إنَّ نعمة التوبة، هي انخطاف الروح إلى الله، إذ تكون مشدودة إليه بظهور "النور". في الفترة الأولى، لا يكون ذلك "النور" منظوراً، لكن، بدفئه، يبدأ القلب بفقدان قسوته. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).تستمدّ الصلاة قوّة كبيرة من الضغط المتولّد من الكره المبارَك للذات، وتصير الصّلاة شبه لهيبٍ حارٍّ متأجّجٍ، والروح تحيا، في وقت واحد، ظلمات وجحيم موتها، والرجاء بالله الذي يخلّصنا. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).التوبة عطيّة، بلا ثمن، مقدّمة للإنسانية. التوبة هي العجيبة السماوية التي صالحتنا مع الله، بعد أن سقطنا. التوبة هي دفق الإلهام وانسكابه علينا، والذي، بواسطته، نرتفع إلى الله، أبينا، حتى نحيا إلى الأبد في نور حبّه. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).إنّ الّذين خبروا الحبّ الألهي، من الطّبيعي لهم أن يختبروا قرفاً ورفضاً لتلك الرائحة المؤذية المهلكة، التي لشهوة الكبرياء. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).
الـــرّهــبــنـــة(٦).
القدّيس صفروني الآثوسي.
القدّيس صفروني الآثوسي.

    درجات الرّهبنة الثّلاث والدّعوات الثّلاث الرّئيسيّة.

    في الأديرة اليونانيّة في الجبل المقدّس ارتداء الثّوب هو الخطوة الأولى  وهو بمثابة "بركة" تُعطى عند ارتداء اللّباس الرّهبانيّ. من هنا الكلمة راسوفرورس "اللّابس الثّوب". قبلها يُرشَد المبتدئ إلى معنى الرّهبنة وضرورة التّخلّي عن العالم والأقارب. ولكن بما أنّه لا يقدّم أيّ نذر، تصبح المرحلة هذه في الحقيقة مرحلة اختباريّة يتهيّأ فيها المريد للجهاد الرّوحيّ.

    الدّرجة الثّانية هي "الإسكيم الصّغير" عندما يقدّم الرّاهب النّذور الّتي تعود وتُقدّم من جديد، مع تغيير طفيف، عندما يأتي إلى الدّرجة الرّهبانيّة العليا، إلى ارتداء "الإسكيم الكبير"، أو كما يدعى عامّة "الإسكيم".

    تقديم النّذور الثّلاث الأساسيّة دفعة واحدة وليس بالتّدرّج يتعارض لأوّل وهلة مع نظام الزّهد الثّلاثيّ. ولكن التّعارض هذا ظاهريّ فقط ولا يمسّ الجوهر. الموضوع هنا كما الزّهد الثّلاثي عبارة عن تقدّم ثابت في المعرفة الرّوحيّة. ذلك لأنّ النّذور لها هدف واحد. تجديد النّذور مع "الإسكيم الصّغير" و "الإسكيم الكبير" لا يضيف مادّة أو وعودًا جديدة بل هو عبارة عن نموّ في معرفة قوّتها ومعناها. هناك ربّما فرق بسيط في الشّكل الخارجيّ في المناسبتين ولكن يكون في الوقت نفسه قد حصل ربّما تحوّل عميق في وعي الرّاهب الدّاخليّ. اسمحوا لي مرّة أخرى أن أُشدّد على أنّ درجات التّكريس الرّهبانيّة هذه مع تقديم النّذور ليست كفيلة وحدها بإدراك كمال المحبّة الإلهيّة، العمليّة الممكنة خارج النّطاق الرّهبانيّ. هذا لكي لا نفقد النّظر دائمًا إلى جوهر الحياة المسيحيّة.

    ولكن كما قال الإنجيليّ لوقا عن المسيح: "كان ينمو ويتقوّى بالرّوح" (لو 1: 8).

    هكذا فإنّ كلّ إنسان ينمو ويتقدّم. إنّ خبرة الكنيسة قد برهنت عن قيمة الرّهبنة. يكتب بطرس الرّسول ما يلي: "لذلك بالأكثر اجتهدوا أيّها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتَين. لأنّكم إذا فعلتم ذلك لن تزلّوا أبدًا. لأنّه هكذا يقدّم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح الأبديّ" (2بطرس 1: 10 - 11).

    هذه هي الأسئلة المطروحة على المريد في "الإسكيم الصّغير":

    - هل ستبقى في الدّير وفي الإمساك حتّى آخر نسمة من حياتك؟.

    - هل ستحفظ نفسك في الطّهارة، في العفّة وفي التّقوى؟.

    - هل ستكون مطيعًا حتّى الموت لرئيسك ولكلّ الإخوة في المسيح؟.

    - هل ستصبر على كلّ شدّة وضيق في الحياة الرّهبانيّة في سبيل الملكوت السّماويّ؟.

    أمّا في "الإسكيم الكبير" عندنا ما يلي:

رهبان روس بالإسكيم الكبير.

    - هل تتخلّى عن العالم وما في العالم حسب وصيّة السّيّد؟.

    - هل ستبقى في الدّير وفي الجهاد حتّى آخر نسمة في حياتك؟.

    - هل ستكون مطيعًا حتّى الموت لرئيسك ولكلّ الإخوة في المسيح؟.

    - هل ستصبر على كلّ شدّة وضيق في الحياة الرّهبانيّة في سبيل الملكوت السّماويّ؟.

    - هل ستحفظ نفسك في الطّهارة، في العفّة وفي التّقوى؟.

