<
اليوم، عدنُ آدم الجديد تستقبل الفردوس الرّوحي الّذي فيه أُبطل الحكم القديم وفيه غرست شجرة الحياة وفيه سُتِر عرينا.(القديس يوحنّا الدّمشقي). إن والدة الإله هي الوحيدة التي بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ جعلت من الله ابنًا للإنسان وحوّلت البشر إلى أبناء لله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس). يحتفل بعيد انتقال العذراء كفصح ثان سرّي يُعظّم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجدُ مريم الإنسانة المؤلّهة الأولى.(الأب الياس مرقص).إنّ العذراء المباركة هي أمّنا الحنون ولكنّ حنوّها ليس هو إلاّ اشتراك في حنوّ الرّب الّذي هو أعظم لأن في المسيح فقط الحنوّ الكامل المطلق.(الأب ليف جيلله).إن السيد قَدَّم لنا هدّية. أعطانا والدته الكلية القداسة. هذا عطاؤه لنا، فهي فرحنا وأملنا، وهي أمنا بحسب الروح، وهي قريبة منا بالطبيعة بحسب الجسد كإنسان وكل نفس مسيحية تنشدّ إليها بحب. (القدّيس سلوان الآثوسي).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السّابع عشر
المعروف
بأحد الابن الشّاطر.
أعطِني حرّيَتي؟!...

   ماذا يقولُ الإنسانُ لخالقِهِ؟!... والعبدُ لسيّدِهِ؟!... والمرأةُ لفلذاتِ كبدِها؟!...

   ويبقى التّسآلُ هو السّؤالَ!!...

   أبَتِ... صارَ عليّ أن أُسائلَكَ لكَ لِمَ خلقْتَني؟!... حيِّيٌ أنا... لكنّي سأنطقُ كلمَتي...

   كان عليّ، يا سيّدي... يا ربّي ويا إلهي، أن أعرفَكَ بدءًا لتعرفَني؟...

   يا من أَبدَعْتَني على صورتِكَ... الآن أقولُ... عليَّ أن أنطقَ بكلمةِ الحقِّ...

   "هلِ الحقُّ في الحقيقةِ؟!"...

   أهما وحدةٌ واحدة؟!... حقُّكَ؟!... حقّي... وحقُّ الحياةِ عليَّ؟!...

   سامِحْني... واسمَعْني!!. هل الحقُّ في الوجودِ موجودٌ؟!...

   يا مبدعي... الحقُّ لكَ... نَعَم... والحقُّ عليكَ؟!...

   ما حُرِّيَّتي؟!... والعالمُ الّذي أنعمْتَ به على النّاسِ؟!...

   أنتَ أَبدَعْتَني من حرّيتِكَ ولم تقلْ لي هذه "ألوهتي"!!.

   أنتَ جعلْتَني أتوقُ إليكَ... إلى الحرّيةِ الّتي أعطيتنيها...

   لم تقلْ لي... ما مفاعيلُها؟!... كيف أحملُ هذه الهديةَ، ربّي؟!...

   لم تقلْ لي متى الهديّةُ الوعدُ؟!... لم تقلْ لي ما اسمُها؟!... متى تتحقّقُ؟!.

*  *  *  *  *  *  *

   - أبتِ!!...

   - تكلّمْ، يا بنَي!!... أنتَ منّي أنا!!. أنتَ أنا، يا ولدي!!...

   - لماذا لا تطلقُني معكَ إليكَ؟!... حتى تعرفَ بروحِ عينَيكَ وقلبِكَ وحسِّكَ...

   - ماذا؟!.

   - أنّي أنا خلقتُكَ "لتعرفَني"!!... "فتحبَّني"!!... "تصيرَني"!!...

   - كيف، يا سيّدي؟!.

   وصمَتَ الإلهُ!!... وصارَ هذا صمتَ الأُلوهةِ للتّجربةِ...

