ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد التاسع عشر بعد العنصرة.
أحد آباء المجمع المسكوني السّابع.
بذار النـّعمة في القلب المنفتح.

كثيرًا ما تساءلت، منذ بدء حياتي الرّهبانيّة، كيف يطبّق هذا الإنجيل علينا، نحن الرّهبان!. أمّا الان، فسأحاول أن أنقل ما أعطانيه الله، تفسيرًا لهذا المثل الإنجيلي.

"خرج الزّارع ليزرع... " (لو8: 5). الزّارع هو الرّبّ يسوع المسيح. ليس أحد يزرع إلّاه!... "وفيما هو يزرع، سقط بعضٌ على الطّريق... فأكلته طيور السّماء" (لو8:5). هذا هو وضعنا، قبل أن نأتي إلى الدّير: نسمع الكلمة الإلهيّـة، نتحمّس، نحترق بها، نتحرّك بها، نقول: "نحن نريد الله، نريد خدمته، نريد أن نحيا معه كلّ أيّام حياتنا". لكنّ الاهتمامات الدّنيويّـة اليوميّـة تأتي، فتمنعنا من الاستمرار، وتحرمنا النّعمةَ الّتي أعطانا إيّاها الله. إلّا أنّنا نأتي إلى الدّير، بدفع منه، بالّذي لم تأكله هذه الطّيور. البقيّـة الباقية الّتي تركتها لنا تأتي بنا إلى الأديار، لنعبده بها.

"والبعض سقط على الصّخر" (لو8: 6)، وفي إنجيل متّى، المقابل لإنجيل لوقا هذا، نقرأ القول: "والبعض سقط على أرض حَجِرة، حيث لم يكن تراب كثير؛ فللوقت نبت، إذ ليس له عمق تراب" (متّى13: 5). الأرض الحَجِرَة هي عقل الإنسان. نحن نأتي إلى الدّير، ونظنّ أنّنا، بسماعنا الكلمة، وبعقلنا، وفهمنا، وإرادتنا، نريد الله. نظنّ أنّنا نفهم، لأنّنا نمتلك عقولًا تريد أن تعرف الله. نظنّ أنّ العقل مهمّ، لأنّه ينتج ثمرًا. ولا نعرف أنّ هذا الثّمر العقليّ هو ثمر آنيّ. نفكّر، نقـرّر، نريد؛ فنعمل. وهذا يحصل في الجزء الخاصّ بالمعرفة من العقل. والرّبّ قال على لسان الرّسول بولس إنّ "المعرفة تنفخ وتعظّم" (1كور8: 1). هكذا، يأتي العالم، أيضًا وأيضًا، ويسرق منّا ما عرفناه، بعقلنا، من الكلمة الإلهيّـة. نعرف آنيـًّا، ثمّ نعود فننسى؛ لأنّ الإنسان ليس باقيـًا... ويتابع الرّبّ القول في إنجيل الرّسول لوقا: "فلمّا نبت، يبس؛ لأنّه لم تكن له رطوبة"، أمّا الرّسول متّى، فيقول: "فلمّا أشرقت الشّمس احترق، وحيث لم يكن له أصل يبس" (متّى13: 6). إذًا، كلّ ما نعرفه بالعقل هو يباس. كلّ ما نعرفه بالمعرفة الذّهنيّـة ييبس، إذ تشرق عليه الشّمس. أيّـة شمس؟!. الشّمس الّتي تشرق وتُيبِّس ما في العقل هي الشّمس الّتي تُـحرق، الشّمس العقليّـة الإلهيّـة، النّار الإلهيّـة، النّور الإلهيّ الّذي يحرق كلّ ظلمة. وهذه الشّمس الّتي يتحدّث عنها القدّيس متّى، في إنجيله، هي شمس العدل، شمس البِرّ، شمس الاتّضاع، شمس الحياة الّتي اخترقت الموت، ونزلت إلى الجحيم بالرّبّ يسوع، والّتي خرج منها ناطقًا بالحياة. لذلك، قال الرّبّ لمريم: "لا تلمسيني، لأنّي لم أصعد، بعد، إلى أبي" (يو20: 17). لو سمح لها بأن تلمسه، وهو خارج من الجحيم، لكانت احترقت؛ لأنّها لم تكن، بعد، قد مرّت بخبرة الموت والقيامة الّتي بدأت بالجحيم. ولم يقل لها ذلك لأنّها كانت زانية!. لا، أبدًا!. بل لأنّها لم تكن قد ذاقت الموت، بعد، ولا القيامة الّتي هي في الجحيم، جحيم نفوسنا وعقولنا. من هنا، إذا سلّط الرّبّ شمسه العقليّـة على ما تعلّمناه بالمعرفة والعقل، فإنّ المعرفة تيبس...

