مريم المصريّة وحياتنا الرّوحيّة

 

الفهرس

مقدمة

سرّ الخطيئة

الصّوم

الصّوم والصّلاة

إلى أين؟!

كيف نخلص؟!

 

       يا أحبّة، نحنُ اليومَ أمامَ محطّةٍ، بل إنّنا نقفُ في محطّةِ القداسةِ البشريّةِ باحثينَ عن مقعدٍ نرتاحُ إليه لنُشفى من تعبِ ركضِنا في مجاري وزواريبِ هذا العمر قاصدينَ رجاءَنا الأخير.

       لماذا اخترتُ مريمَ المصريّةَ؟! لأنّ كنيستي اختارتها، تلك الّتي أَخرجَها الرّبُّ من سراديبِ وعتَماتِ خطيئةِ الجسدِ، إلى الارتقاءِ بتوبتِها منَ الظُّلمةِ وظِلالِ الموتِ، كي تصيرَ نِبراسًا ونورًا يستضيءُ بهِ كلُّ الآتينَ والمسافرينَ بحار هذا العمرِ ليرتاحوا في ميناءِ خلاصِ الإله، في نورِه الإلهيِّ، في قيامتِهِ من خلالِ مريمَ المصريّةِ ومعها اليوم في هذا الأحدِ الأخيرِ قبلَ دخولِ السّيّدِ آلامَهُ في أورشليم.

       ويتبادرُ إلى أذهانِ البعضِ بيننا الآن، لماذا نتّخذُ مريمَ المصريّةَ؟! أنحنُ زناةٌ مثلها؟! لا. نحنُ نحيا معَ المسيحِ في كنيستِهِ ونَتّقيهِ في كلِّ ما نقولُ وما نفعلُ! نحنُ نصومُ ونصلّي. نحنُ ننتمي إلى جسدِ الكنيسةِ في اجتماعاتِ ولقاءاتِ جماعاتِنا الأرثوذكسيّةِ. نحنُ نرتّلُ، ندرسُ الكتبَ، نقرأُ، نسمعُ الأحاديثَ، نزورُ الأديارَ، نلتقي في جماعاتٍ مصلّيّةٍ، نُعلّمُ أولادَنا حبَّ المسيحِ... نحنُ لهُ!!. فكيفَ نتشبَّهُ بمريمَ المصريّةِ؟ ولماذا وضعَتِ الكنيسةُ عيدَها وتَذكارَها في الأحدِ الخامسِ منَ الصّومِ الأربعينيِّ المباركِ؟!

       هكذا تُسرعُ أرجلُنا إلى الخلاصِ بالتّسآلِ هذا ثمّ إلى الهربِ من أهوائِنا الّتي حدَّدَها لنا الآباءُ إذا أردْنا العبورَ إلى النّورِ. فلْنتذكَّرْها سوِيَّةً لندخُلَ في سِرِّ توبةِ القدّيسةِ مريمَ المصريّةِ فيصيرَ كلُّ واحدٍ منّا عُنوانًا للتّوبةِ وعربونًا ونبعًا للدّموعِ الغاسِلَةِ خطايانا الّتي لا عدَّ ولا حصرَ لها.

       بَدءًا، فلْنعتنِقْ نداءَ الرّبِّ يسوعَ المسيحِ الأوّلَ لنا وهو نداءُ الحبِّ والوصيّةُ الأولى "أَحبِبِ الرّبَّ إلهَكَ من كلِّ قلبِكَ ومن كلِّ نفسِكَ وكلِّ قدرتِكَ. أمّا الوصيّةُ الثّانيةُ فهي أَحبِبْ قريبَكَ كنفسِكَ، وهي مِنَ الأولى ومثلُها".

       بإمكانِنا، يا أحبّة، أن نُحبَّ الإلهَ كما نرتأي نحن! يعني أن نُسقِطَ على الإلهِ أهواءَ نفوسِنا ونقولَ عنها إنّها الوصايا الإلهيّةُ ونحنُ بالحقيقةِ نكونُ في تمويهٍ بين ما يريدُهُ الإلهُ منّا وما نُريدُهُ نحنُ من أنفسِنا ومن غيرِنا.

