كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثاني بعد العنصرة
تناديني فأَسمَعُكَ
أُناديكَ فتحضُرُني...

"هذا هو اليوم الّذي صنعه الرّب... فلنفرح ولنتهلّل به"...


    إِسمُ هذا اليوم المنصوص أَمامنا من الرّسول متّى، ينادينا أَن نستغرق في الصّلاة ما دمنا نعمل... أيُّ عملٍ  يمنع الإنسان عن ذكر الإِسم الكريم- إسم يسوع- ما دام الإنسان واعيًا، أنّه ينادي الرّب ليطلب منه العفوَ والغفران؟!...

    يسوع ينادي أينما كان، ويصطاد المؤمنين أينما كانوا، وكلَّ من يريدهم تلامذةً له... والإِنسان متى سمع الصّوتَ، يجيب: "هأنذا يا ربّي عبدك"...

    يسمع اسمه فيرفع الرّأس عن عمل يديه وينظر... من هذا الّذي يناديني؟!... مَن يعرفني في هذه الأرض الغريبة الّتي أنا أَسكنها؟!...

    ويبقى التسآل، منذ بدء الأزمنة وإلى اليوم: أين يسكن الرّب وانا أنتظر سماع صوته يناديني، وإِذ أسمع صوته أقف مشرئبًّا، كالغزال، وناظرًا حولي... مَن هذا الآتيني في أَرضي هذه الغريبة؟!... يناديني فأَسمَعَه ثمَّ أجيبُه:" نعم أنا هو الّذي أنتَ تناديه يا ربّي... تكلّم يا ربّي... فأنا أسمعك... أنتظرك منذ بدءِ وجودي"...

    الإِله الإنسان يسوع ينادي في تجوالِهِ من كان قد اختاره منذ بدء الأزمنة... والإِنسانُ منذ ذلك الوقت، من أوّلِ  التّاريخ "ينتظر"!!. ماذا ينتظر الإنسان؟!. وما كانت فعاليّة الانتظار ذاك؟!. أن يلتقي إِلهه الّذي تُخبرُه عنه حَكايا جدَّته وأبوَيه وكلّ الّذين ربَّوه ليتعرّف عليهم في يسوع... من يسوع؟!...

    ويبقى الإِنسان رهينة الإنتظار ما دام ربُّه لم ينقر باب قلبه بعد....

    وتمرُّ الأَيّام وكلُّ فردٍ رُبّي على الانتظار ليلقى إِلهه وجهًا لوجه عندما يسمع الصّوت يناديه، فيجيب دون أَن يعرف مَنْ الطّارق الدّاعي..." تكلّم يا ربّي إِنّي أَنا عبدك أَسمعُكَ، أنتظرُكَ، لكنّي لم أرَكَ بعد"... فيجيبُ الصّوتُ ...

    أنتَ، يا من أنتَ منّي... تعالَ إليَّ، فأضمّكَ إلى قطيعي الّذي يرعى في مُلكِ أَبي... مُلكُ أَبي مُلكي... فإذا أتيتني، أفتح ذراع قلبي إليكْ... أنظرُكَ في بؤبؤ عيني فتعرفني... أمشي أمامك لأُدخلك من الباب الملوكيّ فترعى أغنامي وترعى بي إذ تسمع كلمتي... الّتي هي مأكل نورٍ ومشرب حبٍّ لكَ ولي ولجميع الآتين لإتمام الموعِد الوعد منذ بدء الخليقة!!.

    صرتَ تعرفني يا إنسان... يا بنيَّ... لأنّكَ أَحببتني أكثر من جميع أهلك وخلاّنك وصحبك...

    وكان اليوم الموعِدَ الوعد، إِذ كان يسوع ماشيًا على شاطىء بحر الجليل، رأى أخوين (لكن لم يكن ذلك صدفة)... بل مرَّ الرّبُ يسوع وهو يتمشّى على شاطىء بحر الجليل ليلتقي "بطرس وأندراوس" وهما يلقيان الشّبكة في البحر...

