إنَّ نعمة التوبة، هي انخطاف الروح إلى الله، إذ تكون مشدودة إليه بظهور "النور". في الفترة الأولى، لا يكون ذلك "النور" منظوراً، لكن، بدفئه، يبدأ القلب بفقدان قسوته. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).تستمدّ الصلاة قوّة كبيرة من الضغط المتولّد من الكره المبارَك للذات، وتصير الصّلاة شبه لهيبٍ حارٍّ متأجّجٍ، والروح تحيا، في وقت واحد، ظلمات وجحيم موتها، والرجاء بالله الذي يخلّصنا. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).التوبة عطيّة، بلا ثمن، مقدّمة للإنسانية. التوبة هي العجيبة السماوية التي صالحتنا مع الله، بعد أن سقطنا. التوبة هي دفق الإلهام وانسكابه علينا، والذي، بواسطته، نرتفع إلى الله، أبينا، حتى نحيا إلى الأبد في نور حبّه. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).إنّ الّذين خبروا الحبّ الألهي، من الطّبيعي لهم أن يختبروا قرفاً ورفضاً لتلك الرائحة المؤذية المهلكة، التي لشهوة الكبرياء. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).
تأمّلات في الإنجيل

 

الأَحـدُ الـرّابـعُ

 

مـِن الصَّـومِ الكـبـير

 

أَحَـدُ القـدِّيـس يـوحنّـا السُّلَّمـيّ.

   لا لنا يا ألله... لا لنا... بل لاسمِكَ أَعطِ المَجد.!!...

    وصَرَخَ الأَبُ أَلَمَهُ ومعاناتِهِ بابنِه.!. الّذي له... ومعهُ.!!...

    أَكان إِبْنًا وحيدًا.؟!... رُبَّما.!!... وصَرَخَ الأَبُ مُشْتَعِلًا بالحَرقَةِ: ماذا صَنَعْتُ مَعَكَ، لَكَ يا إِلهي وسيِّدي.؟!. حتّى تُقاصِصَني هكذا.؟!.

    اليوم تُقاصِصُني على خطاياي الكثيرةِ الّتي ارْتَكَبْتُها لِصِحَّةِ ابني الوحيد الّذي أَعْطَيْتَنيه.!!.

    أَنا خَطِئتُ به وبِكُلِّ مَن حولي.!!. لذا اليوم تُقاصِصُني بوَلَدي.؟!. أَليسَ كذَلِك.؟!...

    إِن كُنتَ للآثامِ راصِدًا يا ربّ... يا ربّ مَن يَثْبُتْ.؟!. لأَنَّ مِن عِنْدِكَ هو الإِغتِفار.!!!.

    وساءَلْتُ... كُلَّ شَعبي، إِذ رأَوني أَحْمِلُ ابني على كتفَيَّ:

    - أَنْزِلْهُ... أَنْزِلْهُ... سَيَكْسِرُ رَقْبَتَكَ وتَقَعُ به.!!. والكلُّ سَيَلومُونَكَ.!!... هازئين بكَ وعلَيكَ منه.!!.

    وجَلَسَ الأَبُ على حفافي أَشْجارِ الزَّيتونِ، والخُرنوبِ، إِذ ثَقُلَ حِمْلُ إِبنِهِ عليه.!!.

    أَنْزَلَ الحِمْلَ... مع الخطيئاتِ الّتي ارْتَكَبَها... وغَطَّى جَسَدَ ابْنِهِ القَعيد بما يَلْبَسُ هو مُتَمْتِمًا: لا رِداءَ عندي يا سيِّدي.!!... لُفَّهُ أَنتَ بحنانِ عَطْفِكَ علينا.!.

    كُلُّنا... خَطِئْنا يا مسيحي.!!. فامْسَحْ عنّي ثِقْلَ حِمْلي.!!.

    أَنتَ وحْدَكَ السَّموحُ الرَّحيمُ، الرَّحومُ... وغَفَّارٌ للخطايا.!!.

    يا سيِّد... أَنا عَرَفْتُكَ أَنَّكَ، لسْتَ للآثامِ راصِدًا يا ربّ.!!.

    لأَنَّنا كُلَّنا في مِلْءِ مِلْئنا، لَنْ نَثْبُت أَمامَ وجْهِكَ... للجلوسِ مَعَكَ على حَفافي عَرْشِكَ.!.