       المأساةُ الّتي ضَرَبَتِ الإنسانَ منذُ البدءِ هي مأساةُ "الزّنى". نعم آدمُ الأوّلُ وحوّاءُ الأولى زنيا على الرّبِّ إلهِهِما ونحنُ صرنا ذرّيّتَهما زناةً من زناهما لأنّنا مثلَهُما لم نُطِعْ نداءَهُ في فردوسِ حبِّهِ لنا ومدَدْنا أنفسَنا إلى عبادةِ آخرَ غيرِ الإلهِ، عبادَةِ أنفسِنا. نسمعُ صوتَ المحبّةِ في مشيئَتِنا الذّاتيّةِ، في اتِّباعِ فكرِنا وقصدِنا وما نريدُهُ من هذا العمرِ، عمرِنا.

       هذه كانتْ حِكايةُ مريمَ المصريّةِ في صِباها حينَ عشّشَ في قلبِها شيطانُ اللّذّةِ والغوايةِ، فارتكضَتْ عندَ تَفَتُّحِ جسدِها إلى الصّبا تَعرِضُه في سوقِِ النّخاسةِ على كلِّ عابرِ سبيلٍ ليغرقَ في لُجَّةِ هواها... ولم يكُنْ باستطاعةِ أيِّ إنسانٍ أو جهدٍ أرضيٍّ أن ينزعَ مريمَ الفتاةَ الصّغيرةَ الممتشِقةَ الشّهوة عن خطيئتِها الّتي عُرِفَتْ فيها، بل وحدَهُ الصّليبُ تصدّى لها حتّى لا تدخلَ إلى حضنِ والدةِ الإلهِ في كنيستِها لكثرةِ وعِظَمِ شناعةِ أفعالِها. منعها... منعتْها والدةُ لإلهِ من الدّخولِ إلى كنيستِها للسّجودِ للصّليبِ وبعدها منَ الذّهابِ إلى أورشليمَ مع جمهرةِ الحُجّاجِ كي يخلُصوا هم بدورِهم في زيارةِ حجّهم إلى الأماكنِ المقدّسةِ، لأنّ مريمَ ابتغَتْ لا السّجودَ والتّوبةَ، بل كانت تنوي تدنيسَ نفسِها والجسدِ لكلِّ مَن ستلتقيهم.

       مريمُ المصريّةُ لم تكن هي هي الدّنسةَ، بل الشّيطانُ الّذي اجتاحَها ساكنًا فيها وماحقًا كلَّ نورٍ كان مخبوءًا في أعماقِها وجارًّا إيّاها إلى الزّنى الّذي قوّضَ بيتَ إلهِه فيها!...

       مشكلتُها أنّها قاربَتِ العالمَ وحبَّ العالمِ فابتعدَتْ تاليًا عنِ الإله!!

       فالّذي يحبُّ العالمَ وما في هذا العالمِ يصبحُ عدوًّا للإلهِ!!. والرّبُّ قالَ لقطيعهِ الصّغيرِ الّذي تبِعَهُ: "أنتم لستم من هذا العالمِ". فمريمُ، عوضًا عنِ استسلامِها للفضيلةِ ودخولِها إلى الهيكلِ، إلى داخلِ الخدرِ لتحيا مع والدةِ الإلهِ، استسلمَتْ بأفكارِ قلبِها للفسقِِ والخبثِ والرّذيلةِ!! كانت جميلةً فاصطادَها عدوُّ البشرِ ليُميتَها، بل ليجعلَ منها طُعمًا يلتهمُهُ كلُّ مَن تحرّكَ جسدُهُ إلى اللّذّةِ في الشّهوةِ الجسديّةِ.

