عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السّابع والعشرون
بعد العنصرة...
"أنتِ مطلقةٌ من مرضِكِ"...

وانحنى سمعان الشّيخ... انحنى ذلك الشّيخ البالغ التّسعين من عمره، ليَسْتَلِمَ "الطّفل يسوع" من أُمّه "مريم" حين أدخلته، للمرّة الأولى، هيكل سليمان... وكان الشّيخ قد استَلَمَ الطّفلةَ "مريم" الّتي أتى بها أبواها لتدخل هيكل الرّبّ، وتاليًا لتُدخِلَ هي مع أبوَيها الطّفلَ الإلهيّ الملك ليصير هو ربَّ الهيكل والشّريعةِ الحاملةِ الوعد بأنّ هذا الطّفل سيصير ملكًا لإسرائيل وشعبها وسيّدًا لحياتها... مُخَلِّصَها...

اليوم سيّد الشّريعة يأتي إلى الهيكل، لا طفلًا، بل معلّمًا الشّريعة الجديدة، الّتي تتجدّد بكلمته والّتي تبقى إلى الأبد شريعة الحياة الّتي لم يعرفها النّاسُ قبلًا ولا سمعوا بها، وتاليًا لم يحيَوا كنهها ولم يدركوا معناها ومضامين مغزاها...شريعة الحُبِّ المصلوب...

اليوم سبتٌ... فيه يرتاح الشّعب اليهوديّ  بِحَسَبِ الشّريعة المنصوصة له، أنّه لن يعرف الرّاحة الإلهيّة البكر إلّا متى حضر ربُّ الشّريعة ليتلو جديدها على شعب إسرائيل...

واليوم حضر سيّد الشّريعة الإله الملك ليعلّم في أَحَدِ المجامع... كان اليومُ يومَ سبتٍ... تحلَّق المؤمنون حوله ليسمعوا كلامه... كلّ الشّعوب، في كلّ أقطار المسكونةِ، كانوا، وما زالوا يبحثون عن مخلِّصِهِم، الوعد الآتي ليغيِّر حياتهم، بل لينقلهم من أَعمق أعماقِ مخاوفهم، والجهالة في معرفتهم السّيّد الرّبَّ، مولودًا من بطنِ عذراء مخطوبة، بإرسال الملاك، حتّى يُبَشّرها بأنّها ستحبل وتلد طفلًا يُسَمّى "عمّانوئيل"، أي الرّبّ معنا..!!..

ويبدأ التّسآل... لماذا ما زال الشّعب الإسرائيليّ لا يؤمن بحضور الّذي كان وهو كائن وسيكون.؟!. لماذا شعوب العالم برمّتها لم تؤمن بعد بأنّ مليك الحياة والموت هو هو كان معنا بالجسد منذ ألفَي سنة وأنّه ما زال معلّقًا على خشبة حبّه للبشريّة وما زلنا نحن أولاده أبناء الوعد، نعجن الطّحين أرغفة لإطعام الفقراء والمحتاجين والمشّردين، من جسده هو، ونسقيهم من رحيق الحياة النّابعة من جنبه القاطر دم الحياة البكر وماء المعموديّة.؟...

            الرّبُّ يسوع الفادي، قَلَبَ الأعراف والموازين ولم يُبالِ بكلِّ الأحكام البشريّة القائمة الّتي أدّت إلى ضلال شعبه، بدءًا، وضلال البشريّة، الّتي لو التزمته هو، مؤمنةً به، لكانت مسيرة حياتها تبدّلت ولكان العالم كلُّه تحوَّلَ إلى حديقةٍ فردوسيّةٍ يحيا فيها كلّ العطشى إلى وجهِ ربّهم،  والمشتاقين إلى سلامه وصحّة روح شعبه...

التفّ الشّعب حول يسوع في مجمع من المجامع، وكان يعلّم ويكرز بالكلمة... فإذا به يرى الشّيطان متخفّيًا أمامه في شكل امرأةٍ منحنية إلى الأرض، ولا تستطيع رفع رأسها لترى وجهَ إلهها وسيّدها...

رآها يسوع... فتوقّفت المرأة أمامه... لم تطلب منه شيئًا... فقط وقفت..!!..

