قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الرّابع
من الصّوم الكبير.
شيطان الإفناءِ والبشارة!!...

   تقاربتِ الأحداثُ وتضافرتْ قوى الشّرّيرِ لدحض فاعليّةِ الشّفاءِ الّذي ما زالَ يعملُ في تحقيقِه يسوعُ، في كلِّ قريةٍ كان يمرُّ بها...

   "أبي يعمل حتى الآن  وأنا  أعمل" (يو ٥: ١٧)

   واليومَ يأتي والدُ البشريّةِ السّاقطةِ ملتاعًا، مهزومًا في حشا قلبِهِ، ليسجدَ صارخًا بحرقةٍ... "يا معلّمُ... قد أتَيْتُكَ بابني به روحٌ أبكم"...

   كان، بل سيبقى روحُ البكمِ المسيطرُ على الإنسانيّةِ، أقسى الأرواحِ الشّيطانيّةِ الّتي تدخلُ البشريّةَ العاقلةَ الّتي ما زالتْ تتخبّطُ مصروعةً من تغلغلِ القوى الخبيثةِ المدمّرةِ فيها، وفي قلبِ كلِّ مولودٍ في هذا العالمِ...

   "من الأعماقِ صرختُ إليكَ يا الله فاستمعْ صوتَ تضرُّعي"... والصّرخةُ المحييةُ لمرضِ الابنِ وصَرَعِه، هي أنَّ أباه كان قد أولدَهُ من لحمِ قلبِهِ، من شغافِ حبِّه، من حركةِ روحِ الحياةِ الإلهيّةِ الّتي زرعَها الإلهُ في الإنسانِ يومَ مولدِه...

   الخطيئةُ الصّامتةُ الخرساءُ، إذ ارتعتْ في حشا الابنِ، جرّتْهُ إلى العذابِ الأبديِّ الّذي أسكنَ الله الإنسانَ فيه، إذ أنكرَهُ ونفاه من ديمومةِ الحياةِ، في أبديّةِ البقاءِ...

   قمّةُ الخبثِ والاهتراءِ يكمنان في التزامِ الإنسانِ الحضورَ الشّيطانيِّ المدمِّرَ فيه...

   هكذا تلقّفَ يسوعُ "الابنُ" – ابنَ البشريّةِ المدمَّرَ بالجنونِ من أبيه... بل من عدمِ استحقاقِ التّلاميذِ المجيدين أن يشفوه، لأنّ قلوبَهم كانت منقسمةً في حبِّها لذاتها وحبِّها للسّيِدِ المعلِّمِ الّذي إذ سأله تلاميذُه على حدةٍ... "لماذا لم نستطعْ نحن أن نخرجَهُ؟!"... فقال لهم: "إنّ هذا الجنسَ لا يمكن أن يخرجَ بشيءِ إلاَّ بالصّلاةِ والصّوم"...

   هذا هو الوجهُ الثّاني، بل هذا قفا الميداليّةِ الّتي أسكنَها يسوعُ تلاميذَه... "صوموا وصلّوا حتّى لا تدخلوا في تجربة"...

   ونسألُ: "أيّةُ تجربةٍ هي الأقسى؟!... الموتُ الفجائيّ... أم عيشُ هذا العذابِ المدمِّرِ لكلِّ قوى الإنسانِ الإيجابيّةِ الفاعلةِ في حياتِهِ؟!"...

   هذا هو إتمامُ الوعدِ الّذي ملأَ سماءَ السّمواتِ والأرضَ الّتي منحَها الإلهُ هديةً للإنسانِ بعد سقوطِهِ من فردوسِ مُلْكِ الملكِ بعد أن حنثَتْ كلُّ البشريّةِ بوعدِها الصّامتِ للإله، أنّها ستبذلُ ذاتَها له، كما بذلَ هو روحَهُ فيها، لتسكنَ فيه متملّئةً منه... في رفقتِهِ... في السّكنى معه وله بوداعتِهِ...