    سيِّدي... مَن يَثْبُت مِنَّا أَمامَ نورِكَ في خطايانا.؟!. كلُّنا خَطِئْنا إليكَ.!.

    أَسْتَصْرِخُكَ... أَسْتَميحُكَ... مَن يَثْبُت.؟!...

    جَعَلْناكَ أُلعُوبَةً... نُحِبُّكَ ونَمُجُّكَ.!!. لَكِنَّكَ وَحْدَكَ تَبْقى إِلَهُنا.!.

    لأَنَّ مِن عِندِكَ هو الاغْتِفار.!. يا مَن خَلَقْتَنا من أَحْشائِكَ.!.

    إِغْفِرْ لنا ولَهُمْ يا أَبَتاه. لأَنَّنا ولأَنَّهُم لا يَدْرونَ ماذا يَفْعَلون.!!.

* * * * * * *

    اليومَ يتكشَّفُ لنا، أَمَامَنا، الرّوحُ القُدُسُ إِذ يَكْشِفُ لنا الإلهُ، هيئةَ الرّوحِ النَّجِسِ المرهِبَة في ٱبنٍ أَتى به أَبوهُ، لِيَشفيَه الرّبُّ يسوعُ له.!!...

    دنا الأَبُ إِلى يسوعَ مُخْفِيًا ٱبنَهُ المصروعَ وراءَهُ، ليستجدي، ساجدًا بَدْءًا، وطَالِبًا الشِّفاءَ من المعلِّم.!!.

    دخلَ الأَبُ المحطَّمُ، الواقفُ على حفافي اليأسِ القَتَّالِ، المميتِ، جارًّا ٱبنَهُ، أَسِيرًا للرّوحِ الأَبْكَمِ المُزْمِعِ قَتْلَهُ بعد تَعذيبِهِ، في لحظةٍ، في غفلةِ الأَبِ عن جنونِ ٱبنِهِ، الّذي ٱمتلأَتْ منه رائحةُ المنزلِ من الكُفْرِ والغشِّ والرَّذالَةِ... والخطيئةِ... ونادى الإِلهَ... أَنا عَمِيتُ من طُفولِيَّتي.!!!... إِذ كان يتحرَّكُ الرّوحُ الشَّيطانيّ.!!... كلّ لحيظة يرتاح فيها الابن.!...

              وَزَعَقَ الأَبُ: في بَيتِنا... تَحْتَ سَقْفِنا.!!!... روحٌ أَبْكَمٌ قَتَّال.!!.

    كان الشِّرِّيرُ يبدأُ بتخويفِ أَهلِ بيتِهِ بصَرْعِهِ الابنَ، ليُزْبِدَ صارفًا بأَسنانِهِ، وإِذ تشتدُّ الضَّغْطَةُ عليه طاحِنَتَهُ وخانقَتَهُ عن تَنَشُّقِ النّفَسِ، كان يَصْرِفُ بأَسنانه أَيضًا، مكسِّرَها، لِيَخْرُجَ زبدُ صخب أَمواجِ الموتِ المترادِفَةِ واحدةً تِلْوَ الأخرى، ورَوائِح الموتِ العَفِنَةِ من جَوْفِهِ.!. مُخْرِجَةً لَفْحَةَ الشَّرِّ ورائحةَ الجحيمِ إِلى عُمْقِ أَعماقِ الابن، ليَبْصُقَها بوجْهِ أَهلِ بيتِهِ، الّذي صار مَوْئِلًا للعقاربِ والحيَّاتِ العقليَّةِ السّامَّةِ، المُنْسابَةِ والمُتَعَلِّقَةِ الواحدة بالأُخرى، حتّى تُبْذِرَ، مُلَقِّحَةً بعضها بعضًا، فيتكاثَرَ الشَّرُّ في المكان الّذي دَخَلَهُ الشَّيطانُ!!...

    وإِذ لَمْ يَسَعِ الشَّرُّ في كلّ البيت، كان يَمْتَدُّ إِلى العالم.!!. إِلى كلِّ الكَوْنِ.!!.

    وَيْلي... وَيْلي... مَن يُخَلِّصُني، مِن جَسَدِ عَذابِ وتَعذيبي بالموتِ هذا...؟!...

    بقي في حسّ الأَبِ وقلبِهِ وَجَعٌ لا يَخْتَرِقُهُ إِنسانٌ، إِلاّ روحُ الرّبِّ السّاكنُ فيه، من يومِ وِلادتِهِ.!!.

