طاقة الغضب هائلة في الإنسان ونحن لا نستطيع أن نحوّلها إلا في المسيح فقط. (الأرشمندريت الياس مرقص).إنّنا عندما نصنع مشيئة الآخر بالطّاعة نكون مثل المحضونين، نستقرّ ونرتاح، وبالعكس، عندما نصنع مشيئتنا نبقى أحيانًا في نوعٍ من قلقٍ وعدم ضمان. (الأرشمندريت الياس مرقص).الإنسان متمرّد على الله كابنٍ عاق على أبيه. المطلوب الخضوع لله، فلنحرص على ذلك، فخضوعنا له هو شهادتنا للعالم. (الأرشمندريت الياس مرقص).عندما نطلب الرّحمة لنا، يحسن أن نعني تلك الرّحمة الّتي هي في العمق، أن نعني نزولها إلى أسافل جذور كياننا وادراكنا لها في أعماق إثمنا. (الأرشمندريت الياس مرقص).إن "كلمة" الله تغيب أحيانًا... يوم يصلبون المسيح لتعود وتنفجر بأكثر بهاءً وقوّة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
تأمّلات في الإنجيل
أحد مرفع اللّحم...
بُرْأة الدّينونة.

   ما جديد اليوم؟!...

   هذا هو اليومُ الّذي صنعَهُ الرّبّ، فلنفرحْ ولنتهلّلْ به...

   أليس الكونُ كلُّهُ من عملِ الرّبِّ وصنعِ يدَيه؟!. فلماذا دينونةُ الصّليبِ قبلَ العيد؟!... بل لماذا ضُبِطَ العيدُ في تاريخ؟!. في يومٍ؟!... في ترتيباتٍ بشريّةٍ، في أيّامٍ وأرقامٍ؟!... لماذا يؤطِّرُ الإنسانُ نَفَسَ الألوهةِ ليقبِضَ على الرّوحِ الّذي يحملُ كلَّ إصباحٍ ومساءٍ وكلَّ الكلِّ في الكونِ ليجعلَهُ في صَغارِ أو صغيرِ فكرِهِ وإعلاناتِ النّاسِ الّذين يحيون على الرّبحِ والخسارةِ وسباقِ الشّهرةِ والقرارِ ليقفوا أمام مراياهم البشريّةِ ينظرون وجوهَ عبيدِهم وينتظرون ليقولوا لهم: نعم، نعم، يا سيّد كما أمرتني فعلتُ وسأفعلُ...

   "أنتم لستم عبيدًا "بعد"، بل أبناءَ الله تُدعون"...

   أهل فرضَ الإلهُ ناموسَ العبوديّةِ على أولادِهِ الّذين خلقَهم على صورتِهِ ومثالِهِ، أم بسطَ الحرّيةَ لينطلقوا إلى أقصى أقاصي الأرضِ، حاملين روحَهُ، كلمتَهُ، وجهَهُ، نُطْقَ صوتِهِ ليُصيِّروا العالمَ بروحِ اقتدارِ الرّبِّ، أزليًا لا يحدّدُ ولا يُضبطُ بأُطُرٍ، بل هو حركةُ روحٍ تتواجدُ، تنمو، وتتكاثرُ كرملِ البحرِ ليرى ويلمسَ الّذين أفرغوا ذواتِهم آخذين صورةَ عبيدِ الرّبِّ، المصلوبين على صليبِ حبِّهِ كلَّ هفّةِ نَفَسٍ من نفسِهِ فيهم، ويبقون معلّقين على وجهِ روحِهِ لتخفقَ أنفاسُهم، فيحيا القلبُ لا بحكمةِ هذا الدّهرِ، بل بنَفَسِ ولهبِ الحبِّ الإلهيِّ وقطراتِ دمائِهِ المنسكبةِ من الصّليبِ أمامَهم، في حشا قلبِهم ليحيوا ويُحيوا الكونَ باسمِهِ؟...

   ما الكونُ؟!... ما الخليقةُ؟!. ما نحن؟!...

   ما اسمُكَ؟!.