"وبعض سقط بين الشّوك، فنبت الشّوك معه، فخنقه" (لو8:  7). ما هو الشّوك، في الدّير؟!. الأشواك الّتي في الدّير هي على نوعين: أشواك العمل اليوميّ "المَرتاويّ"، الّذي يحذّرنا منه الله، في إنجيله، إذ يقول لمرتا: "أنتِ تهتمّين بأمور كثيرة، والحاجة إلى واحد" (لو10: 41- 42). وأشواك أهوائنا، الّتي تـقتل الآتي إلينا بالزّرع الإلهيّ. إذا أتانا هوى ما، كهوى العقل، مثلًا، أو المعرفة، أو الجسد، أو أيًّا كان... فإن لم نعترف به، ولم نجاهد لنتخلّص منه؛ فإنّه يأكلنا ليميتنا!. إن لم نعترف، مباشرة، بحركة هذا الهوى المميت إيّانا، فإنّه يعمل ويعمل، ليتضاعف عمله، ويخنق الرّوح الإلهيّ، الّذي يكون "بذرة صغيرة" نأتي بها إلى الدّير... والهوى الّذي "يضربنا"، أوّلًا، هو هوى الكبرياء، هوى المعرفة الّذي تحرقه الشّمس. الشّمس العقليّـة الإلهيّـة تحرق معرفتنا الضّحلة، الميتة، المتكبّرة... ثمّ "يضربنا"، ثانيـًا، هوى الحسد، ليُميت الرّاهب الّذي لا ينظر إلى خطيئته وجهاده هو، إنّما ينظر إلى أخيه، ويحسده. هذا الهوى يخنق روح الرّبّ القدّوس السّاكن فيه!. يخنق تلك البذرة الّتي تحتاج إلى نور وفرح وتفتُّح، لا إلى انغلاق على الّذات!. كلّ إنسان ينغلق على ذاته، في الحياة الرّهبانيـّـة، يُميت بذرة الحياة الّتي يزرعها الزّارع، أي الرّبّ يسوع، فيه. إيّاكم والحسد! فهو يُنتج النّميمة، والانتقاد، والإدانة؛ وهذا يصل بنا إلى التّعظّم، واعتبار أنفسنا أفضل من إخوتنا. وبذلك، نصبح "قايين"؛ فنقتل، يوميًّا، إخوةً لنا، في الدّير، من دون أن نشعر... هكذا، تـتلاحق الأهواء الأخرى!...

"وبعض سقط في الأرض الصّالحة" (لو8: 8). الأرض الصّالحة هي القلب، وهي الرّوح. هذه هي الأرض الّتي يزرع فيها الرّبّ زرعه المبارَك. لذلك، قال في وصيّتَيه الأولى والثّانية: "أحبّ الرّبّ إلهك من كلّ قلبك، ومن كلّ نفسك، ومن كلّ قدرتك، ومن كلّ فكرك، [ومن كلّ جسدك، ومن كلّ كيانك، ومن كلّ الكلّ الّذي فيك]، وقريبك كنفسك" (متّى22: 37- 39). عندما نقبض على هذا القلب، ونعاينه، ونُسلمه إلى الرّبّ يسوع؛ فإنّه يُـخرجه من جفافه وقحطه. وإذ يُـفتِّح الرّبّ يسوع هذا القلب، ويزرع فيه زرعه، بذاره، نوره، حقّه، إنجيله، كلمته، حبّه، حنانه، شفقته، رحمته... فإنّه يضيء هذا الكيانَ، يضيء هذا القلبَ، ويأتي بالعقل وبالنّفس إليه، يعمِّدهما بنور القلب، بذاك النّور الإلهيّ والنّار الإلهيّـة؛ حتّى يحرق القلبَ بحبّه، يوميًّا؛ ويحرق، بفعل إراديّ، نارَ أشواكنا، وخطايانا، ونارَ ما أتينا به من العالم من أفكار، وظلمات أفكار، ومعرفة، وظنٍّ أنّنا نعرف، وتعظُّم مشيئة... وعندما تُـزرَع الكلمة في القلب، في الأرض الجيّدة، وتُـحرق تلك النّارُ الإلهيّـة جحيمَ أشواكنا وأهوائنا؛ نبدأ بالإثمار، بمقدار ما نُـفرغ أنفسنا: بعضنا مئة ثمرة، والآخر ستّين، والآخر ثلاثين (متّى13: 8)... المهمّ أنّنا كلّنا نعطي ما أعطانا إيّاه الله. "الّتي لك ممّا لك، نقدّمها لك على كلّ شيء، ومن جهة كلّ شيء".

هذه هي طريق الرّاهب المرسومة في هذا الإنجيل المبارَك، إنجيل الزّارع، والأرض الّتي هي نحن، والزّرع الّذي هو الكلمة الإلهيّـة، والحبّ الإلهيّ، والنّور!. الزّرع هو القداسة الّتي يرميها الله في قلب كلّ واحد منّا وكيانه. فإمّا أن نتلقّفها ملئًا، أو أن نأخذ جزءًا منها، ونبقى، بل نُبقي على أشواك نفوسنا، ظانّين أنّها هي الحقيقة الّتي ستخلّصنا. من هنا، المطلوب هو أن نُميت، كلّيـًّا، كلَّ ما فينا، من فكر، ومعرفة، وقول، وحسّ، وكبرياء... وكلَّ ما أتينا به من العالم إلى الرّبّ، لكي نصير به إلى القداسة، وهو يريدنا كلّنا قدّيسين...

لذلك، أرفع صلاتي إلى الرّبّ الإله، طالبةً إليه أن يشفينا، أن يشفي عيون نفوسنا الدّاخليّـة، ويُعمي عيوننا الخارجيّـة عن كلّ منظر، وكلّ شهوة عالميّـة، وكلّ إرادة متكبِّرة... هذا هو الوعد: القداسة... والقداسة تكون في القلب. والزّرع هو قلب الله في قلوبنا. فلنفتح أنفسنا، وقلوبنا، وعقولنا، وكلّ ما فينا؛ لنتقبّل النّعمة الإلهيّـة من الرّبّ يسوع. ولْيَدُمِ اسمُه مبارَكًا، من الآن وإلى الدّهر.

 

 

  المرتاويّ: نسبة إلى مرتا الّتي كانت منشغلة بأمور كثيرة اهتمامًا بالرّبّ (لو10: 40).

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

15 تشرين الأول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share