    بَقِيَ هذا الرّوحُ الإِلهيُّ مُرافقًا مَسيرةَ الشَّرِّ السّاكنةَ في بيت الأَب وعائلتِهِ، المحَمَّلين كلُّهُم، بِثِقْلِ النّجاسَةِ، وعَذابِ الموت الشّرّير، الّذي زَرَعَهُ الشَّيطان، لِيَفْتُكَ بجميعِ أَهْلِ البيت، وتاليًا بالعالمِ الّذين يَصِلُ إِليهم.!!.

    وصَرَخَ روحُ الأَبِ والإِبنِ، تاليًا: أَبي... يا أَبَتي... أَنْقِذني من خطاياي.!!.

    خَطيئَتُكَ وخطيئتي أَنا إِبنُكَ... أَنا وَحيدُكَ والشّيطان الّذي يَوَدُّ قتلي لِيُمِيتَني.!!... ويُفْني شَعْبَنا، بي وبكَ.!!.

    كيف دَخَلَ الرّوحُ الشَّيطانيُّ ذاك، كيانَ الإِبنِ، إِلى قلبِهِ ليُدَمِّرَهُ.؟!. مُعَذِّبًا الأَب والأُمَّ وكلَّ القُرْبى والجيران، الّذين ٱرتاعوا لمجاورةَ ذاك البيتِ والسّاكنين فيه.؟!.

    والسِّرُّ أَنَّ الشَّيطانَ دخل كيانَ الابن بهوى حُبِّ النَّفْسِ.!!. بِعِشْقِ الأَنا.!!. بالطّمَع.!!. بالاستكبارِ على الآخَرين.!!.

    بقَهْرِ الأَخِ محبّةً بالأَنا لِيُدَمِّرَهُ.!. بالتَّقَوْقُعِ، لإِنزالِه إِلى الجَحيم.!!.

    أَمَّا الآخر، بالنّسبة إِلينا، فصارَ المسيحَ ورفقتَهُ، الّذين نَكْرَهُهُم، ضامّينهم إِلى الطُّماعِ، الّذين لا يُغَذّوننا بكلمةِ الحقِّ.!!... أَو يُعْطوننا من مَبرَّاتِ التّلاميذ.!!.

بل يَقْتُلونَنا بالصَّمْتِ الأَسْوَدِ.!!. بلا حقِّ إِنجيلِ الكلمة.!!.

* * * * * * *

    أَيَموتُ الحقُّ.؟!... هاك الّذي هو عدوّ الشّيطان يأتينا حاملًا كلمتَهُ، هيئتَهُ، رؤية روحِهِ لخلاصِنا، الّذي زَرَعَ أَنانا، ليتحرَّكَ بروحِهِ فينا فيفصِلَنا عن هَيئةِ الشِّرّير.!!.

    وَعَلَتْ نَبْرَةُ الحبِّ والحَقِّ... والكُرْهِ الشَّيطانيّ.!!.

    اليومَ يَحْضُرُ كلّ الشّرّ الكونيّ مع الأَب في الابن، إِلى يسوعَ، ساجدًا له وقائلًا: يا معلّم، قد أتيتُك بابني، به روحٌ أَبْكَم، وحيثما أَخَذَهُ يَصْرَعُهُ فيُزْبِدُ ويَصْرِفُ بأَسنانِهِ ويَيْبَسْ.!!.

    يا ربّي، يا رَبَّنا.!!. لماذا تركتني أَتعذّب وأُجرَّحْ، حتّى نَزْفِ نَبْضِ دَمِ القلبِ بابني هذا وحيدي، المملوءِ، بل الحاملِ والجامِعِ في حشاهُ كلَّ شَرِّ مخلوقاتِ الأَرض.؟!.

    ويبقَى السّؤال: كيفَ... ولماذا إِقْتَصَّ الشّرِّيرُ من عائلَةٍ بسيطَةِ المَحْتَد والمبنى.؟!.