    ربّما تقولون: "إن كان هناك أربعة وعود في "الإسكيم الصّغير" وخمسة في الكبير فلماذا إذًا نتكلّم عن النّذور الثّلاثة؟. "إنّ التّقليد في الكنيسة قد اختصر جوهر الدّعوة الرّهبانيّة في ثلاثة نذور: الطّاعة، العفّة والفقر أو عدم القنية". سوف نتّبع هذا الخطّ دون أن ندخل في التّفاصيل في الوقت الحاضر لأنّ الموضوع يتشعّب عندما نفحص كلّ دعوة على حدة. ومن ثمّ عند ارتداء الإسكيم الصّغير، يتوجّه الأب الرّئيس إلى الرّاهب مشيرًا إلى التّعهّدات الأخرى الّتي يقدّمها للمسيح: "إن كنت عازمًا أن تصير راهبًا، طهِّر نفسك من كلّ عيب في الجسد والرّوح، اقتن التّواضع، تخلّ عن غرور العادات العالميّة، واظب بالصّبر على الصّلاة، لا تتعب من الصّوم، ولا تتهامل في السّهرانيّات". كلّ ذلك يختصر في النّذور الثّلاثة الطّاعة، العفّة والفقر. ويتابع الأب الرّئيس قائلًا: "يليق بك، أنت المنطلق في الطّريق الّتي تقود إلى الملكوت السّماويّ، أن لا تنظر إلى الوراء وإلّا سوف تكون غير مستحقّ للملكوت. ليكن دليلك الله فوق كلّ شيء. لا تحبّ أيّ شيء لا أبًا، ولا أمًّا، ولا إخوةً، ولا أقارب، ولا حتّى نفسك الخاصّة أكثر من الله. ولا أيضًا ممالك الدّنيا كلّها ولا الرّاحة ولا الشّرف...

    عند ارتداء "الإسكيم الكبير" يشدَّد أكثر على التّخلّي عن العالم. "التّخلّي، كما يشرح الأب الرّئيس، ما هو إلّا نذر الصّليب والموت. اعرف نفسك من الآن فصاعدًا، مصلوبًا، مذبوحًا للعالم بالتّخلّي عن كلّ شيء على الاطلاق، لأنّك اليوم تتخلّى عن الوالدين، والإخوة، والزّوجة، والأولاد، والعائلة، والأصدقاء. تتخلّى عن حركة العالم واهتماماته، عن الرّغبة في التّحصيل والتّملّك، عن لذّة المجد الباطل الهزيلة. بل أكثر من ذلك عليك أن تتخلّى عن نفسك الخاصّة حسب كلام الرّبّ: "مَن أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (مر 8: 34). إن قرّرتَ حقًّا أن تتبعه وإن رغبتَ فعلًا أن تُدعَى له تلميذًا استعدّ، منذ اليوم،  للجهاد الرّوحيّ، للإمساك في جسدك، لتطهير نفسك، للفقر الكلّيّ، للدّموع الغزيرة باختصار لكلّ ما هو محزن ومؤلم، هذه الأمور الّتي هي منبع فرح للحياة مع الله... سوف تجوع وتعطش، تُنهب وتذوق الملامات، والمضايقات، والذّلّ، والاضطهادات... وعندما تتحمّل كلّ ذلك تهلّل لأن أجرك عظيم في السّماء. تهلّل فرحًا وابتهج بابتهاج كبير لأنّ الرّبّ الإله قد اختارك في هذا اليوم وانتشلك من العالم وأقامك أمام وجهه... بين الضّيوف الملائكيّة. اعمل من كلّ نفسك من أجله. ابحث عن الحكمة في العُلى لأنّ سيرتنا هي في السّموات (في 3: 20)...

    يا لها من دعوة جديدة!... يا لها من هبة أسراريّة!. اليوم، يا أخي، تتقبّل معموديّة ثانية. بالمواهب الغزيرة الآتية من لدن الله الّذي أحبّ الإنسان تُغسل من خطاياك وتصبح ابن النّور والمسيح نفسه مع ملائكته القدّيسين يتهلّل لتوبتك ويذبح العجل المسمَّن...".

    بعد هذا يُدعى الرّاهب أن يسير "سيرة تليق بدعوته" ويُعطى بعض التّعليمات الخاصّة بالحياة النّسكيّة، الّتي تعبّر عن مثل هذه السّيرة.

    عندما نسمع هذا الكلام، لا يترائى لنا لأوّل وهلة معناه الحقيقيّ. لا نرى بوضوح عمّا يُدعى إليه الإنسان هذا،. ذلك لأنّ الخبرة وحدها - الخبرة الصّادقة والأصليّة - يمكن أن تكشف قوّة هذه الكلمات ومضمونها الحقيقيّ. لا شكّ أنّ دعوة الرّاهب في التّخلّي عن محبّة الأقارب والعالم بصورة عامّة، من أجل العيش على شبه المسيح، يُحدث تمزّقًا عميقًا أو إذا استعملنا العبارة الشّائعة "أزمة" في النّفس، إذ تهبّ عليها عواصف كبيرة. وإن تُرك الإنسان وحده بدون إرشاد نابع من خبرة الكنيسة الألفيّة يمكن له ليس فقط أن يضطرب وحسب بل أن يضيع كلّيًّا أيضًا. في كتاب "السّلّم"، من أحد المؤلّفات البارزة في موضوع الرّهبنة يكتب القدّيس يوحنّا السّلّميّ: "من الضّروريّ لهذا البحر أن يتحرّك ويضطرب، أن يهتزّ حتّى الهيجان، هكذا يمكن للرّياح والعواصف أن تدفع العفونات والأوساخ كلّها إلى الشّاطئ الّتي جلبتها إليه مجاري الأهواء. وإن تَطَلَّعنا بانتباه، نرى أنّ عواصف البحر يتبعها سكون عميق".!..

 

المرجع:

"الرّهبنة الأرثوذكسيّة". الأرشمندريت صفرونيوس. 1991.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share