   لا تَحُدَّني باسمٍ، فأنا لا اسمَ لي!!!...

   وصارَ صمتٌ!!... تحفَّرَ بأوقاتِ الأزمنةِ الغابرةِ... بوهجِ الرّوحِ الّذي لا حدَّ له...

   وأعادَ الصّوتُ السّؤالَ...

   ما اسمُكَ؟!...

   إن كنتَ أنتَ خلقتَني... فأنتَ، تاليًا، سمَّيتَني... لأنّ اسمي منكَ... لستَ أنت اسمي الّذي سمَّيتَني به!...

   وتنزّلَ الصّمتُ!!!...

   اسمي أنتَ... من يناديني ولا أسمعُ؟!... من يدقُّ أبوابي ولا أفتحُ له، من يتوبُ ولا أنقشُ اسمَهُ تحتَ رمسِ وختمِ الصّليبِ الّذي أنت أولدْتَني عليه من بطنِ أمي... أنت زرعتَني في حشاه...

   مِن نُطْفَةِ الحبِّ الإلهيِّ... أنت كوَّنتَني وأعطيتَني اسمَكَ، فصار اسمي...

   وقلتَ لهم قبلي... اذهبوا وبشِّروا جميعَ الأممِ وعمِّدوهم باسمِ الآبِ والابنِ والرّوحِ القدس!!...

   فصرتُ أنا معموديَّتهم وصاروا هم مغطسَ التّجاربِ والمياهَ الّتي ألقَيتَني فيها لتحترقَ وتُطفأ خطاياي.

   من هؤلاء يا ربّي؟!... تاليًا من أنا؟!.

   اسمي مكتوبٌ على صحائفِ الأوراقِ الصّفرِ... كلُّها آكلَها الزّمانُ حسَّ معرفتِهِ... واسمُهُ أناي، وصرْنا كلُّنا نحن عيونًا لا تُطفأ... أصواتًا لا تَخْرسُ وقلوبًا تنزفُ كلَّ صبحٍ ومساءٍ وليلٍ دماءَ الإلهِ السّيّدِ على صليبِه، لنقفْ ونلمَّها حبيباتِ لؤلؤٍ أسودٍ من ندرةِ روحِ الألوهةِ...

   ما اسمُنا؟... يا سيّدي؟...

   توبوا إليّ، أتُبْ أنا عليكم يا شعبي...

   تعالوا إليّ يا جميعَ المتعبين والثّقيلي الأحمال...

   وأنا أريحُكم وحدي!!.

   يا إلهي... أراحةٌ في دنيا الأحياءِ هذه؟!...

   "أنتم لستم من هذا العالم!!"...

*  *  *  *  *  *  *

   "متى جاءً ابنُ البشرِ في مجدِهِ"...

   وهكذا، الآن يأتي ابنُ البشرِ، في مجدِهِ...

   ما مجدُ الرّبِّ ابنِ البشرِ؟!... صليبُ حبِّه الّذي افتدى وما زال يفتدي به المسكونةَ بحرقةِ حبِّهِ هذا... بمجدِ الألمِ يتفجّرُ الحبُّ والدّمعُ من مآقي ابنِ البشرِ باكيًا على شعبِهِ، على الّذين خلقَهم نافخًا فيهم روحَه القدّوسَ الّذي به يعرفُ العالمُ أنّ في عمقِ أعماقِ أنفسِهم يحيا المولودُ بروحِ الرّبِّ... أهذا يعني أنّ لا فرقَ بين العبدِ والحرِّ؟!. بين الرّجلِ والمرأة؟!. بين الّذين يعرفون والّذين لا يعرفون... بين السّجدِ تحت صليبِ يسوعَ مع أمِّه العذراءِ مريمَ والنّسوةِ الحاملاتِ الطّيبِ...

   أهؤلاء هم الّذين سيأتي بهم الملائكةُ ليقفوا فوقَ نهرِ النّارِ المتدفِّقِ من الجحيمِ الجالسِ فوقَهُ الرّبُّ يسوعُ... واقتربتِ الرّوحُ معتليةً خاصة الّذين أتى بهم خدّامُ الملكِ ليسجدوا للحملِ الذّبيحِ الّذي نزلَ عن صليبِ مجدِهِ ليدينَ العالمَ... المعترفين بخطاياهم...