   ثمّ خرجَ الابنُ... تمشّى في الفردوسِ... وغارَتْ نفسُهُ في حشاه... خاف!!...

   ارتجّتْ روحُهُ في قلبِهِ!!... ففكّرَ!!...

   - لماذا خلقْتَني، ربّي، وتركتَني!!... ما العملُ؟!.

   حملَ عصاه... وانطلقَ حاملاً قلبَهُ وسؤلَهُ...

   - ماذا بعدُ؟!. أأعودُ إلى العيشِ مع أخي؟!...

   حياتُهُ رتيبةٌ... في نفسِهِ حسراتٌ وحشرجاتٌ... ماذا لي أنا؟!...

   لا يخاطبُني... أُسائلُهُ... يقتطعُ الكلماتِ ولا يجيبُني... فلأذهبْ بعيدًا وحدي...


 

   ... ذهبَ إلى أبيه وقال له: يا أبتِ، أعطِني النّصيبَ الّذي يخصُّني من المال... فقسمَ بينهما معيشتَهُ...

   كان الأبُ عارفًا، بل منتظرًا... لماذا؟!.

   لأنّه الأبُ ولأنّ حركةَ حياةِ الابنِ مزروعةٌ فيه، في قلبِهِ هو، في حشاه لأنّه هو خالقُ ابنِهِ... مبدعُهُ من ذاتِهِ ومطلقُهُ للبحثِ عن ذاتِهِ... عن كيانِهِ الّذي أضاعَهُ، إذ لم يبقَ عائشًا في حقلِ أبيه، في سرِّ أبيه، في كيانِهِ، فيه!!.

   وانشطرَ الكيانُ الإلهيُّ، الحاملُ الكلَّ بكلِّه...

   صارَ الأبُ الواحدُ وحيدًا...

   انقسمَ ابنُهُ الأصغرُ عنه... وبقي الأكبرُ الّذي لم يكن ولا مرّةً متعاطفًا لا مع الأبِ... أبيه ولا مع أخيه الأصغر الّذي رحلَ... بعيدًا...

   كان البكرُ عائشًا في جحيمِ وحدتِهِ... يتآكلُهُ الموتُ كي لا ينعطفَ إلى أبيه أو على أخيه...  لماذا؟!... طمّاعٌ هو... اختارَ الوحدةَ حتّى لا يقتسمَ الحياةَ والأرزاقَ والمالَ مع أخيه...

   بقي عائشًا وحدَهُ بين عمّالِهِ، "سيّدًا" عليهم، ليكافئَ نفسَهُ العيشَ والحياةَ...

   الحياةُ للابنِ الأوّلِ ماتَتْ... وحياةُ الابنِ الأصغرِ انفصَلَتْ عن خالقِها ولم يعدِ الابنُ يستقي عطشَ مياهِ حياتِه من ينبوعِ حياةِ أبيه، ربِّهِ وخالقِهِ...

   ... هكذا، وقفَ الأبُ وسطَ الكون، وسطَ قصرِهِ... ثمّ امتدَّ إلى الأعالي، علّهُ يجدُ فيه مدًى جديدًا يطالُ فيه الغربةَ!!.. غربةَ ابنِهِ الأصغرِ الّذي كان يحبُّه... اخترقَ الأمداءَ، الّتي هو أبدعَها، إلى ذاتِهِ، الّتي انشقَّتْ عنه... وقفَ وحيدًا... وقفَ بعيدًا...

   أحسَّ أنّ عليه أن يقطعَ حبلَ السّرَّةِ بينه وبين فلذةِ كبدِهِ الأصغر... حتى تنزرعَ شروشُ وجذورُ أشجارِ النّخيلِ في حديقتِه لتطالَ السّموات... وغامتْ عيناه بالدّمعِ!!.

   - "الكبارُ لا يبكون!!"... وكان هذا صوتَ ابنِهِ باكيًا وصوتَهُ هو حين نهرَهُ وهو يمرُّ بضائقةٍ في حياتِهِ... الكبارُ لا يبكون، يا ولدي؛ والصّغارُ الكبارُ لا يبكون، يا أبتِ...