   آدمُ وحوّاءُ وُلدا من روحِ الإلهِ الآبِ بالرّوحِ المبثوثِ فيهما على صورةِ الابنِ، حتّى حين فتحا أعينُهما على وجودِهما معًا في الفردوسِ، قالا، سريًّا، أحدَهما للآخر: "نحن من نَفَسِ الله الّذي أولدَنا وزرعَنا في ملكِهِ!!". وإذ وعى عقلُهما هذا الواقعَ الحقيقةَ، عاشا في أرضِ الإلهِ وأرضِهما، في فردوسِ الخالقِ الّذي قدّمَهُ لهما هديةَ عرسِهما الرّوحيِّ الكياني معه...

   لم يكلّمْهما واعدًا... بل إيّاهما ابتغى وجودًا، عاشاه دون معرفتِهما أنّهما ذريّةُ الله الآب في تمامِ كمالِ الحياةِ معه... في ملئِهِ، في ملكِهِ... لم يقلْ لهما شيئًا، ولم يسائلاه هما... كانا منه... يعرفان كلَّ أسرارِ الحياةِ الّتي فيه ومنه لهما إذ كانا في الكونِ الفردوسيِّ الإلهيِّ الّذي فتحا أعينُهما عليه... وحين وعيا أين هما، لم يصبْهما الدّهشُ، لأنّ روحَ المعرفةِ الإلهيّةِ كان يسكنُ في كيانِهما وكأنَّ الإلهَ أوجدَهما من ذاتِهِ، فهما يعرفان كلَّ شيءٍ... لا يسائلان... لا يطلبان... لم يحاورا الإلهَ... لأنّه هو كان معرفتَهما... هو كان سرَّهما المكشوفَ لهما... كانا يحييان الألوهةَ فيهما ويتصرّفان من دون نطقٍ، من دون اعتراضٍ، من دون أسئلةٍ... كانا في وجودِهما الفردوسيِّ، جزءًا منه... وإذ كان الفردوسُ مُلكَ الله وحياتُهُ فيه، بلا حدٍّ في المكانِ والزّمانِ ولا محدوديّةٍ في قلبَيهما، تاليًا، لم يسائلا الإلهَ أيَّ سؤالٍ... كانا، يعرفان كلَّ شيءٍ، ويدركان كلَّ شيءٍ، ولا يطلبان شيئًا... كان الله هو كلَّ الكلِّ، وهما في تلك الكليّةِ يعيشان...

   كان الله الإلهُ وحدَه مالئًا الكلَّ لهما، وفي كليّةِ الكلِّ، كانا هما من ملءِ ذاك الكلِّ الملءِ الإلهيِّ، من المملوئيّةِ الكليّةِ والملءِ الإلهيِّ...

   كانا من الإلهِ، كآلهةٍ لا فعلَ لهما، لأنّهما لا يحتاجان إلى أكثر... هما فيه ومنه يحييان... خلقَهما صنوًا له... وكما أوجدَ الرّبُّ الإلهُ الآبُ آدمَ... أوجدَ حوّاءَ من ملئِه هو أيضًا كما آدمَ... فصارا زوجَين في فردوسِ الإلهِ... ليس آدمُ بذاتِهِ يحيا ولا حوّاءُ تاليًا... بل من ملءِ الإلهِ الآبِ، بالنّعمةِ... من ذاتِه أولدَ آدمَ وحوّاءَ... كيانَين من كيانِ الإلهِ الخالقِ على صورةِ الثّالوثِ...

*  *  *  *  *  *  *

   اليومَ يقفُ أمامَنا الأبُ والابنُ الحاملُ الشّيطانَ عينَهُ الّذي سكنَه ليحطُمَ أساسَ البيتِ الإلهيِّ فيه، في ذريّتِهِ الّتي تاهتْ في صحاري هذا العمرِ فسقطتْ في جبِّ الجحيمِ السّفليّ... وإذ نزلَ الرّبُّ الإلهُ ومشى في أرضِه ليخلِّصَها من سيطرةِ الغريبِ القهّارِ لها، أتى هذا الموضعَ كآخرِ شفاءٍ قبلَ دخولِهِ أورشليمَ ليُصلَبَ عن أحبّائِهِ لخلاصِهم... عن البشريّةِ لقيامِها...