       كلُّ هوًى في النّفسِ البشريّةِ مولودٌ من لذّةِ الجسدِ!!. كما أنّ كلَّ خطيئةٍ هي وليدةُ الأنا المرتبطةِ بحسِّ الزّنى أو بحسِّ الجسدِ. إنّه الهوى الأقربُ إلى الحسِّ والنّفسِ لأنّه هوى الطّبيعةِ إلى الإيلادِ، وهو تاليًا يدنّسُ الجسدَ والفكرَ والرّوحَ إذا خرجَ من مدارِ ضبطِ النّفسِ. لذلك يقولُ الكتابُ إنّ كلَّ خطيئةٍ هي خارجُ الجسدِ، أمّا الزّنى فهو داخلُ الجسدِ ومنَ الجسدِ وهو تاليًا يدنِّسُ هيكلَ اللهِ الّذي هو الجسدُ. "أنتم هياكلُ الرّوحِ القدسِ"... "فمَن يدنّس هذا الهيكلَ يدنّسهُ الله"...

       وبما أنّ كلَّ المؤمنينَ معًا وكلاًّ منهم على حدة هم هيكلُ اللهِ الواحدِ نفسُهُ (1كور3: 16)، فينبغي من ثَمَّ أن يكونَ هذا (الهيكلُ) كاملاً في كلٍّ منهم كما ينبغي أن يكونَ كاملاً في الكلِّ... على الرَّغمِ من أنّ المزايا والعطايا الإلهيّةَ بين البشرِ ليسَتْ متساويةً، بل تظهرُ في تنوُّعٍ واسعٍ... إلاّ أنّ المحبّةَ بينَ البشرِ هي وحدَها الّتي تُحرزُ الاتّحادَ في الصّلاحِ. فمَن كان يجمعُهُمُ الحبُّ الإلهيُّ المقدّسُ، إنّما يتشاطرونَ الفرحَ بخيراتِهم مع أنّهم لا يتشاطرونَ هباتِ النّعمةِ نفسِها وما يحبّونَهُ، فلا يمكنُ أن يكونَ غريبًا بالنّسبةِ إليهم، لأنّ إيجادَ المرْءِ فرحَهُ في تَقَدُّمِ الآخرينَ يصبحُ زيادةً لغناهُ الخاصِّ هو...إذًا كلُّ ما يمكنُ للأهواءِ المعشِّشةِ في النّفسِ أن تتفاخرَ بهِ مثلَ الغرورِ أوِ الغضبِ أوِ الفسقِِ أوِ الطّمعِ أو حبِّ الظّهورِ أو إدانةِ الآخرِ والاستعلاءِ عليه، هذا كلُّهُ لا علاقةَ لهُ بمحبّةِ المسيحِ الّتي تربطُ النّاسَ بوصيّتِهِ الأولى والثّانيةِ، بل يكونُ من اقتدارِ الشّيطانِ عليهم.

       كلُّ إنسانٍ لا يحبُّ أخاهُ الإنسانَ بصفاءِ نيّةٍ ليس لهُ مطرحٌ في الأخدارِ السّماويّةِ معَ الرّبِّ يسوعَ وقدّيسيهِ!!

       لأنَّ هناكَ في الفردوسِ لا يسكنُ إلاّ الأنقياءُ والمستنيرونَ بالجهادِ اليوميِّ وبمعرفةِ خطاياهم لكي يتوبوا عنها كلَّ لحظةٍ بالدّموعِ والحبِّ والبركةِ وبالمحبّةِ تجاهَ كلِّ النّاسِ... إلاّ أنّ خدّامَ اللهِ وتلامذَةَ الحقِّ يحبّونَ حثَّ أولئكَ المختلفينَ عنهم، وهم يُعلنونَ الحربَ على الرّذائلِ بالأحرى، لا على البشرِ فلا يكافئونَ على شرٍّ بشرّ (رو12: 17)، بل يسعَوْنَ دومًا إلى محبّةِ الخطأةِ والصّلاةِ لأجلِهم ومعاونتِهم بالصّمتِ والمثالِ الطّيِّبِ لكي يأتوا بهم إلى المسيحِ... والرّبُّ قال: "أنا لم آتِ لأدعوَ الصّدّيقينَ بل الخطأةَ إلى التّوبةِ (متّى9: 13). لأنّ كلَّ الفضائلِ بإمكانِها أن تكونَ معدومةً إن خلتْ منَ المحبّةِ... فإذا نظرَ الإنسانُ ما في قلبِهِ ووجدَهُ خاليًا من أيِّ استكبارٍ أو إدانةٍ أو تعييرٍ للآخرِ فلْيعرفْ أنّ اللهَ ساكنٌ فيه. "في الواقعِ إن كانَ اللهُ محبّةً (1يو: 8؛ 16) فلا يمكنُ للمحبّةِ من ثَمَّ أن تُحَدَّ طالما أنّهُ لا يمكنُ لأيِّ أحدٍ أن يحيطَ بالألوهيّةِ" (القدّيس لاون الكبير). "فكم بالأحرى دمُ الميسحِ الّذي بالرّوحِ الأزليِّ قرّبَ نفسَهُ للهِ بلا عيبٍ يطهّرُ ضمائرَكم منَ الأعمالِ الميّتةِ لتعبدوا اللهَ الحيَّ" (عب9: 14).