    ناداهما... أخرجهما من التّمسّك بالبحر... أطلعهما كليهما من الانغماس في الإبحار يوميًّا ليلتقيا البحر والسّمك والسّوق الّذي ينتظرانه ليبيعا محصول نهاراتهم ليأكلوا الخبز مع أهلهم...

    وكانت الدّعوة "مغرية"... " هلمّ ورائي فأجعلكما صيادَي الناس"... فللوقت تركا الشّباك وتبعاه... تركا الشّباك البحريّة إِذ سمعا صوت يسوع مُوقِنَين أنّهما سيحصلان على صيد أَثمن وأَربحَ في العالم بين النّاس... هكذا سمعوا المعلّم فشدّهم صوته... هكذا عرفوا... فانجذبوا إليه...أطاعوه... مشوا وراءه...

    اليوم وبعد عيد العنصرة وأحد جميع القدّيسين... تنقلنا الكنيسة بوضع الإنجيل هذا ترتيبًا، كما ورد، لإِيصالنا بأخذ القرار وأن نترك اهتماماتنا الدنيوية، لأنّ الرّب اختارنا لصيدٍ أدقَّ وأثمن وأشمل وأكثر روحانيّة بما لا يقاس... يصيّرنا أبواقَه المبشِّرة باسمه لخلاص جميع الّذين حوله، معه و الّذين يتبعونه...

    الرّب يسوع الإله الملك، خالق السّموات والأرض وكلِّ ما فيها، ينادينا كي نأتيه إِذ أتانا هو بدءًا مطيعًا نداء، بل كلمة الآب: انزل وتجسَّد في هيأَة الإنسان الّذي أنا خلقته كي لا يخافوك، أَنّك غريب الجنس وهم، تاليًا، يخافون الغرباء، لأنّهم لا يتكلّمون لغتهم، ولا هيئته مثل هيئاتهم ولا هذا الصّوت إِلاّ ليناديهم:

    "تعالَوا يا مباركي أبي رثوا المُلك المعدَّ لكم... لأنّكم جعتم فأطعمتكم... عطشتم فسقيتكم... تخلّعتم فشدّدتُ ركبكم... وبعد لأيٍ كبير أحسستم بي...انتظرتم أوقات ومواعيد خلاصكم فحرّرَتُكم من عبوديّة الغرباء الّذين تمادوا في عبادة فكرهم، وفي كلِّ من طرق أَبوابهم ليبيت عندهم ومعهم في أسِرَّتهم...

    قوموا!!... "هلمَّ ورائي فأَجعلكما صيّادَي النّاس"!!...

    وأجاب الشّعب بالنّظر واحدهم إلى الآخر... من هو هذا المنادينا؟!... من اين أتانا ونحن ننتظر الإله؟!... القدّوس وحده ... مَنْ هذا؟!... ما هذا الّذي غيّرنا؟!...

    نحن لا نريد هيأةً مثل هيأتنا تأتينا لتعلِّمنا النّاموس والأنبياء... شعبنا شعب أنبياء ورسلٍ وكهنة،وهم خاطبونا ليعلّمونا.... سمعناهم ونُطْقِ صمتهم في بروق الّليل الأكلح ليدلّونا على الطّريق... وعرفنا أنَّه علينا أَن نسمع، أَن نُصغي، أن نرمي وراءنا أحمالنا لتخُفَّ الموازين فنركب جِمالنا في صحاري الجبال والوديان والبحار... نمضي... إلى بلدانٍ غريبة نُسائلُ شعوب الأرضِ الّتي نمرُّ بها... أين الطّريق المودينا إلى مُلْكِ سيّدنا، ربِّنا وإلهنا؟!... فنسمع كلّما عبرنا مفازات الأَرض... من أنتم؟!...من أين تأتون كأن لا تاريخ ولا تراث ولا ماضي الحاضر فيكم؟!!...

    وتوقّف الرّكبُ..." بيتي بيت صلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص"!!!

