ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).
نبذة تاريخية

       جبل آثوس هو إحدى شبه جزر خالكيذيكي الثلاث في بحر إيجيه. وشبه جزيرة آثوس هي أكثرهم شرقاً: طولها 60 كيلومتراً وعرضها يتراوح بين 8 و 12 كيلومتر.

       القسم المحيط بآثوس مؤلف من هضبات منخفضة وسهول منتظمة، هذه التضاريس تتضح أكثر فأكثر، والهضبات تصبح أكثر فأكثر علواً حتى تصل إلى قمة جبل آثوس التي ترتفع عن سطح البحر 2033 متراً.

خريطة خالكيذيكي مع تفرعاتها

       منذ القدم يظهر جبل آثوس كمكان إستثنائي ذات التاريخ والمصير المميّزين. فإن "هوميروس" ذكره في كتاباته، والأسطورة تقول أنه كان أحدى مساكن الإله "زوس". لقد سميت خالكيذيكي في القديم، "أكتي"، وجبل آثوس المتصل بها هو الأقدم ذكراً. تقول الأسطورة إنه في المعركة التاريخية التي نشبت بين العمالقة والآلهة، رميت هذه الصخرة الكبيرة (آثوس) على رأس بوسايدون إله البحر. في التاريخ أيضاً ذكر لآثوس في حروب الميديّين، والهزيمة المريعة للأسطول الفارسي بقيادة الجنرال مردونيوس، بحيث غرقت كل سفنه ومات عشرون ألفاً من جنده، في الجانب الجنوبي لشبه الجزيرة وذلك عام 419 قبل الميلاد.

       وحاول كزركس (Xerxes )، قاهر الجنرال مردونيوس، أن يحطّم الأرض التي تصل بين آثوس والقارة لحماية سفنه من خطر أمواج.

       كما أراد دينوكراتس، المهندس في جيش الإسكندر الكبير، أن ينحت آثوس على شكل تمثال عملاق لملكه حاملاً بإحدى يديه مدينة وفي الأخرى كأساً كبيرةً تجري منها مياه نهر غزيرة تصب في البحر.

       في التراث أنه فيما كانت والدة الإله مع يوحنا الإنجيلي في سفينة متجهة إلى قبرص، هبّت عاصفة عنيفة حادت بالسفينة إلى شواطىء آثوس. في هذا الموقع شُيّد في وقت لاحق دير الإيفيرون (Iviron). ونظراً لجمال الموقع ولكون هذه الأرض استقبلت والدة الإله، طلبت من ابنها أن يقدّمها لها هدية. عندها سُمع صوتٌ قائلاً: "ليكن هذا المكان لك، ليكن بستانك وفردوسك وملجأ كل الذين يبتغون خلاصهم."

والدة الإله رئيسة جبل آثوس

       انطلقت الحياة الرهبانية في شبه الجزيرة حوالي القرن السابع للميلاد. الرهبان الأوائل أتوا إلى هذا المكان المنعزل ذات المناخ المميّز يبحثون عن خلاص نفوسهم. أتوا من نواحي كبادوكية ومصر وسوريا من حيث طردهم الإسلام. محاربة الأيقونات أيضاً في القسطنطنية أنمت عدائية الحكّام والشعب للرهبان والحياة الرهبانية.

       لكن هجرة الرهبان إلى آثوس لم تكن بلا اصطدام مع الرعيان وقطعانهم الذين كانوا يحتلّون المنطقة.

       عام 885، صدر مرسوم مختوم بالذهب من الأمبراطور باسيليوس الأول منح فيه آثوس حصرياً للرهبان ومنشآتهم. ورغم استقرار النساك الأوائل على ضفاف شبه الجزيرة إلا أن المستوطنات الرهبانية إنتقلت، لاحقاً، إلى المرتفعات والمنحدرات التي يصعب الوصول إليها حماية من القراصنة المسلمين (Sarrasins).

       أخذ عدد الرهبان يتزايد تدريجياً. الجماعات الأولى انتظمت بشكل لافرا (lavras)، كالتي في فلسطين حيث لا يوجد قواعد صارمة فيما يخص الحياة المشتركة فيها.

       في العام 963، أخذ الأمبراطور نيكيفوروس فوقا على عاتقه تنظيم الحياة الرهبانية في آثوس بحسب أسس وقواعد محدّدة. فبعث إلى هناك صديقه ومعرّفه أثناسيوس الذي أصبح فيما بعد أول منشىء للحياة الرهبانية المشتركة في آثوس.وفي العام 963 أيضاً، أنشأ دير اللافرا الكبير. لم يعد هناك أكواخ خشبية بل بناء حجري يتّبع الرهبان فيه قوانين الحياة والصلوات المشتركة. هذه القوانين أو "التبيكون" استلهمت من القوانين المطبقة في دير القسطنطينية الكبير "الستوديون".

