ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد العاشر بعد العنصرة
قيامَةُ أمّ الكونِ برُقادِها!!...

    اليومَ تَتمدَّدُ على مَحْمِلِ الحبِّ والدّموعِ، المرأةُ الأمُّ. وعدُ البتوليّةِ والسّماعِ، الّتي مدَّتْ بابنِها أطرافَ الأرضِ لتطالَ السّمواتِ!!.

    اليومَ تُسجّى الّتي سَجّتْ حشاها، لخالقِها وربِّها في أحضانِها، نائحةً وضاربةً عُقْمَ نَوْحِ  الإنسانيّةِ وصراخِها!!. أعطيها يا مريمُ حنانَكِ... أرجعيها إلى حشاكِ... لِتَحْياكِ...

    اليومَ عروسُ الوعدِ الإلهيِّ تستكينُ مُسْلِمةً جسدَها، ونفسَها، والرّوحَ، لِحسِّ يقينِها أنّ الّذي وُلدَ من كيانِها، ها هو آتيها ليَحْمِلَها إلى سماءِ السَّمواتِ لتبقى معه، أمَّهُ، عروسَ الوعدِ، عن البشريّةِ الّتي صلبَتْهُ، لأنّها لم تعرفْهُ!!... بل أنكرته صالبةً إيّاه... إلهها...

     اليومَ، يهرَعُ كلُّ تلامذةِ الابنِ المسيحِ، كَلِمَةِ الآبِ، مَجوسًا، حاملينَ خطاياهم... ذبيحةً، وهدايا تُقدَّمُ لمريمَ بعدَ صَلْبِ الإلهِ!!.لتشفِيَنا وكونَنا برقادِها وانتقالِها للجلوس عن يمينِ ابنِها، ربِّها وإلهِنا، إلهِهَا...

    اليومَ،المرُّ صار لُبانًا واللّبانُ ذهبًا مُسيلاً دمَ الإلهِ الذّبيحِ المشبوحِ على الصّليبِ، ليخلِّصَ كلَّ الّذينَ أَماتَتْهم لدغةُ الحيّةِ، ليصيرَ سُمُّ الحياةِ موتًا للحياةِ المائتةِ وقيامةً لموتِ الإلهِ ولمريمَ ولكلِّ الّذينَ عُلِّقوا على الوَعْدِ الإلهيِّ!!... وعدِ الحبِّ أَنَّهم سيخلُصون!!.

      اليومَ، يحيا الحبُّ بموتِ المسيحِ الابنِ، وموتِ مريمَ عروسِ الوعدِ!!.

      اليومَ يتوقّفُ نبضُ قلبِ الكونِ لرقادِ أمِّهِ!!...

    اليومَ بكَ يا إِلَهنا، وبشفاعاتِ أمِّكَ، نَقْرُبُ السّرَّ العجبَ: أَحبّوني كما أنا أَحْبَبْتُكُم!!... وتصرخُ حرقةُ التّسآلِ: كيف نُحبُّ نحن الموتى في أجسادِ قلوبِنا؟!... كيف نحبُّ ونحن نحيا أنانا...وما زلنا نُقاضي، ونُحاسبُ وننتظرُ حقَّنا، رِفْعَتَنا والمُلْكَ  الّذي لك... والسّلطةَ والغنى، غيرَ عابئين بموتِ الفقيرِ تحتَ نوافذِ قصورِنا، بيوتنا وأَديارِنا؟!.

    اليومَ، عَلَّقَتِ العيونُ بَصَرَها على جسدِ أمِّ الإلهِ والكونِ المستكينِ المسجّى بها والتّسآلِ.!!. أَتموت الأمُّ يا ربَّنا؟!... أمُّكَ وأُمُّنا؟!.

    اليومَ اختنق الصّوتُ في حلوقِ الأطفالِ الّذين لا وقتَ لهم لرضاعةِ صدورِ أُمّهاتِهم، حياةَ حبٍّ...

    اليومَ الشّرُّ صرخَ: أين هي الّتي تخضّبتِ الأرضُ بدماءِ وحيدِها؟!... تعالَوْا نُفتِّتُ كيانَها، ليموتَ الإلهُ فيها!! ومعها!!...فنعودَ نحن لنأكلَ من ثمارِ الفردوسِ موتَ الحياةْ!!...