   كلُّ شفاءاتِ يسوعَ الّتي سُجِّلَتْ في الأناجيلِ، تناولتْ شفاءَ الجسدِ والنّفسِ والخطايا والتّخلعِ والعمى والبرصِ وما إلى ذلك... أمّا الآن فنحن في الأحدِ الّذي يسبقُ أحدَ توبةِ "مريمَ المصريّةَ" العظيم، نقفَ ونسائلَ أنفسَنا إذا حرّكْنا قلبَ الإلهِ في قلبِنا، حين يأتينا ليسكنَ فينا...

   أنقولُ له: هي المرأةُ الفاجرةُ، حوّاءُ الأولى الّتي أسقطتْ آدمَ إذ جرّتْهُ إلى نفيِ الرّوحِ المعزّي من قلبِها وقلبِهِ، وقلبي أنا، أيضًا، فسقطنا، تاليًا، في فخِّ إشباعِ الجسدِ وإماتةِ الرّوحِ؟!...

   اليومَ يُخرِسُ يسوعُ الرّوحَ الشّيطانيَ الأبكمَ الّذي يختبئُ في ابنِ الأبِ منذ صباه ليُجرجرَهُ، مُحرقًا قلبَ الأبِ لرميِهِ وابنِه في جحيمِ اليأس، لتركِ يسوعَ والبحثِ عن الشّفاءِ بالسّحرة...

   اليومَ تأخّرَ يسوعُ في الوصولِ إلى الأبِ والابنِ، ليتلقّفَهما حاملاً ذريّةَ الوالدِ، إلى الشّفاءِ، باقتلاعِ روحِ المعاند، ورميِهِ في المكانِ الّذي هو اختارَه للسُّكنى فيه وجرِّ البشريّةِ إليه... وصارَ كلَّما أدخلَ مأفونًا إلى حضنِهِ تهلّلَ وكان ذاك هو العيدَ له...

   منتهى الوداعةِ الحبُّ... والحبُّ هو حياةُ الآبِ في الابنِ بالرّوحِ القدسِ لبنيانِ فردوسِ الإنسانِ السّاقِطِ، بالتّوبةِ والدّموعِ والتّرجّي "والنّعمِ"، الّتي لم يقلْها الإنسانُ للإله، بل قالَها للحياةِ الّتي ابتزّها الشّيطانُ، لأنّها ستأتيه بكلِّ أهلِ الأرضِ حتّى يسجدوا "لبعلزبول"، فتبدأَ قصةٌ جديدةٌ لم يعِها الشّيطانُ ولا زبانيّتُه، بل بقيتْ في سرِّ قلبِ الإلهِ الّذي افتداها بجسدِهِ ودمِهِ وألوهتِهِ على الصّليبِ...

   اليومَ... اليومَ يسقطُ الشّيطانُ عن كرسيِّ عرشِهِ إذ يسمعُ دويَّ رعدٍ وارتجاجٍ في جوانبِ المسكونةِ كلِّها...

   اليومَ تلتمعُ بروقُ الأنوارِ السّماويّةِ في الكونِ إذ ينزلُ رئيسُ ملائكةِ العليِّ جبرائيلُ، إلى أرضِ اليهوديّةِ، إلى بيتِ مريم... كانت العذراءُ تعملُ فالتمعَتِ أرجاءُ المكانِ كلُّها بالنّورِ الإلهيِّ... "يا مريمُ لا تخافي لأنّكِ وجدْتِ نعمةً عند الله... الرّوحُ القدس يحلُّ عليكِ وقوّةُ العليِّ تظلِّلُكِ فلذلك أيضًا القدّوسُ المولودُ منكِ يُدعى ابنَ الله" (لو ١: ٣٠-٣٥).

   هذا كان وعدَ الله الآبِ لذريّتِهِ حتّى تسقطَ القشورُ من عينَي الإنسانيّةِ لترى النّورَ الإلهيَّ متنزَّلاً على مريمَ أمِّ الإلهِ، فيهرعَ الكلُّ خارّين سُجَّدًا وقائلين: نعم يا ربّي أنا أؤمنُ، فأعنْ عدمَ إيماني... آمين...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

26 أذار 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share