أديرة جبل آثوس في نقش من عام 1889

       ابتداء من القرن الثاني عشر، جاء رهبان أرثوذكسيون من جنسيات مختفلة ليستقرّوا مع اليونانيين: جيورجيون وروس ولاتين وصربيون. وفي القرن الثالث عشر، عانى الرهبان في الجبل المقدّس الأزمة الحاصلة في الكنائس في الشرق. استمرّ الوضع هكذا حتى القرن التالي على عهد الأمبراطور أندرونيكس الثاني الذي نشر السلام في الجبل من جديد.

       شهدت هذه الفترة أيضاً اضطرابات بسبب الغزوات المتتالية للقراصنة المسلمين. ذُبح عدد كبير من الرهبان وأُحرقت أديرة كثيرة. كذلك نهبت محتويات الأديرة النفيسة أو حطمت. في ما بعد ساهم الأباطرة البيزنطيون وأمراء صربيون في إعادة إعمار ما تهدّم من الأديرة.

       أما القرن الخامس عشر فشهد فترة من السلام والنمو الروحي في الجبل إلى حين استولى الأتراك على تسالونيكيا عام 1430. مذ ذاك وقع الجبل تحت سلطة السلطان مراد الثاني ومحمد الثاني الفاتح من بعده الذي استولى على القسطنطينية عام 1453. شكّل آثوس للمسليمين موضعاً ذا قيمة روحية عالية فكان بنظرهم "البلد الذي اسم الرب مبارك فيه نهاراً وليلاً، ومأوى الفقراء والغرباء".

       رغم ذلك واجه الجبل أزمة اقتصادية كبيرة سببها الضرائب الهائلة المفروضة عليه من قبل السلطات التركية ومصادرتها لأملاكه. اضطرت حينها الأديار اتباع نظام إيديوريتمي بحيث يتبع كل راهب  نمطه  الخاص  من  الصلوات  والعيش. لم تعد الأديرة في عهدة رئيس (Higoumene)، بل هيئة مؤلفة من عدد من الأعضاء.

       سُحقت بيزنطية بالكامل من قبل الأتراك خاصة مع تخلّي الغرب عنها. وما كان الجبل المقدّس ليستطيع الإستمرار تحت الضغط العثماني لولا المساعدات السخية الآتية من روسيا ورومانيا ومولدافيا وأوكرانيا والكوكاز. ووجدت اليونان المحتلة في جبل آثوس المحامي عن تراثها الفكري والروحي. وقد تثقف الكثير من اللاهوتيين والمفكرين في الأكاديمية الآثوسية. هؤلاء سوف يشكّلون النواة للنهضة اليونانية.

       في العام 1821، شكلّت الثورة اليوناينة مرحلة جديدة في تاريخ الجبل المقدّس. انضم الكثير من الرهبان إلى مواطنيهم في مقاومة الأتراك. بعضهم لم يعد إلى ديره إلا بعد عشر سنوات.

       في الفترة اللاحقة وقعت آثوس في سبات. ابتدأ الرهبان يشيخون ولم يكن هناك من يخلفهم. المريدون الشبّان كانوا قليلين. على هذا عانى الكثير من الأديرة الإهمال. ولم يتحسّن الوضع كثيراً إلا حوالي العام 1970، حين بدأت مجموعات شابة تحمل مشعل الحياة الرهبانية.

       اليوم يتألف جبل آثوس من عشرين ديراً كبيراً والكثير من المنشآت التابعة لها.  إدارة الجبل تسري بموجب ميثاق حرّر عام 1924 و صُدّق عليه من قبل الدولة اليونانية عام 1926. جبل آثوس له كيانه المستقل ضمن الدولة اليونانية وهذا النظام موافق عليه من قبل المجموعة الأروبية. يمارس المجلس المقدّس السلطة التشريعية في الجبل وهو مؤلّف من عشرين عضواً، رؤساء أديرة أو شيوخاً (متقدّمين) من كل دير. السلطة التنفيذية، من ناحية أخرى، منوطة بالـ"Sainte Epistasie " وهو مجلس مؤلّف من أربع أعضاء، كل عضو يمثّل أربعة أديار. الحاكم المدني في آثوس يقيم في كارييس، المدينة الوحيدة والصغيرة على شبه الجزيرة؛ وهو يقوم بدور وزير الخارجية والمسؤول عن تطبيق الميثاق واحترام الأمن العام.

       كل الحجاج الذكور مرحب بهم، أرثوذكس أو غير أرثوذكس، شرط طلب إذن الدخول من "مكتب الحجاج" في تسالونيكيا.

 

المرجع:

Da Costa, Fabian (2005), Florilège du Mont Athos, Paris: Presse de la Renaissance.

Share