    اليومَ... تقتبلُ التربةُ جسدَ أُمِّ الحياةِ... لتصيرَ التّربةُ سماءً وطيبًا، مخصبةً بها زرع الحياة البكر...

   اليوم كلُّ ودبّاباتِ الأرضِ وحيواناتها، وكلُّ الطّيورِ تَزْعَقُ نائحةً!!. أين هي الأمُّ؟! أمُّ الحياةِ؟!... أينَ أمُّنا؟!... الطّيورُ ويمامُ البرّيةِ تطيرُ لتجلبَ لها الأوراقَ الخضرَ هديّتها لها...ألحانها بها...

    بشائرُ الغمامِ تندّي الأرضَ والسّحبُ تحمِلُ الرُّسلَ!!. كان عليهم أن يتطايروا ليصلوا إليها ويركعوا سجّدًا لجسدِها صارخين: يا والدةَ الحياةِ... يا أمَّنا... لا تتركينا!!...

    وجعُ عمرِنا... نَزْفُ قلوبِنا، ما زالَ يشدُّنا إليكِ!!. إلى خلاصِنا بيسوعَ،بابنِكِ... وها أنتِ ترقُدينَ ممدَّدةً لا حياةَ فيكِ من إلهِكِ وسيِّدِكِ... ونحنُ نرفعُ الأيديَ إلى جسدِكِ الطّاهرِ!!. نستصرخُكِ!!... قومي... قومي إلينا يا أُمَّنا!!...أعيدي حياتَنا الّتي منكِ إلينا...

    كلُّنا صِرْنا هُزْءًا لمالكينا!!... لأهوائِنا الّتي قتلتْنا!!...

    جرّرَتْنا مثلَ كلابِ الصّيدِ طرائدَ وراءَها... تلحسُ بنا التّربةَ والدّمَ، حتّى صار الخوفُ يشمَلُنا ويشلُّنا!!.

      قَّرَتْنا الحياةُ فبتْنا لا وجهَ لنا!!... شوّهَتْنا نزعاتُنا قبل الموتِ للموتِ، ولهيبُ الفحشاءِ في وجدانِنا يلاحقُنا!!. صِرْنا كالغمامِ الّذي لا يحمِلُ وَعْدَ المطرِ!!...تَصَحَّرَتْ حلُوقنا... عَطِشْنا... تشقّقَتْ شفاهُنا... صرنا نلحَسُ دماءَنا... نغتذي بها... 

     محلنا!!... كلُّنا محلنا!!... أتعرفين يا والدةَ الإلهِ؟؟... الشّياطينُ تقاتِلُنا ولا خلاصَ لنا من فحشائِها... تجرُّنا وراءها مثلَ العرباتِ الّتي تحمِلُ جُثثَ موتِ الأجسادِ المبقورةِ بطونُها... المفقوءةِ أعينُها... صرِْنا عُميًا لا نرى... خُرْسًا لا نَنْطِقُ!!...

    بُحَّتْ حلوقُنا، والّذين يسمعونَ صوتَنا لا يصدِّقون وعدَنا...لهم!!. فَقَدْنا مِصْدَاقِيَّتَنا!!.

    خَسِرْنا جعالتَنا!!. خسرْنا وَجْدَنا!!. خسرْنا حُبَّنا!!... خسرْنا عُمْرَنا!!.

    اليومَ نسمعُ صوتَ صمتِ الألوهةِ الكلمةِ... صَمَتَ صوتُ الإلهِ... صَمتَ الحياةِ!!.

    أليومَ يومُ القيامةِ؟!... قيامةِ أمّهاتِ الكونِ والحياةِ بمريمَ أمِّ الخالقِ!!...الصّاعدةِ إلى ابنِها!...

    في غفلةِ القيامتَينِ تلكَ!!. قيامةِ الرّبِّ الإلهِ يسوعَ المسيحِ... وحضورِهِ فوقَ جسدِ أمِّهِ ليقيمَ روحَها إليهِ بيدَيْهِ، تكمُنُ الحياةُ!!.