       يا أحبّة، قالَ القدّيسُ أمبروسيوس: "مغبوطٌ هو ذاكَ الّذي يعرفُ كيفَ يستعبدُ نفسَهُ بعدَ سقطتِهِ، لأنّ القيامةَ بعدَ الموتِ إنّما هي أيضًا امتيازُ المغبوطينَ ".

 سرّ الخطيئة

       لندخلِ الآنَ سرَّ الخطيئةِ الّتي فينا.

       أمّا الخطيئةُ فهي حربةٌ مسنَّنَةُ الرّؤوسِ وكثيرتُها فلذا لن نستطيعَ أن نعالجَ ما فيها في لقائنا اليوم، بل سنركّزُ على خطيئةِ القدّيسةِ مريمَ المصريّةِ، أي على الزّنى ومشتقّاتِهِ.

       مريمُ الصّبيّةُ المِغناجُ المتفلِّتَةُ، لم تكن زانيةً فقط، بل كانت فتاةً فاسقةً. مخرَتْ عُبابَ بحرِ الهوى إلى عمقِِ أعماقِِ اللّذّةِ. استحوذَ الفسقُ عليها سريعًا وباكرًا لأنّها استسلمَتْ للبطالة، فاستحوذَتْ عليها الشّهوةُ سريعًا لكسلِها وتوانيها وعدمِ معرفتِها بدءًا للرّبِّ يسوع. ربّما لم تدركْ تلكَ الفتاةُ أنّها بدالّتِها على جسدِها ووعيها صباها النَّضِرَ أنّها لن تستطيعَ مقاومةَ الخطيئةِ الّتي في إنسانِها الضّعيفِ، في إنسانِها العتيقِِ... والهوى إذا امتلكَ النّفسَ فإنّه يؤجِّجُ نارَ اللّذّةِ ويتبعُها بألفِ ألفِ حسِّ لا يتوقّفُ. نحنُ لا نعرفُ مِنَ السّيرةِ الّتي كتبها القدّيسُ صفرونيوسُ بطريركُ أورشليمَ عنِ القدّيسةِ مريمَ المصريّةِ أيّةَ تفاصيلَ تُغنينا عن طبيعةِ عائلتِها ومنشأِ تربيتِها. نعرفُ أنّها بادرَتْ إلى العيشِ المتفلِّتِ في سنٍّ مبكِّرةٍ جدًّا، بعدَ بلوغِها النُّضجَ.

       وسؤاليٍَ الموجِعُ لي ولكم وللرّبّ، أليسَتْ فتياتُ عصرِنا ومجتمعِنا اليوم يَحْيَيْنَ في خانةِ الموتِ الجحيميِّ للفجورِ الّذي عاشتْهُ تلكَ القدّيسةُ؟!...

       وخوفُنا نحن كأمّهاتِ الجسدِ والرّوحِ أن لا تعودَ فَتَياتُنا وبناتُنا إلى معرفةِ الرّبِّ يسوعَ كما عرفَتْهُ هي!! ولن يَتُبْنَ كما تابَتْ مريم.