    ويلي... ويلنا... من يصرخ هذا الصّوت؟!. من يقاضينا؟!.... من يقاضينا؟!.... نحن شعبٌ عرف الأُلوهة، وإذ قاضانا الإله، ربّنا،  تعجّبنا... أَهَل أخطأنا أكثر من جميع أَهل الأَرض؟!... "لا لنا يا الله... لا لنا... بل لاسمك أعطِ المجد!!"..

    لا تحاسبنا... لا تجازينا... بل هلمَّ واسكن... فينا، فنتطهَّر...

    نحن، اليوم، واقفون أمامك لترانا... "من ينظر وجهي تعمى عيناه من نور طلّتي"...

    لماذا إذًا؟!... لماذا تجازينا؟!. من لنا...؟! أليس لنا نحن الفضل؟!... أنتَ اخترتنا!!. أتيتَ بنا إلى مواعيد حبِّكَ لنا... ولم نفهم!!... اندفعنا بتوق حبِّ قلبنا إِليك... وراءكَ...

    ماذا؟!... ماذا يبغي شعبي منك؟!... أنت لي... ولنا كلِّنا...

    لم يقبلوك مصلوبًا على صليب الهزءِ والتعيير والبصاق واللّطمات!!.

    وصرخوا،الإِله لا يموت!!.هو الشّدّاي القويّ، القويّ في القتال!!... والآخذ الأعداء بمكرهم والغالب قوى الظّلمة بنوره الّذي لم تره عين بعد ولا سمعت به أذنٌ ، ولم تمسّه يَدٌ...

    "لا... لا تلمسيني يا مريم... لأنّي صاعد إلى أَبي... وأبيكم... إلى إِلهي وإِلهكم"!!. لا تلمسيني، فإنّه لا جسد لي، إلاّ الجَسَدَ المذبوح على مائدة المَلِكِ الأزليّ الأبديّ...

    أمّا أنتِ... يا امرأة الوعد الّذي قطعتُه على نفسي معكم!!. أنا وُلِدتُ منكِ وأنتِ ولدتني...منّي"...

    هذا سرّي يا امرأة الوعد يا مريم... أتيتُ بكِ أنتِ أيضًا من بعيد... لتصيري للكائنات أمًّا بي أنا ومنّي... فلا تخافي... ولا تجزعي... فقط اسمعيني يا رجوة وجودي على الأرض معكم لأصير إيّاكم فلا تعودوا تجزعونني كلّما رأيتموني بِطلّةٍ، بهيئةٍ جديدة...

    "أنا هو الّذي هو"!!.. وعدُ إِله السّموات والأرض لكم فيَّ...

    أنا، اليوم، أتيتكم لتأتوني كلُّكم... أبناء الوعد، حاملين صليبي... الماشين مئات وآلاف الأمداء... زرافات ووحدانًا... تتقدّمنا وجوه الّذين صاروا لكم ملائكة تحرسكم وهم منكم... هؤلاء هم أهل البيعة الجديدة!!.

    أمّا أنا فحملتُ صليبي لتعرفوا أنّي أنا وحدي الإله الّذي غرّبتموني ورفعتموني على الصّليب ليحكم صليبي كلِّ قوّات ومخلوقات الأرض الجديدة الّتي كتبتها لكم...

    تعالوا إليَّ يا مباركي أبي... تعالوا احملوا صليبي... قدِّموه وحده هدايا أعراسكم وأفراحكم فأنا جمعتُه فرزة فرزة لكلِّ واحد منكم، حتّى يكون هو سر دخولكم مُلكي...

    اتركوا كلّ إنسان وكلَّ قنيتكم واتبعوني فتصيروا آلهة بي ومنّي أنا إلهكم المتجدِّد فيكم، فأَحياكم... تعالوا اتبعوني فتملكون معي ملكي... تصيرون أبنائي وبناتي... إخوتي...

    تصيرون فيَّ حياتي الأبديّة الّتي هي لكم منّي...

    هديّتي...  



الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

18 حزيران 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share