    اليومَ يغارُ الموتُ فيتفجَّرُ ليقتلَ الحياةَ بقتلِهِ كلَّ من يتنفَّسُ ويوجدُ، ليكونَ سِرًّا من السّرِّ ولا يكونُ!!.لا للكونِ ولا للقدّيسينِ ولا للشّياطينِ...

    وسمِعْنا، سَمِعْنا صوتَ العذراءِ مريمَ أُمِّنا...

    السّرُّ هو الحبُّ... وجالِبُ الحياةِ هو الإِلهُ الّذي ماتَ طوعًا على الصّليب ليقومَ إلى الحياةِ الأبديّةِ، لا هو فقط، بل كلُّ الّذين وُلدوا منهُ، ولهُ، على اسمِهِ!!.

    يا مريمُ... يا حافظةَ الكونِ...يا والدةَ الإلهِ، يا أُمَّنا!!.

    أنتِ لم تَعْرِفي الخطيئةَ!!... فكيفَ تبكينَ ذُلَّنا مَعنا؟!. كيف تموتين عنّا، وابنُكِ يرفعُكِ من بينِنا... ألا يتركُكِ لنا، ذخرًا لحياتنا؟!...

*  *  *  *  *  *  *

   في غفلةٍ، في طَرْفةِ عينٍ... فَرِغَ القبرُ... وفي بؤبؤِ عينِ الغفلةِ، وقفَ الابنُ الإلهُ فوقَ جسدِ أمِّهِ، وأمِّ الكونِ عروسِ الآبِ، حامِلَها إلى السّمواتِ، إلى حيثُ كانت في قصدِ اللهِ الآبِ منذ البداءةِ لتحتَضِنَنا بنعمةِ الرّوحِ القدسِ، فتلدَ الإلهَ الابنَ متجسِّدًا منها، وتقدّمَهُ للكونِ، هديّة خلاصنا...

       يا مريم حشاكِ البكرُ أولدَ ابنَكِ... ربَّكِ... خالِقَنا: وَوَلَدَنا بغفرانِ حبِّهِ لنا!!!...

       من يحملُ سرَّ الأسرارِ هذا؟!. من يفقهُ اللاّمدرَكَ؟!...

       لا جوابْ!!... الحرفُ لا يحملُ روحَ الحياةِ البِكْرِ... حقيقةَ روحِ الأُلوهةِ!!. فأين الجوابُ؟!. بالكلمةِ المنطوقةِ على صليبِ حبِّ الآخرِ... كان من يكون!!. وبجوابك :" هأنذا أمةٌ للرّب، ليكن لي بحسب قولك".

    سيّدي... يا إلهي وربَّ الكونِ!!.

       ابني يُعذَّبُ منَ الشّيطانِ... ارحمْهُ يا ربُّ... ارحمْ ولدي!!...

    وارحمْ أمتَكَ آبنتي... اشْفِها برقادِ أمِّكَ...

       إلى متى يا سيّدُ؟!... إلى متى تصرفُ وجهَكَ عنّا؟...

       حَقُّكَ ليسَ منّا ولا عليْنا أن نردَّهُ لكَ!!...

       أنتَ أحببْتَنا... أحبَبْتَنا إلى المنتهى!!.

       أَمِتْ قاتلَكَ، عدوَّنا!!. مرَّةً وإلى الأبدِ، نحنُ نصرخُ وجهَكَ فتعالَ تَمَنْطَقْنا!!. وإذ يأتينا روحُكَ، ربَّنا... إذْ تَسْكُنُنا بروحِكَ القدّوسِ، يهربُ عدوُّكَ وعدوُّنا المتسلِّطُ علينا لضعفِنا، يهربُ من أرجائِكَ، منّا... من قلوبِنا... من عقولِنا... من نفوسِنا... من مقاصدِنا!!... يهربُ... أوّاهُ يا ربّي... أوّاهُ!!. ليتَهُ يرحلُ عنّا... منّا إلى الأبد...

       وصرخْتَ بنا إذ سمعتنا !! بِخَوَرِنا!!.. زلزلَ صوتُكَ أبعادَ كياناتِنا...

   

لا...لا تخـــــافــــــوا!!... أنـــــا قـــــد غـــلبْـــتُ الـــعـــالــَــمَ!.

          أين الغلبةُ يا إلهَنا؟!... كيف تفتَّقَتِ الحياةُ في سرِّ الألم والحرقات والموت؟ !...       