رآها يسوع فدعاها... اقتربت منه... قام واقفًا، وضع يديه عليها... غمر رأسها وكلّ كيانها بكفّيه... وقال لها: إنّكِ مطلقةٌ من مرضكِ..!!.. وفي الحال استقامت ومجّدَت الله... وطُرِدَ الشّرّير من هيكل إنسانةٍ هي خِلْقَةُ يسوع وابنة إبراهيم بالوعد...

في إنجيل لوقا اليوم... لم يأتِ الإنجيليّ مقاربًا ما بين هذه المرأة المشوَّهة الهيئة والطّلّة والواقع و"مخلَّع بيت حسدا"... هنا يسوع لم يسأل المرأة، ماذا تريدين أن أصنع لكِ.؟!.أتته لأنّها عرفت يقينًا أنّ هذا المعلّم الواقف في المجمع يعظ بالكلمة الإلهيّة، هو الوعد الآتي ليخلّص شعبه من أحكام الشّرّير، والمرضى من أدوائهم...ولكي يطعم الجوعى و يضيف الغرباء ويسقي العطاش... ليعرفوا، بِحِسِّ القلبِ، أنّ هذا هو مخلِّصنا، وقد أتانا اليوم...

أتى الرّبّ لتصير حياة الإنسان أحلى وأخفَّ وأَرَقَّ وأعمق، مملوءةً من سماع الكلمة والبشارة لعيشها... من الآن وحتّى لقاءِ صبح نورِ وجهه...

حين بَرِئَت المرأة من موت تخلُّعِ جسدها، استقامت ممجِّدةً الله..وقالت: يا إلهي وخالقي وربَّ الأرباب، يا سيّدي... المجد لكْ... السُّبحُ لك والعزّةُ لملكوتك الأبديّ...

انتفض رئيس المجمع وهو مغتاظٌ لإبراء يسوع في السّبت... خاف أن يلوم يسوع، فاتّجه صوب المجمع ليحاججه بالنّاموس والقانون وأقوال الأنبياء... كان يبتغي دعمًا لأنّه عَرَفَ أنّه لا يستطيع أن يقاوم يسوع ويحاججه فيخسر... اتّجه  إلى أَسياد الشّريعة..!!.. "هي ستّة أيّامٍ ينبغي فيها العمل"... واستمرّ في خطابه في شأن الشّفاء والاستشفاء للشّعب المريض. ظَنَّ أنّ بعض الأيّام لا يعمل فيها الإنسان، وفي أخرى يسكن بل يستكين ليصلّي... لكن فاته أنّ الصّلاة هي ثمرة الحبّ الإلهيّ للبشريّة. بعدها يشفي الرّبّ المريض... وإذ وجَّهَ الشَّكوى للمجمع، أجابهم الرّبّ موجِّهًا كلامه لرئيس المجمع...فدحضه، وهو الّذي قال: "لا تدعوا لكم رئيسًا ولا ومعلّمًا على الأرض... لأنّ معلّمكم واحدٌ في السّموات وعلى الأرض"(مت23: 8-10)...

هنا يمرُّ معنا، كبعض المرّات، توبيخ يسوع لرؤساء القوم، إن في "الدّين" أو في "السّياسة"، كما يتعاطاها النّاس...فقال لرئيس المجمع... "يا مرائي"... ولبعض الأولياء: أيّها القبور المجصّصة... وقال لهيرودس: أيّها الثّعلب...والخ...

من يجرؤ أن يخاطب رئيسَ مجمع موبِّخَه بهذه الطّريقة.؟!... لكان طرده من المجمع قاطعًا إيّاه من حقوقه الدّينيّة وتاليًا المدنيّة... وقال له: "يا مرائي"..!!.. وأعطاه بغضبٍ حجّة الحمار سببًا لسقيه ماءً يوم السّبت... أنزل اتِّهامَه له وكأنّ مستواه هو مستوى الاهتمام بحيواناته، بحماره، وليس بالإنسان المخلوق على صورة الرّبّ ومثاله...