    لماذا وكيف داخَلَهُ الشّيطانُ صائرًا عَديلَهُ.؟!. فلا يَدَعُهُ يأكلُ ويشرب، بل يَخْبِطُهُ الشَّيطان، نافثًا سُمَّ كيانِهِ الدّاخليّ فيه وحوله، ملوِّثًا روحَ وأَرياحَ المنزلِ ليتنشَّقَ الجميعُ نَفَسَ الشَّرِّ، فيَجُرَّ كلَّ مَن يُصادِفُه، إلى جحيمِ العذابِ الّذي هو فيه.!!. ليُلقِيَهُ في غياهبِ سِجنِ تلك النَّفْسِ المملوءةِ عتمات تَتَفَتَّقُ، عن عتماتِ فِعْل القتلِ في دَنَسِ الجسد، والسّرقة والتّعَظُّم الرّديء المسيطِرِ بخفَّةِ روح العِفَّةِ المستنيرة، وباستنشاقِ نسيمات صُبْحِ التّراتيل، مُضيئَةً عَفَنَ منافِذِ الرّوحِ الغارقَةِ في بحرِ الخوف.!!.

    وصَرَخَ الإِلَهُ: ... ربُّ السّمواتِ والأَرض:

    ... لا تَخافوا.!!. أَنا قد غَلَبْتُ العالَم.!!.

    ما التَّسْآلُ.؟!.

    ويَبْقى التَّسْآلُ، أَيخافُ الشَّيطانُ ذاتَهُ.؟!. لا.؟!. فهو إِذ يرى أَنَّ أَحدَ مساجينه يرتاح من خَبْطِ الموت عليه، يَنْقَضُّ معذّبَهُ بالشَّهْوَةِ الرّديئة، ليجعلَهُ أَسيرَ الزَّعيقِ، مُسْقِطًا إيّاه في بحيرة النَّتَن، ليُخرجَ منها ما بَقِيَ من عفونةٍ بفَتْحِ نوافذِ أَبوابها، على تَسَلُّطِ شرٍّ أَقوى وأَشَدّ.!!. مَن.؟!. مَن يُخَلِّصُني من هَيْئَةِ هذا.؟!...

    وتَبْقى المأساةُ المصيبَةُ.!!. ليغسلَها الإِنسانُ بإرتقاءِ سُدَّةِ كراسي المجد، والسّلطة، وعِشْقِ المال، وزهوَ الحضارات المُطَيَّبَة، بروائح التَّمَلُّقِ، والكذبِ والمداهناتِ، والإجتماعيّاتِ المشوِّهَة وَجْهَ أَرض المسيح الخالق.!!... أَتَنْتَفي كلُّ تَمْتَماتِ الحبِّ النّقيّ غارقةً في صَمْتِ كلمةٍ روحيّةٍ تُضيئُه... على صليبِ حياةِ، موتِ وقيامةِ يسوعَ على الصَّليبِ.؟!...

* * * * * * *

    إذًا مَن وماذا بقي.؟!.

    يسوعُ الإِلهُ المتجسِّدُ من روحِ الآبِ وحبِّهِ، المغروسِ في رَحَمِ الأُمِّ المرأةِ العذراءِ مريم.!!. المولودة بعد التّغذّي من دَمِ بطنها القابلِ الحياةَ الجديدة.!!. الوالدَةَ لا من شهوةِ الجسدِ، بل من عِفَّةِ شَهوَةِ الرّوحِ الإِلهيّ.!!.

    اليومَ كان على البشريّةِ أَن تُفرِغَ الجحيمَ كلَّهُ، في كيانِ هذا الابنِ السّاكنِ حشاهُ روحُ الشّيطانِ الأَبْكَمِ، ليُسكِتَه عن قولِ كلمةِ الحقِّ الّتي تُولِدُ كلّ إِنسان، لِيُلْبِسَ الإِنسانيّة الحُلَّةَ البيضاءَ لِتَنْطِقَ بنورِ وإِشعاعِ الإِلهِ الإِبن، فتعرف الإنسانيّة أَن تُدركَ بهذا العمل، أنّه مدعو، للتّمَنْطُقِ بأَرديةِ الكلمةِ البِكْر أَنّ الإِلهَ الحقَّ هو وحدَهُ حاملٌ نورَ ونارَ الأُلوهةِ، وأَنَّ الحياةَ معه تَبدأ، بحبٍّ مصلوبٍ مع الآخر وله وفيه على صليبِ المجدِ الإلهيّ.!!.

    هناك على الصّليب يموتُ الموتُ الأَجوف، ليمتلئ إِنسان الحُبِّ، ذاك، بموت الشّهادة،  في المسيحِ المصلوبِ بَدْءًا على صليبِ حبِّ الآب له، ليصيرَ وَحْدَهُ النّاطقَ بالحبِّ الحقِّ.!!. والكلمة الحقّ.!!. وبروحِ الحقِّ الإِلهيّ.!!...

