إنَّ نعمة التوبة، هي انخطاف الروح إلى الله، إذ تكون مشدودة إليه بظهور "النور". في الفترة الأولى، لا يكون ذلك "النور" منظوراً، لكن، بدفئه، يبدأ القلب بفقدان قسوته. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).تستمدّ الصلاة قوّة كبيرة من الضغط المتولّد من الكره المبارَك للذات، وتصير الصّلاة شبه لهيبٍ حارٍّ متأجّجٍ، والروح تحيا، في وقت واحد، ظلمات وجحيم موتها، والرجاء بالله الذي يخلّصنا. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).التوبة عطيّة، بلا ثمن، مقدّمة للإنسانية. التوبة هي العجيبة السماوية التي صالحتنا مع الله، بعد أن سقطنا. التوبة هي دفق الإلهام وانسكابه علينا، والذي، بواسطته، نرتفع إلى الله، أبينا، حتى نحيا إلى الأبد في نور حبّه. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).إنّ الّذين خبروا الحبّ الألهي، من الطّبيعي لهم أن يختبروا قرفاً ورفضاً لتلك الرائحة المؤذية المهلكة، التي لشهوة الكبرياء. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).
تأمّلات في الإنجيل

 

الأحد الثّالث من الصّوم

 

صـوم الصّـلـيـب.!!.

 

قيـامـة الحـبّ الإِلـهـيّ.!!.

  حدث الصّوم الكبير العظيم هو لقيا الصّليب والسّجود له.!!.

    الصّليب صنو الإِنسان الّذي لمَسَتْهُ النّعمة الإلهيّة بالأَلَمِ، ليُدرِكَ أَنّه من التّراب وإلى التّراب يعود.!!.

    ما بين إِضاعةِ النّفسِ ولُقْياها في الصّليب لاتّباعِ الرّبّ، يَكْمُنُ سرّ حياة الإِنسان على الأَرض.!..

     لصليبك يا ربّي نسجد.!!.

    ما سرُّ الصّليب.؟!. ما حياةُ الإِنسان بدون صليبٍ ومع الصّليب.؟!...

    ما سرُّ ٱختيار الصّليب.؟!.

    أَلنا، كَبَشَرٍ، الحقُّ في ٱختيار الصّليب... أَو نَزعه عنّا، في حياتِنا، إِذ نحيا على الأَرض.؟!!.

    مَن لا يَحمِل صليبَهُ على الأَرض ويَتبَع مُعطي الصّليب، فلَنْ يَخلُص.!!.

    أَإِذًا نحن مُكْرَهون على حَمْلِ الصّليب ولا مشيئةَ لنا في قَبولِهِ أَو رَفضِهِ.؟!!...

* * * * * * *

لكنْ، مَن مُعْطي الصّليب.؟!. ما سرُّ الصّليب.؟!!!.

    الصّليبُ أَداةُ الخزي والعار والقصاص.!!.

    أَوجَدَهُ الإِنسانُ ليُعَلِّقَ عليه المجرمِين والقَتَلة، طاردًا به العنف والقوى المضادّة السّلبيّة الّتي تُساكنُ الإِنسانَ في جسدِهِ فتعذّبه وكلّ العائشين حوله.!!!.

قال الرّبُّ: مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فليَكْفُرْ بنفسِهِ، ويَحْمِل صليبَهُ، ويَتبَعني.!!. لأَنّ مَن أَرادَ أَن يُخَلِّصَ نفسَهُ يُهلِكُها ومَن أَهْلَكَ نفسَهُ من أَجلي ومن أَجل الإِنجيل يُخَلِّصُها.!!. (مر 8: 34 - 37).

    هكذا، اليوم يأتي الجواب، وفيه التأكيدُ الكاملُ على إِرادةِ الإِنسان الحرّة، في الاستجابةِ لنداءِ الرّبّ، أَو عدمِ التّقيّدِ، لا بالرّبّ ولا بِنِدائه...

    لكنْ، حَسَنٌ أَن نُسائلَ: مَن هو الرّبّ.؟!. إِنّه الإِلهُ، خالقُ السّماءِ والأَرض وكلّ مَن وما فيها.!!.