       طرائقُ الرّبِّ، يا احبّة، لا عدَّ ولا حصرَ لها في إرجاعِ كلِّ خروفٍ شاردٍ منّا إلى حظيرةِ الرّبِّ لنحيا فيها مع إخوتِنا بسلامٍ وتوبة.

 الصّوم

       دعونا نبدأ الآنَ بالعلاجِ بالصّومِ عن أنفسِنا وعن أولادِنا وعن جيلِنا بأكملِهِ والّذي هو المدخلُ إلى حياةِ التَّعَفُّفِ وتاليًا التّقوى.

       أوّلُ درجةٍ في حفظِ النّفسِ هي الاعتدالُ في المأكلِ والمشرب. والتّضحيةُ في التّعبِ والعمل. والابتعادُ عنِ البطالةِ والدّالّة. والزُّهْدُ بكلِّ أشكالِ الرّؤى والتصوّراتِ والتّخيّلاتِ والمشاهدِ المُؤذيةِ والمُحرِّكةِ للشّهوةِ والجسد، مع سكينةِ القلب.

       وإذ نقومُ بذلك عن أولادِنا وإن كانت بإمكانِنا دعوتُهم إلى نمطِ حياةٍ كهذه، ستأتينا الحربُ الأشرسُ بعدَ هدوءِِ الجسدِ ألا وهي حربُ الأفكارِ والصّراعِ معَ شيطانِ الفكرِ الّذي يهاجمُ المؤمنَ بشراسةٍ... أمّا السّؤالُ فهو ماذا يُسكِتُ شيطانَ الفكرِ هذا؟؟!!. الاتّكالُ الكاملُ على الله والصُّراخُ لهُ بالمزاميرِ وبذكرِ اسمِهِ القدّوسِ وبرفضٍ قاطعٍ لكلِّ حسٍّ وحركةٍ في الجسدِ والنّفسِ والمُخيّلةِ والرّوح... علينا أن نرفضَ رفضًا قاطعًا أيَّ إنسانٍ أو وضعٍ أو حالةٍ بإمكانِها أن توحيَ لنا بالحربِ من قريبٍ أو من بعيد. لنهربْ كما يوسفَ العفيف من غنى ابنةِ فرعون... لنبتعدْ عن رؤى البذخِ والرّاحةِ ولْنلتزمْ فقرَ أولادِ اللهِ في مجدِهِ.

       سألني أحدهم: أنا أصومُ وأصلّي وأقرأُ وأرتّلُ وأبشّرُ، لكنّ هذا الشّيطانَ الدّنِسَ ما زالَ يعذّبُني، فماذا أفعلُ؟! قلتُ له: هل غذّيتَ قوّةَ النّفسِ في الإيمانِ بالرّبِّ يسوعَ المسيحِ؟! بالاتّكالِ الكاملِ عليه والتّسليمِ لهُ بكلِّ مقدِّراتِ حياتِكَ فلا يعودُ فيكَ أيُّ فكرٍ بشريٍّ لا تُحاربُهُ بضراوة؟! أو أيُّ عملٍ لا يرضي اللهَ؟! هل تبحثُ، يا أخي، في نفسِكَ وتفحَصُها إن كان فيها بعدُ، أي في قلبِها، فكرٌ من تعلُّقٍ بوظيفةٍ، بمالٍ، بغنى، بربحٍ، بأنا؟! بكبرياءَ؟! بحبٍّ للظّهورِ؟! هل تسهرُ على أن لا يبقى في نفسِكَ ظلُّ نشازٍ ولا يستقرُّ فيها أيُّ أثرٍ لشهوةٍ، لحبِّ الامتلاكِ... هل صِرْتَ عفيفًا تهربُ من نفسِكَ؟!... من عملِكَ المنوطِ إليكَ، بل تفعلُ كلَّ ما تفعلُهُ لمجدِ الرّبِّ؟! هل سحقْتَ نفسَكَ بحسِّ خطاياك واتّضعْتَ وصمتَّ؟!. قال:

       - كيف يهربُ الإنسانُ من نفسِهِ؟!