    اليوم تجتمعُ عندَ فجرِ كُلِّ صُبْحٍ الرّوح بالرّوحِ، حتّى يلقى الإِنسانُ نفسَهُ روحًا من روحِ الإِله.!!...

    ليس من حقيقةٍ كونيّةٍ، إِلّا ولادة الإِله الابن من بطن العذراء مريم بالرّوح القدس.!!. والّتي أُعطيناها نحن هدية مجّانية من تَبَنّي الآب للابنِ ولنا تاليًا.!!.

    اليومَ استبان الإِلهُ الابنُ يسوعُ سيِّدَ الخليقة، بتسيّيد حبّ الآب عليه في قلبه، ليستقِرَّ الكيانُ البشريُّ كلُّهُ، في عُذْرِيَّةِ حُبّ الابن لأُمِّه مريمَ العذراء، جاعِلَها شفيعةَ كلّ المسكونة المغذيّته من دمائِها الطاهرة، دماءِ إِرثِ الولادةِ من روحِ الآبِ في تجسُّدِ الابن.!!.

    وإذ كان الابنُ غيرَ معروفٍ بالهيئَةِ في حياةِ الشّعبِ اليهوديّ، أَسْكَتَ البشريّةَ، صمتُ الآب، لسَكْبِ كُلِّيَّتِهِ في الابن المولدِ منه منذ الأَزل، ليتَجَسَّدَ في مِلْءِ الزَّمان.!!.

    كيف يُبْكِمُ الإِلهُ الإِنسانَ عن نُطْقِ كلمةِ الحقِّ وهو حيٌّ بينهم وفيهم.؟!... حين صار الخلاصُ بالتَّبَنّي الوالديّ للإِنسانِ المخلوقِ الّذي أَسْلَمَ ذاتَهُ بالكلِّيَّةِ لمشيئة الإِله.!!.

    هكذا أَتى الأَبُ بالإِبنِ المَسْكونِ بِبُكْمِ الشَّيطان، حتّى لا يَنْطِقَ باسْمِ الإِلهِ مُبشِّرًا، التلاميذ ليُشْفوهُ ولم يَقْدِروا.!!..

    لماذا.؟؟!... لأَنَّهُم كانوا غارقين في كياناتِهِم الأَرضيّة يؤمُّونَ الصّلاةَ مَمْزوجَةً بالعِشارة، وصيدِ السَّمَكِ وَبَيْعِهِ ليقْتاتوا وأَهلهم، وإِذ يُقيمونَ الأَفراحَ يَجْلِسون ليدرسوا عِلْمَ التَّوْراة، مُقارنينها بالفلسفات اليونانيّة وحُكْمِ الرّومان، ومُطَبِّقين الأَحكامَ لا عليهم، لأَنَّهم سَيَّدوا أَنفسَهُم على ربوبيَّةِ الشَّريعةِ، مُعَلّين عصائِبَ عرائضِ لِباسِ رؤوسِهِم، وأَجسادِهِم في الهيكل، النّاطقين منه، باسْمِ الإِله مبدع الشَّريعة وسيّدها وحدَهُ.!!. ليَقولَ النَّاسُ الّذين يَسْعَونَ للعَيشِ في سِرِّ حياتِهِم... اليوم يوافينا إِنسانٌ من جِبِلَّتِنا أَبْكَم مسكونًا بالشَّيطانِ... آتيًا به والده ليشفيه بيدِ الإِله.!!.

    يا أَحبَّةُ... كلُّ ما حُكي وما يُحكى.!!. كلُّ ما كُتِب وما يُكتَب.!!. كلُّ ما عُلِّمَ وما زال يُعَلَّمْ، إِن كان غيرَ مجبولٍ بدموعِ التَّوبَةِ، عن كلّ فَرْدٍ في البشريّة، يبقى عِلْمًا ومعرفةً صَمَّاء، لا روح فيها من روح كتابِ الحياة في الإِنجيل وكلمةِ الرّبِّ يسوع، السَّائرِ بكلّ المؤمنين إِلى صليبِ حقِّهِ لامْتِشاقِ القيامة، قيامتِهِ هو.!!...

    كلُّ حياةِ الإِنسان، كائنًا مَن يكون، إِن لم تبدأ بالولادة من بطن العذراء مريم بالرّوح، مغتذية بدمِها وراضِعَةً حليبَ ثَدْيَيْها الطاهرَين، لن يسكنَها روحُ الرّبِّ القدّوس المنبثّ في كون الخليقة وكيانها يوم براها الآب نافخًا فيها روحه القدّوس.!!.