    لذا تَصْمتُ كلُّ شَفَةٍ عن الجواب، لأَنَّ تحديدَ طبيعة وماهيّة وحقيقة النّفس بالنّسبة للرّبِّ الإِله، لَمتعذّرة على كلِّ مخلوقٍ في الكون.!!.

    وما نُطِقَ به حتّى اليوم في الإِلهيّات، ما هو إِلاّ تداعيات عطاء الرّوحِ القدسِ“، الحالِّ في الإِنسان يومَ مَولِدِهِ من مشيئةِ الرّبِّ، ووَعْيِهِ، تاليًا، أَنّه مخلوقٌ، من رحمة الإِلهِ عليه.!!. فلقد خلقه الرّبُّ صِنوًا له، لأَنّه أَحبَّه في ذاته، كذاتِهِ... لذلك يستجيبُ الإِنسانُ المخلوقُ لنداءِ العليّ ويتبعُهُ ليعاينَ نورَ مجدِهِ، فيحمل سرَّ الحياة، سرَّ الإِبداع والخَلْقِ، للإِنتماء إليه...

    أَحبّ الإِلهُ الخالقُ الإِنسانَ مخلوقه في ذاته، كذاته.!!.

    لم يفرضْ يسوع على الإِنسانِ، مخلوقِهِ، المبادلةَ في حبّه... لكنَّه هيّأَهُ، بالوصايا الإِنجيلية الإِلهيّة، إذا مارسَها، حتّى ٱقتبالها بمثابةِ طبيعةٍ ثانية له، لأَن يصيرَ بها، وبالنّعمةِ المعطاةِ له من فوق، إِنسانًا متألِّهًا، على صورة خالقه ومثاله... بالحبّ الّذي أَغدقَهُ الإِلهُ عليه من كيانه، فأَحبَّهُ، تاليًا، وإِذ شارَكَهُ في سرِّهِ، وفي العطاء، وفي حَمْلِ الآخرين بالكيانِ وبالقلبِ.!!.

  مَن الإِنسان الّذي ٱختاره يسوع ليتبعه.؟!.

لاوي بن حلفى (متّى الجابي، والرّسول) زكّا العشّار،مريم المجدليّة،مريم المصريّة!...

    أولئك أَقامَهم من عِشارتِهِم، وحقارة مَسراهم، وخطيئيّة وراثتهم لمحتدهم، بقوله لهم: تعال ٱتبعني، ومغفورة لك خطاياك لأنّك أَحببت كثيرًا.!!...

  ويبقى إِسمُ الحبِّ هو المسيح يسوع.!!...

هكذا أنهى يسوع تساؤل كلّ البشر حول مَن هم تلامذةُ الرّبِّ ورفقته بقوله: إِنّي لم آتِ لأَدعو صدّيقين، بل خطأة إِلى التوبة (مر 17:2).

    مَن هو الخاطئ؟!... كلُّ إِنسانٍ، وُلِدَ بعد سقوط آدم وحوّاء من فردوس الإِله، الّذي أَوجدَهُ الآبُ للبشر.!!.

    لا فرق بين يهوديّ - وُلد يسوع من سبطهم، خاصّة أولئك الّذين أَحصوه مع الأثمة و يونانيّ و رومانيّ و إِسكيثيّ، متعلِّم، وجاهل، وغنيّ و فقير... رجلٍ أو امرأةِ وَعدِ.!!!. لا... لا فَرْق بين كلّ الّذين وُلِدوا قبل النّاموس وبعد النّاموس... إِلاّ الّذين ٱختارهم الرّبُّ فأَجابوه "بالـنَّـعَـمْ"، لحَمْلِ صليبه... أَتوهُ لينجوا من "لائِهِم"، من سلبيّتهم، من أَهوائهم بالهرب من معرفة خطاياهم.!!.

    هكذا كَثَّرَ الرّبُّ الإِلهُ الشعوبَ بتَلاوينِ بَشَرَتِها وتباين طبيعتها، مُعطيًا إِيّاها نعمةَ روحِهِ القدّوس، بنَفْخِهِ نَفَسِه في مِنخَرَيها... نَفَس قَلْبِهِ ليَصيرَ قلبُ الإِلهِ قلبَ الإِنسان.!!.