         أين الغلبةُ منّا، أبعفونةِ أَجسادِنا الحاملةِ الرّوحَ القدسَ،  الزّارعة أرجاءَنا؟.

       هذا الدّودُ الّذي يُسقِطُ عروشَ الملوكِ والرّئاسات بالأمراضِ... والخورِ، والوهنِ، فيلتزمون الحقيقةَ الكذوبَ ليرفعوها أمامَ عيونِنا!!...وما زلنا! نصَدِّقّهُمْ...

       ألا تُنهي يا ربِّ مسيرةَ كذبِ الخطيئةِ هذه والشّرِّ المُؤطِّرِنا!!... الماحقِ حقيقةَ كلمتِكَ منّا، لنا... وفينا... إلى متى يا ربّي... إلى من نذهب؟!... كلمة الحياة الأبديّة عندَكَ.

       كما خلَّصْتَ ابنَ الأبِ الآتي إليكَ اليومَ من الشّيطانِ، خلِّصْنا!!.

       بُحَّتْ حلوقُنا يا سيِّدنا من نوحِ قلوبِنا... من وعيِنا أنّنا نستصرخُكَ الرّحمةَ ولا تُجيبُنا... أَجِبْنا!!. سيّدي... يا ربَّنا... يا أَبانا...يا إلهنا... يا!!...

       أَحْبِبْنا، فأجِبْنا يا إلهنا... يا مسيحَنا... عُدْ إلينا!!. اسْكُنْ بيوتَ قلوبِنا... جدِّدْ وعدَنا لكَ... ووعدك لنا...

      نحنُ لكَ لأنّنا مِنْكَ وُلِدْنا، وكلُّ المقهورين بالحبِّ... بصدقِ أَوصالِنا ونوايانا...

       أننامُ يا مسيحَنا على مَحمِلِ مريمَ، أمِّنا... أتأخذُنا معها إليكَ؟!.

       وعدُ الحبِّ لكَ يُتمَّمُ بالموتِ عن كذبِ الشّيطانِ، أنّنا لسنا لكَ!!...

       نحن لك... ها قد سكَّتْنا الرّوحَ الأبكمَ الأصمَّ... خَرِسْنا عن تمتمةِ سرِّنا...!!...

       سِرُّنا حبُّكَ يا سيّدُ، وحبُّنا بأمِّكَ لَكَ!!.

       حين تَسْكُنُنا أمُّنا مريمُ، نصيرُ بلا غشٍّ ولا زيغٍ لكَ!!...

       أحين ذاك تَصيرُنا... تُصَيِّرُنا أنتَ أبناءَ الحبِّ، منكَ... ولكَ...

       تصيِّرُنا ونصيرُكَ وأمَّكَ في وحدةِ وكينونةِ الرّوحِ المعزّي...

       نصيرُ كونَكَ... حياتَكَ... بِرَّكَ... لأنّكَ أنتَ أنتَ إيّانا!!...

       فلا كَذِبُ الشّيطانِ يدنِّسُ دموعَ توقِنا ووجْدِنا إليكَ... ولا  ضُعْفُنا!!.

       اليوم تكتبُ اسمَكَ على جباهِنا... ها ختمُكَ يحفظُنا... لا ختمُ الشّرّيرِ...

       فيشعُّ النّورُ فينا ومنّا لكونِكَ... ترانا أمُّك أنّنا منكَ ولكَ...

     تصيرُنا ونصيرُكَ واحدًا وأمَّكَ ومَن صرخوا حبَّكَ قبلَنا والّذين أولدناهم منكَ بكَ... وتابعينا...

       هذه غلبتُكَ في العالمِ... يا إلَهنا... موتُنا على صليبِكَ في حضنِ أمِّكَ!!.

       هذه هديّتُكَ لنا... وانتظارُنا لكَ...ها أنتَ اليوم تقبلُنا بالألمِ والتّوبةِ...

        تَوِّبْنا بآمينِكَ... إليكَ وأمَّكَ الصّاعدةَ إليكَ على ذراعيكَ... وخُذْنا...خذنا إليك....

   

آمين... ثمّ آمين... ثمّ آمين...



الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

13 أب 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share