بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الخامس والعشرون
بعد العنصرة.
الأرضُ الجديدةُ لحوّاءَ الجديدةِ
مريمَ...
وعدَ خلاصِ المسكونةِ!...

   اليومَ يُطِلُّ وجهُ وعدِ الحياةِ الجديدةِ، الطّفلةُ مريمُ لتدخلَ هيكلَ الرّبِّ حاملةً بذارَ كلمةِ الإلهِ في حشاها منذ مولدِها... ليتمَّ القولُ: "من البطنِ عرفتُكَ!!".

   اليومَ تختصرُ الأرضُ حركةَ دورانِها لتصيرَ كنزَ الحياةِ المخبوءةِ في حقلِ الله والحقلُ كان منذ بدءِ الحياةِ وسيبقى والبذارُ كلمةُ الله الآبِ أن: "إن سمعتُمْ اليومَ صوتَهُ فلا تُقسُّوا قلوبَكم"...

   اليومَ يختبئُ الصّدى في تراجيعِ أنّاتِ كلِّ أمّهاتِ الأرضِ، يَنُحْنَ على عُقْرِهنَّ، إذ أعطينَ الولادةَ بعد السّقوطِ مضمّخةً بقتلِ "هابيلَ" القابلِ روحَ الحياةِ البكرِ من ربِّهِ ليسعى إلى القولِ: "أنتَ أخي "يا قايينُ"، فلا تقتلني لأنّنا من زرعِ أحديّةِ الإلهِ!!"...

   كيف عرفَ "هابيلُ" أنّ "قايينَ" قاتلُه؟!...

   هذا كان معطًى للبشريّةِ الجديدةِ النّازلةِ من الفردوسِ الإلهيِّ ...

   أن تختارَ!!... وكان منذ تلكَ اللّحيظةِ إطلاقُ وعدِ الحريّةِ من الله للإنسانِ.

   هكذا ارتجّتْ روحُ الإلهِ الآبِ الرّبِّ القدّوسِ إذ أدركَ أنّ الإنسانَ، آدمَ وحوّاءَ اللّذَين جبلَهما من نفَسِ روحِهِ القدّوسِ في فردوسِ حبِّهِ، "خاناه"!!...

   كانا سرَّهُ، في خلقِ خليقتِهِ الجديدةِ المولودةِ من روحِهِ، من حشاه وتاليًا من جنبِهِ المطعونِ على الصّليبِ ليحيا الإنسانُ الإلهُ، للإلهِ وحدَهُ...

   الله الآبُ لم يُخْفِ سرَّ ولادتِهِ الكونَ الجديدَ الّذي لم تَرَهُ لا عينُ آدمَ ولا قلبُ حوّاءَ، بل أُعطيَ فقط لملائكتِهِ الّذين كانوا حركةً من حركةِ روحِ الله الآبِ وحضرةً من حضرتِهِ وروحًا من روحِهِ، تهرعُ متكاتفةً كلًّا بكلٍّ منها وحولَهُ لتحيا... تلك الطّغماتُ السّماويّةُ، كانت من سرِّ الإلهِ، كانت له، تحيا به، معه وفيه... تتدانى لتلتصِقَ بذاتِها الّتي هي من ذاتِ الإلهِ القدّوسِ وحدَهُ... وتتباعدُ في حركةِ ارتحالِها باحثةً عن التفافةِ الرّبِّ حولَ ذاتِهِ، لتلدَ فيه مرّةً ومرارًا قدرَ ما أُعطيَتْ أن تلدَ له وأن تنقسمَ منه ومن فعلِهِ في حركةِ فعلِها، لتعودَ كتلةَ نورٍ واحدةٍ تستضيءُ بنورِ الخالقِ الّذي أسلمَها إيّاه وديعةَ حبٍّ حتّى تبقى وتكثرَ وتتناسلَ بالرّوحِ روحًا من روحِهِ، نورًا من نورِهِ وحضرةً فاعلةً، حاملةً خَبَرَ الإنباءِ من الإلهِ لتبقى شعاعَ نورِهِ في السّماواتِ وعلى الأرضِ...

   الملائكةُ هم إطلاقُ كلمةِ الآبِ في الكونِ... "فمن له أذنانِ للسّماع فليسمعْ!!"...

   أفي سماءٍ غيرِ تلكَ الّتي وُلِدَتْ من مشيئةِ الإلهِ الآبِ تحيا الملائكةُ؟!...

   وكان على هذا السّرِّ أن يتكشّفَ للمسكونةِ، لأنّ من الله تولدُ الحياةُ...