   الكبارُ كالشّجرِ النّخيليِّ يموتون واقفين...

   وتتطعّمُ العُمُدُ من تربةِ الأجسادِ المدفونةِ في أطرافِ، وفي وسطِ السّاحاتِ...

   ماتتِ المدينةُ، سيّدي!!!...

   لا... لا تموتُ مدينةٌ لم يدخلْها ربُّها بعد ليقدِّمَ جسدَهُ قربانًا عن خطايا وجهالاتِ شعبِهِ... وغامتِ الأمداءُ بصوتِ رعدِ الجماهيرِ القاتلةِ ربَّها... والصّارخةِ:

   - اصلبوه!!!... اصلبوه!!!...

   - أنصلبُ ربَّكم... سيّدَكم وإلهَكم؟!...

   - إلهُنا... قيصرُ... مَن هذا؟!... أغبيٌ أنتَ؟!. هذا رديفُ اسمِ الشّيطانِ...

   وسمعَ الابنُ الأصغرُ، في تحرُّقِ جوعِهِ وعطشِهِ، أنّه فقد ملكوتَهُ وبيتَ أبيه... فقدَ ذاتَهُ... وصرخَ ملتاعًا:

   - من يخلِّصُني من جسدِ الموتِ هذا؟!... من وعورةِ شكواي... من هوى لحمي... من دناءةِ حسّي...ومن حسدي من أخي الأكبرِ الّذي لا يحبُّ أحدًا من أهلِ بيتِهِ... وأنتَ، مَن أحبُّ غيرَ لذّاتي وأناي وحرّيَتي في بحثي... كيف خرجْتَ من رحمِ أبيكَ لتهتكَ حبَّه؟!...

   - مَن تحبُّ إذًا؟!. ذاتَكَ؟... أناك؟... وجهَ أبيكَ؟!...

   لا... هذا الابنُ، الحاملُ ختمَ الملوكيّةِ والبنوّةِ، صارَ اليومَ هو قَرِفًا من هيئتِهِ... من نتنِ جسدِهِ... من وسخِ مشيئتِهِ... من هربِهِ من الحبِّ، من المولوديّةِ، من رحمِ أبيه...

   - أنا... يا ... أنا أناي... تبًّا لي وعليَّ إذا خنتُ حبَّ أبي، فرحَهُ بي ورضاه عنّي... نعم، أحببتُ نفسي، حرّيَّتي وأنتَ أبي... أكثرَ من أبي... أكثرَ من ذاتي، أكثرَ من حياتي...

   كنتُ أبحثُ عنّي... عن حرّيَّتي... كيف أُتمِّمُ الحرّيةَ؟!. بالهربِ من الذّاتِ؟!... من أنـاي الـوسـخِ المـعـلَّـقِ على نـزواتِ حسـّي... في البـحـثِ عـن... "حـرّيَّـتـي!!".

   وصرخْتُ سماعَ أبي لي... صوتَ ندائي إيّاه من قلبي... "أعطِني حرّيَّتي... أَطلقْ يَدَيَّ... إنّني بدّدْتُ وخسئتُ وما استبقيتُ شيئًا منكَ لي ومنكَ فيَّ"...

   ورفعَ الهاربُ من وجهِ ربِّهِ... من حبِّهِ... من حنانِهِ...

   أبي، إن عدْتُ إليكَ؟!... أتقبلُني؟!...

   وجلسَ على قوارعِ الطرّقاتِ... وفكّرَ والخنازيرُ ترعى حولَهُ... ثمّ كان ينكثُ الأرضَ ويُعَمِّقُ الجورةَ الّتي حفرَها... ونظرَ... نظرَ إلى عمقِ أعماقِ الأرضِ ولم يرَ إلّا التّرابَ والدّودَ يسرحُ مع حشراتٍ ودبّاباتٍ أُخرى في الجورةِ الهاويةِ الّتي حفرَها!!. وفكّرَ في قلبِهِ: حتّى وجهي وسحنتي رفَضَتْهما الأرضُ الطّيّبةُ والطّبيعةُ... وخاف!!... فانتفضَ وقامَ...