       - بالعفّةِ!!... والعفّةُ، يا حبيبي، ليستْ عفّةَ الجسدِ وحسْب في عيشِ اللّذّةِ، بل في الدّورانِ حولَ حسِّ الجسدِ في الصّومِ، في كذبةِ الكبرياءِ المتّضِعِ الّذي نمارسُهُ نحنُ الّذينَ نحيا مع الرّبِّ. هذا ورمٌ خبيثٌ، ورمُ الكبرياءِ في أن لا تسمعَ ما يقولُهُ لكَ الأصغرُ منكَ، أو غيرُكَ ممَّن تظنُّ أنّهم لا يعرفونَ قدْرَكَ. هل تصمتْ، يا أخي، ولا تُشهرُ ولو بكلمةٍ على رفقائِكَ وإخوتِكَ ولو بفكرٍ واحدٍ يمرُّ دونَ رصدِهِ. هل تخلّيتَ كلّيًّا كلّيًّا عنِ الثّأرِ لنفسّكَ منَ الإهاناتِ الّتي تسمعُها ممَّن حولكَ؟!. بل تسعى لحبّ مَن أبغضَكَ؟! هل أنتَ مستعدٌّ لمواجهةِ مَن تحبُّ ممَّن حولَكَ بخطيئتِهم بعدَ البكاءِ عليها والصّومِ لأجلِها؟! "لأنّ كلَّ غرسةٍ لم يغرسْها الآبُ السّماويُّ يجبُ أن تُقتلَعَ". (مت15: 13)؟!...

       وأخيرًا، اسمحْ لي بأن أقولَ لكَ ولكِ: تذكّروا ضعفَكُمْ الّذي يُسقطنا بسهولةٍ في براثنِ العدوِّ الفاتحِ فاهُ لابتلاعِنا والمسيحَ الّذي يحيا فينا.

 الصّوم والصّلاة

        الصّومُ، يا أحبّة، معَ الصّلاةِ هما المدخلُ إلى الملكوتِ!! عظيمةٌ ومبارَكَةٌ فضيلةُ الصّومِ فالحربُ الّتي يشنُّها الشّيطانُ على الصّائمِ هي حربٌ رائعةٌ مملوءَةٌ منَ الحَثِّ على الجهادِ وعلى الثّباتِ وعلى توسيعِ نفسِ الخائرِ وإذكاءِ حسِّ فكرِهِ ليقومَ إلى ربِّهِ صارخًا له:

        "ربّي ارحمني، أنا الخاطئَ". تعالَ أسرِعْ، يا إلهي، إلى معونتي فإنّي أكادُ أهوي في دياجيرِ وظلماتِ العتماتِ البرّانيّةِ!!. لا تدعْني أفقدُ رؤيةَ نورِ وجهِكَ ووأبتعدُ عن حسِّ وجودِكَ معي في قلبي وروحي وكياني كلِّهِ. إنّي أستعذبُ حضرَتَكَ يا سيّدي، فلا تحرمْني من لذائذِ روحي... جسدي طَوَّعْتَهُ أنتَ فيَّ بكلمتِكَ، بتعاليمِ الآباءِ، بالصّلواتِ الّتي رتّبَتْها كنيستُكَ المقدَّسَةُ، بالأنينِ المحيي والحزنِ البهيِّ الّذي يمتلكُني كلّما صَحَتْ نفسي من عتماتِ ليلِها وأرقِِ نهارِها.... نقِّني يا إلهي من أدراني الخفيّةِ الّتي أراها والّتي لا أستطيعُ رَصْدَها ورؤيتَها لكثرتِها. أَعتِقْني من صنوفِ التّجارِبِ الّتي أستحليها في صراعِ نفسي مع إنسانيَ العتيقِِ وتفلُّتِ شجبِ ذهني كما فيَّ.

       أنتَ صُمتَ يا ربّي لتعلّمَني كيفَ أحيا بإزائكَ صائمًا أنا الخاطئَ!!

       أنتَ صمتَ لتعلّمَني كيفَ أصومُ عن نفسي لكَ، ولأحبّائي، لحياةٍ أبديّةٍ.