   أمام ابنِ البشرِ ... اختلطتِ الرّؤية... وسُمعتْ أصواتٌ ولغاتٌ غريبةٌ لم ينطقْ بها الرّوحُ القدسُ...

   اليومَ وقبلَ الدّخولِ في صمتِ التّوقّعِ... هل أنا منتخبٌ، أو مختارٌ ليُقيمَني الرّبُّ عن يمينِهِ أم سيَحْسبَ عليَّ كلَّ هنةٍ لم أتُبْ عنها أو نسيتُ الاعترافَ بها، فيُدخلَني محرقةَ نارِ حبِّهِ ويغسلَني بلهيبِ الوَجْدِ بنارِ حبِّهِ الّذي صارَ مجرى دمائِهِ ودمِ كلِّ الّذين يبكون لأجلِهِ؟...

   أهل يستوي الّذين يعرفون والّذين لا يعترفون ليعرفوا؟!...

   أَسأل فقط، أهل تعرفُني يا سيّد؟!. يا إلهي ورحمتي؟!. واتركْ من أخطأَ واستكبرَ وادّعى ولم يُطعمِ الجائعين ولا سقى العطاشَ ولا فتحَ بابَ بيتِهِ ليأويَ فيه وإليه جيرانَهُ الّذين اضطهدَهم عدوُّ الخيرِ الرّابضِ على حفافي قرانا ومدنِنا وأرجائِنا... الّذين ذَبحوا الأرملةَ والفقيرَ وتركوا الأطفالَ يتامى من صدورِ أمّهاتِهم... وعراةً في جبالِ الصّقيعِ،مرضى مطروحين، محبوسين في جرائمَ ارتكبوها بلا وعيٍ ولا حسٍّ منهم.

   ويُطرحُ السّؤالُ يا سيّدُ، متى رأيناكَ غريبًا وجائعًا وعريانًا ومريضًا... ومتروكًا في حبسِ أبناءِ وعبّادِ بعلزبول... متى رأيناكَ يا ربّي هكذا؟!.

   كلُّ أولئكَ الّذين ووروا التّرابَ وهم أحياء...

   وبصدورِ الحكمِ التّوريةِ ذاك... نظرتُ فرأيتُ كلَّ الّذين وُضعوا عن يسارِ ابنِ البشرِ سجّدًا أمام عرشِ الملكِ... لم يُعلوا رؤوسَهم... كانوا يلحسون التّربةَ النّاريةَ... كانوا يشربون من لهبِ النّارِ فتحترقَ حلوقُهم، وتتطهّرَ أوساخُ قلوبِهم الّتي أخرجتْ كلماتِ الاتّهاماتِ والسّوقيّةِ والبشاعةِ الّتي أقاموها سلطانًا عليهم، فهتكوا حرماتِ النّاسِ وبُرْأتَهم ليُلبسوهم حلَلَ الكذبِ والافتراءاتِ لسحقِهم، ما مَلَكَتْ أيمانُهم من سلطةٍ كانوا بَراءً منها...

   نظرَ ابنُ البشرِ إليهم سجّدًا خافين وجوهَهم حتّى لا يتعرّفَ عليهم ابنُ البشرِ وصرخَ: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النّارِ الأبديّة المعدّةِ لإبليسَ وملائكتِهِ... لأنّي جعتُ فلم تطعموني وعطشتُ فلم تسقوني ومريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني"...

   هكذا... عند طلوعِ الشّمسِ في الأفقِ يقفُ الدّيّانُ في ملكِه ويجازي الّذين أحبّوه وخدموه واحتضنوه في كلّ فقيرٍ ومحتاجٍ، و ... "لا لنا يا الله... لا لنا... بل لاسمِكَ أعطِ المجدَ"...

   فلنسجدْ عندَ قدمَي يسوعَ، لنحيا معه وبه دينونةَ الصّليبِ الآتيةَ علينا...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

19 شباط 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share