   نفضَ الغبارَ والأوساخَ عن جسدِ قلبِهِ وصرخَ باكيًا: ... أعودُ إلى أبي... أعودُ إليه من عُهري؟!... أعودُ مُمَرْمَرًا بدناءتي... أعودُ إلى غمراتِ حبِّهِ لي وصبرِهِ عليَّ...

   رتّبَ مقالتَهُ، وعادَ وطعمُ خرنوبِ الخنازيرِ في حلقِهِ...

   سأقولُ لأبي: "يا أبتِ، قد أخطأتُ إلى السّماءِ وأمامَكَ، ولستُ مستحقًّا بعد أن أُدعى لكَ ابنًا، فاجعلْني كأحدِ أجرائِكَ... فقامَ وجاءَ إلى أبيه"!!...

   وفكّرَ بعد أن قتلَتْهُ حرّيَّتُه... أضاعَتْهُ أناه!!.

   ... الآنَ، اليومَ، أحسَّ الأبُ السّيّدُ الخالقُ بحشاه تتحرّكُ... فقام هو أيضًا من جلستِهِ الباكيةِ المصليّةِ المنتظرةِ...

   ورآه... خرجَ الطّفلُ من دناءةِ فعلتِهِ... خرجَ من ذاتِهِ المولودةِ من ذاتِها... ولم يُرِدِ الأبُ أن يُريَ أيَّ عبدٍ آخر غيرَ ابنِهِ شناعةَ فعلةِ فلذةِ حشاه... "فأسرعَ وألقى بنفسِهِ على عنقِهِ وقبَّلَهُ"... غطّاه!!. "فقالَ له الابنُ: يا أبتِ، قد أخطأتُ إلى السّماءِ وأمامَكَ ولستُ مستحقًّا أن أُدعى لكَ ابنًا"...

   ودُقَّتِ الأجراسُ وقُرِعَتْ بعنفٍ وبلا هوادةٍ!!... عادَ كلُّ الّذين اختبأوا في انشغالاتِهم... "رجعوا" إلى القصرِ... إلى مسكنِ الأبِ... إلى بيتِهم... رجعوا إلى دعوةِ الأبِ بالأجراسِ...

   لكنْ، بقي الأخُ الأكبرُ بعيدًا وعبدًا لما جمعَهُ!!... لم يسمعْ دقَّ أجراسِ العودةِ إلى القصرِ، إلى بيتِ أبيه... إلى الفردوسِ...

   ورجعَ بصغارِ مسكنتِهِ، عاتبَ أباه... أخدمُكَ...

   - "ابني، أنت معي في كلِّ حين... لأنّ أخاكَ هذا كان ميتًا فعاشَ، وكان ضالاًّ فوُجدَ"...

   الآن أطلَّتْ كلُّ طيورِ السّمواتِ وتنزّلتِ القوّاتُ العلويّةُ يعاينون صعودَ ورجوعَ الأبِ مُصطحِبًا ابنَهُ الأصغرَ مجلَّلاً برداءِ أبيه... لابسًا حِذاءَ أَبيه ومغمورًا مخبَّئًا بأبيه فاستلمَتْهُ الملائكةُ لتحملَهُ وتضعَه عند قدمَي والدةِ الإلهِ...

   والابنُ الأكبرُ بقي، بدناءةِ وطمعِ فقرِهِ، يعملُ الأرضَ تحت أقدامِ أبيه وأخيه فيموتَ ويُدفَنَ وحدَهُ، لأنّه عاشَ كلَّ حياتِهِ وحدَهُ ولم يشأ أن يُحبَّ...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

12 شباط 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share