفة أيضاً بعذراء (Docheiarissa).

   عذراء البئر (Ktitorissa or Vimatarissa)

       في إحدى المرات التي هجم البرابرة على دير الفاتوبيذي بقصد النهب والتهديم والقتل، استطاع احد الرهبان أن يأخذ هذه الأيقونة مع صليب حديدي، يعود إلى زمن الملك قسطنطين الكبير، فوضعهما في بئر كان قرب الدير وأشعل امامهما شمعة وغطى البئر. هرب الراهب و استطاع أن يصل إلى المرفأ ومنه انطلق إلى وطنه في جزيرة كريت حيث أقام عند أقاربه واستطاع أن يتابع حياته الرهبانية كما كان في الدير. وقد دوّن ما حدث من هجوم البرابرة وكيف أنه استطاع أن يُخفي الأيقونة مع الصليب، ورسم علامات توضح مكان البئر. مات هذا الراهب وعلم أقرباؤه، بعد وفاته، بأمر المخطوطة التي كتبها بشأن الأيقونة فأرسلوا إلى الدير مخبرين بهذه الحادثة، وكان قد مضى عليها ثمانون عاماً. استلم الرهبان الموجودون آنذاك في الدير هذا الخبر. فشرعوا في البحث عن مكان البئر مستعينين برسم الراهب الى أن استطاعوا الاهتداء اليه بعد بحث وتنقيب كبيرَين. كشفوا غطاء البئر ويا للعجب فقد رأوا الأيقونة طافية على سطح الماء منتصبة وأمامها الصليب الحديدي منتصبٌ ايضا والشمعة مشتعلة كما تركها الراهب .فرح الرهبان كثيراً ونقلوا الأيقونة والصليب بزياح وبنوا مكان البئر كنيسة وجعلوا المائدة المقدّسة فوق البئر. حالياً الأيقونة في الهيكل موضوعة وراء المائدة المقدسة. في الأعياد الكبيرة وفي الأحد الأول من كل شهر يقوم الرهبان بزياح كبير حول الدير بهذه الأيقونة ثم يأتون بها إلى امام مكان تقديس الماء، حيث يقومون بخدمة تقديس الماء امامها ثم يعودون بها الى الهيكل. اما الصليب فموضوع على المائدة، وأما الشمعة التي وجدها الرهبان آنذاك فدخلت في تقليد الدير بحيث إنهم كلما أرادوا أن يصنعوا شمعاً يضعون قطعة صغيرة من تلك الشمعة في وسط الشمع المراد تصنيعه كبركة .