       قٌلْ لي كيفَ وماذا عليَّ أن أفعلَ حتّى تُعتقَني من رذائلِ فكري نفسي والجسدِ؟!.

       وحملَ آدمُ لعنةَ سقوطِهِ من يومِ فقدَ حبَّهُ لإلهِهِ وسقطَ عنِ الطّاعةِ لهُ.

       من ذلك اليومِ، من يومِ طردِ آدمَ من فردوسِ نعيمِ الحبِّ الإلهيِّ، يبقى هو وحوّاءُ مطروحَيْنِ من بحارِ هذا العمرِ المائتِ، خائرَيْنِ منَ الرّكضِ للرّجوعِ إلى حضنِ الفرحِ والنّورِ الّذي ابتعدا عنهُ. لذلك أوقعَ الرّبُّ عليهم سُباتَ الرّوحِ والنّفسِ والحسِّ!!!.

 إلى أين؟!

        فإلى أين نحنُ بعدَ هذا الواقعِ المطروحينَ فيه؟؟؟. إلى التّوبةِ والحبِّ والإمساكِ العمرَ كلَّهُ!!!

       دعونا، يا أحبّة، نصوم كصومِ السّيّدِ فادينا الرّبِّ يسوعَ المسيحِ! دعونا ننبذ تنوُّعَ المآكِلِ أوّلاً، ولْنُعوِّدْ جسدَنا على التّقشُّفِ. بهذا يمكننا ضبطَ وثباتَ الشّبَقِِ وحركةَ الغضبِ واستعلاءَ فكرِ الكبرياءِ فينا... فالإمساكُ يؤهّلُنا للتّصدّي لكافّةِ أنواعِ اللّذائذِ. فعندما تشتهي نفسُنا الأطعمةَ المختلفةَ المتنوّعةَ دعونا نقتصر بوعيٍ على الخبِز والماءِ حتّى نعوّدَها على الشّكرِ ولو لأجلِ كسرةِ خبزٍ وشربةِ ماء. هكذا قال لنا القدّيسون. ودعونا نسمع ما علّمه القدّيسُ غريغوريوسُ السّينائيُّ إذ قال: للقوتِ ثلاثةُ أبعادٍ: الاعتدالُ والرّضى والشّبعُ. فالاعتدالُ هو الجوعُ بعدَ تناولِ الطّعامِ. والرّضى هو الأكلُ كفايةً بحيثُ لا يكونُ ثمّةَ جوعٌ ولا شبع. والشّبعُ هو التّثقيلُ قليلاً على المعدةِ من جرّاءِ كثرةِ الطّعامِ. بيدَ أنّ مواصلةَ الأكلِ بعد الشّبعِ تكونُ بابًا للشّراهة، الّتي معها يدخلُ العُهرُ. فاخترْ إذًا الأفضلَ قدرَ استطاعتِكَ، ولا تتجاوزِ الحدَّ، لا زيادةً ولا نقصانًا؛ إذ من ميزةِ الكاملينَ أن يكونَ لديهِمِ الشّبعُ وهم جِياعٌ وأن يكونوا أقوياءَ في كلِّ شيءٍ ولا يتأذَّوا من فكرٍ أو حسٍّ عابِرٍ بهم، بل يعملوا تَوًّا على التّخلُّصِ منه باسمِ يسوعَ.

 كيف نخلص؟!

       يا أحبّة، حتّى لو تُبنا وأحبَبْنا وأمسَكْنا فإنّ عدوَّ البشرِ وعدوَّ الخيرِ، الشّيطانَ، سيظلُّ يرصُدُنا ليوقِعَ بنا!!. إذًا ما العملُ وكيف نخلُصُ؟؟؟.

        "إن عشتُ فللرّبِّ أحيا وإن مُتُّ فللرّبِّ أموتُ، فإن عِشتُ وإن مُتُّ فأنا للرّبِّ". في حربٍ، في سلامٍ، في أرقٍ، في عطشٍ، في بحبوحةٍ.