    الرّبُّ الإِلهُ ساوانا، ونحن ما زلنا نضرب بتشتُّت، نُفرِّق ونمايز ونفتخر... نذبح الغريب والقريب والمُخالف... سُنَّتُنا، الّتي نحافظ عليها، هي إِزالة الآخر ومَحْوُهِ من سِفْرِ الحياة، لنَحْكُمَ ونَحْتَكِمَ بالباطل لا بالحبّ، بضدِّ الإِله، ولا معه في وصاياه.!!.

    لماذا لم يَرعوِ الإِنسان.؟!. أَرْسَلَ الله، له، ٱبنه الوحيد، بكرَ الأُلوهةِ والحبّ والجمال والإِبداع وكلّ طيبٍ حَسَن على وجه الأَرض.!!.

    وٱختلطت على الإِنسان معرفته.!!.

    برقع حبّ الذات والإِنتقام، لبِسَهُما الإِنسانُ فوق ترابيّة جسده ونفخة الإِله له، فضاع البشرُ بين الحقّ والباطل.!!.

    كان الإِختيارُ موجِعًا، إِذ أَغرقَ الإِنسانُ كلَّ حسٍّ طيّبٍ من طِيبِ الإِله، فابتلع يمُّ الشّهادة سُكونَ وصمتَ الإِله المتجسّد.!!.فكانت أَداةُ الحياة الجديدة الخارجة من قلب الآب لابنه البِكر المتجسِّد، خشبة الصّليب... وصرخَ كلّ الكونِ وبشريّته.!!.

بالصّليب أَتى الفرحُ لكلِّ العالم.!!...

غَضَبُ الإِله الآب لم يكن مغمَّسًا بدمِ الشَّهادة ورَجْوَةِ الحنان، قبلَ تجسُّد الإِله الرّبّ يسوع.!!.

    كلّ ما كان وما لم يكن، قبلُ، صار اليوم صليبًا، للّذين يبتغون ملء الحبّ البكر، الّذي للثّالوث القدّوس... الآب في الإبن بالرّوح القدس...

    اليوم، هكذا حلّ الفردوس في أَرض الأَحياء.!!. وتمشَّى الآب في الابن على وجه البسيطة...

    كان على الإِله الإِبن، إِمّا أَن يختار الرّجعة إلى فردوس نعيمه الّذي في السّموات، أَو أَن يُنيخ الرّأس شابحًا يديه على خشبة ٱقتبال الحياة الجديدة في الموت، لا عن نفسه، بل عن البشريّة جمعاء، وٱفتدائها بالدّم المهراق من جنبه، مع ماء المعموديّة الجديد، لطرد الشّيطان، من كيان كلّ معمَّدٍ على ٱسم الآب والإبن والرّوح القدس.

    اليوم سَقَطَت كلُّ البشريّة الخارجة من فُلْكِ نوح في ظلام الخطيئة وقسوة قلوب كلّ من يحيا بدون مسيح الرّبّ.!!.

    وبقي الإِله، يسوعُ، الإبنُ البكر الحبيب وحده على الخشبة معلَّقًا... وماتت الحياة.!!.

    اليوم ذَوَتِ الشّمسُ... غَامَ القمرُ... وٱرتعدت فرائصُ كلّ ذي جسد. ٱختنقت الطّفولة إِذ غَيّبَ الإِنسانُ الحبَّ الحقيقيّ.

ونادت القلّة. إِلى مَن نذهب.؟؟. كلامُ الحياةِ الأَبديّة عندك.؟؟. (يو 68:6).!!.

    أَنْتَ يا إِلهَنا خلَقْتَنا من روحِكَ.!!.فاصلِبْ جسدَنا الوضيع مع جسدِكَ الطَّاهر على الصّليب.!!...علَّنا إِذا وعينا هَوْلَ سقطتِنا، نُسْلِمَكَ ما عندنا لتَرحَمنا بمسامحتنا.!!.

    اليوم نصرخ إِليكَ: يا رحيم ٱرحمنا يا الله كعظيم رحمتك.!!.

    هكذا... نبقى في صمت وترقُّبِ وَعْدِ قيامَتِكَ ممتدّة إِلى أَعمقِ أَعماقنا لنخْلُصَ، منتظرين مجيئكَ بمجدٍ عظيم يوم قيامتك.



آمين.

 


أحــد الصّـلـيب

الأمّ مريم (زكّا)

رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان

4 نيسان 2021

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share