ومن ثمَّ وضع يسوع رئيس المجمع في أسفل دركات التَّفَهِ..!!.. عيَّره بإيثاره الحمار على الإنسان المريض المقارب عجز الموت... أليست الأنانيّة هي ربَّة الاتّهامات جميعها وتاليًا حبّ الذّات.؟!... كهّان الهيكل فضّلوا الثّور والحمار على الإنسان الّذي هو مخلوق يسوع... وابن إبراهيم...

وماذا تاليًا عن المرض الّذي ربط تلك المرأة ثمانيَ عشرة سنة.؟...

هذا عمر النّضج... ثمانية عشرة عامًا، وهذه الإنسانة مربوطةٌ من الشّيطان...

هكذا تطلّ علينا الحرب العتيقة الجديدة بين الإله والشّيطان..!!.. بين الخير والشّرّ..!!.. بين الحياة والموت.!!. بين الفرح والحزن.!!. بين العطاء والتّخزين..!!.. بين عمل الله في خليقته للحياة الأبديّة وفعل الشّرّير لهدم مخلوقات الإله...

ألم يوجد في كلّ أرضِ فلسطين من يكشف سرَّ المرأة المتَيَبّسة بالانحناء ليشفيَها من ربقة الشّرّير عليها.؟!...

الوجع القائم منذ التّجسّد والصّلب للقيامة، أنَّ أكثر النّاس، فتحوا منافذ كيانهم ونوافذ فكرهم وقلبهم، ليدخل الفكر الشّرّير فيهم ومنهم إلى ذرّيتهم، فيصير الشّرّير كأنّه سائرٌ بإزاء الإله الرّحيم خطوةً خطوة، ليَفنيَ ويهدم ما بناه الآب في الابن بالرّوح القدس...

ويُنهي القدّيس لوقا قوله المعبِّر والواقع في صِلب حياتنا اليوم، بتذكير المؤمنين أنَّ البِرَّ والفساد يسيران جنبًا إلى جنب في حكم حكومة إبليس المعانِد الكذّاب والمرائي في حياة أبناء الله.في كلّ يوم، بل في كلّ ساعة ودقيقةً بدقيقة...

ليس من راحةٍ في هذا الكون..!!.. فالرّبّ خلق الأَرضَ ليغتني بها سكّانها ويتوارثوا كلُّهم، أي كلُّ البشريّة، حياة الإله وعطاياه فيها...

في البدء لم يكن غنيّ وفقير، معوزٌ جائع ومُتْخَمٌ، من عطايا وبركات الإله... الجميع كانوا يتطايرون كالملائكة، يمرّون كلّهم، أحدهم بالآخر، ليتأكّدوا أنّ جارهم ليس بحاجة إلى الخبز والقرش بل الكلّ سواسيّة في العطاء والأخذ عند الله... الكلّ كان غنيًّا والجميع فقراء لمحبّة الرّبّ والجار والأخ...

الجميع، أي كلّ الكلّ، كانوا يجتمعون، زرافات ووحدانًا، لترتيب شؤون الجماعة أي إخوة الرّبّ..!!.. هكذا كانوا يسمّون بعضهم البعض. لهذا كانت الملائكة تتطاير متناغمة لتوزيع الغنى والأفضال، في كلّ مكان وما هم مكلّفون بإنهائه من مَهمّاتٍ للحياة الأبديّة...

لكن كان يتسرّب في الظروف القاسية، الشّرّ ليسكن في بيوت وعلى موائد، ليتبنّوا صفة القهر للأخ والصّديق والقريب... أي لترتيب سياساتهم الخاصّة، معرضين، بما يفكّرون ويقومون به، عن فكر المسيح وقصده للبشريّة...

بحبٍّ واحد وإيمان واحد، يخلص جميع أهل البيت، وبحضور غريب شرّير واحد تتألّم كلّ العشيرة والقبيلة والبيت والشّعب والمدن والقرى وبيوت العبادة والإيمان الحيّ...

فيا ربُّ، يا ربُّ، تعالَ وخلِّص المتّكلين عليكَ وبرِّرهم بحبّك لهم وبحبّهم لك... تعال يا ربّ، تعال، لنعود إلى بيتِ مقدِسِكَ... رعيّة صالحة، محبّةً، من مَحَبَّتِكَ، ونورانيّةً مشعّةً باسمكَ القدّوس...

 

آمين.

 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

10 كانون الأول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share