       هكذا أمضَتِ القدّيسةُ مريمُ المصريّةُ سنواتِ توبتِها الّتي عاشتْها في الشَبقِِ والفسقِِ والزّنى في العالمِ في صحراءِ الأردنِّ الّتي أطلَقَتْها إليها روحُ الرّبِّ لتَخلُصَ وتُصبِحَ معلِّمَةُ الفجورِ، سيّدةَ العفَّةِ وقدّيسةَ التُّقى بامتيازٍ في كنيستِنا.

       أخلَتْ نفسَها آخِذَةً صورةَ البرِّيَّةِ وانطلَقَتْ إليها صائمَةً مُصلِّيَةً تائبةً عن نفسِها معَ الوحوشِ فصارَتْ صديقتَهم وبعدَ أن تطهَّرَتْ لم يعُدْ يؤذيها لا أسدٌ ولا نمرٌ ولا حيّةٌ ولا عقربٌ. بل بقيَتْ في صراعٍ معَ شيطانِ نفسِها العمرَ الّذي عاشَتْهُ في الزّنى  قبلَ أن تتنزَّلَ عليها الإنعاماتُ الإلهيّةُ ويعلّمَها الرّوحُ القدسُ الصّلاةَ.

       لا نخافنَّ، يا أحبّة، منِ احتيالاتِ العدوِّ فالشّيطانُ الّذي لم يستبعدْ فخاخَ أكاذيبِهِ عن ربِّنا ومخلِّصِنا نفسِهِ، ألن يجرؤَ علينا نحنُ جبلَّتَهُ الضّعيفةَ؟! وهو يطاردُ وسيطاردُ بحقدٍ أشدَّ عنفًا وحسدٍ أكثرَ شراسةً كلَّ التّائبينَ إلى الرّبِّ بأمانةٍ وصدقٍ واتّضاعٍ. لا نخافنَّ ولا تضطربْ نفوسُنا كما قالَ لنا الرّبُّ لأنّنا بحبِّنا لإلهِنا وبمعموديّتِنا وبقهرِنا لذواتِنا خلَعْنا إنسانَنا العتيقَ وصرنا لابسينَ جسدَ المجدِ ونحنُ في جسدِ الخطيئةِ!!!. الإنسانُ المؤمنُ يخلُصُ منَ التّجاربِ الوافدَةِ عليه منَ العدوِّ بفضلِ طاعتِهِ لله!!. فلْنتقبّلِ التّجاربَ بفرحٍ وننتظرْها لأنّها علامةٌ على مساواةِ الرّبِّ لنا بنفسِهِ، فإذا باغتَتْنا التّجربةُ فلا نعتبْ أو نَلُمْ مَن وافَتْ إلينا التّجربةُ بسببِهِ، بل دعونا نبحث عنِ الهدفِ من قدومِها إلينا كي نستفيدَ منها. فهي تأتي لتنمّيَ عضلاتِ قلبِنا في الجهادِ، ونفسِنا في الاتّضاعِ، وكيانِنا في الامِّحاءِ، أمامَ كلِّ الّذينَ حولَنا للتّقديسِ، وأمامَ ربِّنا ومخلِّصِنا يسوعَ المسيحِ لنتعلَّمَ حبَّهُ وتطبيقَ وصاياهُ للدّخولِ في النّورِ، نورِهِ الّذي لا يغرُبُ في قلوبِنا ونحنُ في حَلَبَةِ الصِّراعِ.

       هذه قطرةٌ من بحرِ توبتِنا وحبِّنا، فلْنسعَ إلى النّورِ عبرَ صليبِ تهاونِنا ولْنصرُخْ إلى قدّيستِنا مريمَ المصريّةِ: أَدرجينا في سُبُلِ الخلاصِ والجهادِ والدّموعِ والصّومِ والعري والجوعِ والصّلاةِ والحروبِ الّتي اجتزْتِها لنبلُغَ نحنُ أيضًا إلى الحياةِ الأبديّةِ بشفاعاتِكِ.

       آمين.

حديث للأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان – دوما
أُلقي في كنيسة القّديسين سرجيوس وباخوس – كسبا
الأحد الخامس من الصّوم الكبير
في 5 نيسان 2009