    هذا الإنسانُ اليومَ لَنْ يحيا ناطقًا باسْمِ يسوعَ وحاملًا كلمتَهُ ليَبرأ هو بها بَدءًا ويُبرئ كلّ الّذين يضعهم الرّبّ في دربه ليحيَوا به وحدَهُ.!!...

    نُطْقُ حياةِ الإِنسان وحقيقةُ وجودِهِ يبدآن بالميلاد مع يسوع في مذود البهائم، والهاربِ من قَتْلِ هيرودس، مُعلِّماً، مُبَشِّرًا بالكلمةِ السّائرِ معه، السّاكن فيه، والمعلّق على الصّليب ليموتَ فيه الوارث، بخطيئة آدم الجدّ الأوّل.!!.

* * * * * * *

    اليوم نقِفُ كلُّنا، نحن الّذين وُلدوا في المسيح من البطنِ البتوليّ، شاهدين بالكلمةِ الإِله، لنصيرَ مصلوبين على صليبِهِ بالشّهودِ والشّهادة، إِذ يُعَمِّدُنا بدمه، ليُتْحِدَنا معه على صليبه باكين صَغارَ نفوسِنا وتائقين إِلى بِرِّهِ.!!. راجين الجلوسَ عند قدميه ووالدتِه العذراء مريم، لنسمع نُطْقَ كلمتِهِ في صَمْتِ حشا قلوبِنا، فنذيعَها حبًّا من حبّه وروحًا من روحه وشفاءً من شفائه، وأُلوهيَّةً من أُلوهيَّتِهِ.!!.

    هذا الجنسُ لا يُمْكن أَن يَخْرُجَ بشيءٍ إِلَّا بالصَّلاةِ والصَّوم.!!... وحَلَّ الصَّمْتُ الواعي.!!.

    لا حكمةَ في براهين الإِنسانيَّةِ، إِلَّا إِذا استَقَرَّ فيها روحُ الرّبِّ القدّوس، لِيَحيا الإِنسانُ فيها إِلى الأَبَد.!!. مُنْتَظِرًا الإِلهَ كي يَدْخُلَ بيتَهُ لِيُعَلِّمَ كلَّ الكتبةِ والفرّيسيّين.!!. الّذين يَعرِفون والّذين يَدَّعون المعرفةَ.!!.

    ويبقى التَّسْآل... هَلْ يَسْمَعون صَوتَ الصَّلاةِ بالصَّمْتِ.؟!...

    إِذًا لماذا نُسائِلُ المُعَلِّم.؟!...

    ماذا يَبْتَغي الإِنسانُ.؟!... البُرْءَ أَمْ المَوتَ.؟!... أَمْ الانتِظارَ في تَمْتَمَةِ اسْمِ الحياةِ.؟!... واسْم الحياة الحبّ.!!. وإِسمُ الحبِّ... يسوعُ النّاصِريّ.!!!.

    وقالَ يسوعُ الكلمةُ: أَيُّها الجِيلُ غَيرُ المؤْمِن... إِلى متى أَكونُ مَعَكُم... حتّى متى أَحْتَمِلُكُم.؟!...

    ووَقَعَ الصَّمْتُ الأَخيرُ، من صَمْتِ الكلمةِ.!!.

    إِنَّ هذا الجِنسَ، لا يُمْكِن أَن يَخْرُجَ بشيءٍ إِلَّا بالصَّلاةِ والصَّومِ.!. توبوا فَقَدِ اقتَرَبَ ملكوتُ السَّمواتِ...

    هكذا أَكْمَلَ يوحنّا السُّلَّميّ نَصْبَ سُلَّمِهِ، مُمَكِّنَها حتّى لا يَقَعَ عنها ومنها، رِفْقَةُ يسوع، وكلُّ السَّاعين للامتِدادِ إِليه.!.

    توبوا... فقد اقتَرَبَ إِلينا... المَلَكوتُ السَّماويّ.!!.

    لِصَلِيبِكَ يا ربّي نَسْجُدْ.!!. ولِقِيامَتِكَ المقَدَّسَةِ نُسَبِّحِ ونُمجّد... لأَنَّكَ أَنتَ وحْدَكَ إِلهُنا.!!!.


آمين .

 

الأمّ مريم (زكّا)

رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان

11 نيسان 2021

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share