   اليومَ نعي النُّطقَ إذ صارتِ الحياةُ كلمةً خارجةً من فمِ الرّبِّ، مكتوبةً في قلبِ المسكونةِ بأجنادِ الملائكةِ... واحترّتْ أيضًا وأيضًا روحُ النّجاسةِ في قلبِ آدمَ وحوّاءَ، تلك الطّاقةُ السّوداء اللاّنورانيّة المنبثّةُ في كونِ الإنسانِ الجديدِ الّذي أُقصيّ، عن حبِّ أبيه، بصوتٍ خارجٍ من هولِ جحيمِ أسافلِ الأرضِ الّتي قال فيها وعنها إلهُها: "لا تخافوا، أنا قد غلبْتُ العالمَ!!"...

   ويبقى التّسآلُ... لِمْ خانَ آدمُ وحوّاءُ ربَّهما – الإلهَ؟!.

   ممّا خافَ الإلهُ الآبُ على ذريّتِهِ؟!... وهو مبدعُ حياةِ آدمَ وحوّاءَ الّتي كانت روحَ حبٍّ وسلامٍ وحنانٍ وسماعٍ للصّوتِ اتّباعًا له حتّى لا يفنى الحبُّ ولا يندرجَ القلبُ وهو روحُ الحياةِ، إلى مخازنَ وآبارٍ مشقّقةٍ لا تضبطُ ماءً...

   واحترّتِ الرّوحُ، أيضًا وأيضًا، وعلا الصّوتُ: أَعطوني هذا الغريبَ!!...

   يومَ سقطَ آدمُ وحوّاءُ من مشيئةِ حبِّ الله الآبِ، ارتدّا، ولم يبقيا حتّى يسمعا فيرجعا ليشفيَهما. فالشّيطانُ أقفلَ عيونَ قلبَيهما حتّى يُنكراَ الرّبَّ ولم يدعاه يحملُ وجعَ مجازاتِهِ لخلقِهما وإيلادِهما من ذاتِه...

   هكذا كان على الإلهِ أن يقبلَ بارتدادِ روحِهِ إليه تاركًا، بل متخلِّيًا عن عقرِ آدمَ وحوّاءَ، ليلِدَ له الخليقةَ الجديدةَ، الّتي بإمكانِها أن تقدِّمَ ذريّتَهُ المختارةَ... وكان اسمُ الولادةِ الجديدةِ "مريمَ" الّتي صارتْ أمَّ يسوعَ، آدمَ الجديدِ... كانت مريمُ، بدءًا، فتاةَ الوعدِ الّتي اجتازَتْ حاجزَ عقرِ الطّبيعةِ، بإيلادِ الإلهِ الابنِ الكلمةِ، في الجسدِ، من مشيئةِ الآبِ، آدمَ جديدًا، لتصيرَ هي به، حوّاءَ الكلمةَ الحاضنَتهُ والمُولِدَتْهُ، بالكلمةِ الإلهيّةِ، بالإنباءِ، وعدَ الحبِّ الجديدِ الّذي ليس فيه رجلٌ ولا امرأةٌ... بل آلهةُ حبٍّ من الإلهِ الحبِّ...

   هذا الكونُ الجديدُ من يعيه؟!... لمن هو؟!...

   أَلِلْخاصّةِ، أم هو كونُ الإلهِ المغروسِ روحًا من روحِهِ ليُحييَ الّذين يطلبونَهُ... "اطلبوا تجدوا... اقرعوا يُفتحُ لكم؟!"...

   إنّه للعطاشِ إلى كلمةِ الإنجيلِ، وصيّتِهِ وروحِه... إنّه للسالكين في ظلمةِ الموتِ وظلالِه من اليومِ الّذي سقطَ آدمُ وحوّاءُ فيه من أمام وجهِ يسوعَ المدمّى على الصّليبِ... إنّه للعائدين إلى أحضانِ الملكوتِ... إنّه للتّائبين... إنّه للّذين يجدّون كلَّ النّهارِ وحتّى في ليلِ يقظتِهِم والصّلاةِ ليصيروا قربانًا مذبوحًا على مائدةِ الحملِ.... والقربانُ الّذي منه وُلدَ الإلهِ هو "مريمُ"...

   من يختارُ الذّبحَ والموتَ بدلَ الحياةِ؟!...

   الّذين وعوا أنّ إلهَهم كلّمَهم، ناداهم، فتوقّفوا، بل أوقفوا مسيرةَ سعيِهم ليلتقطوا روحَهُ في سرِّ قلوبِهِم، حتّى، بسماعِهِم كلمتَهُ وصوتَهُ، يكشفوا وجوهَهم له لكي يَمسحَها بزيتِ قربانِهِ المجبولِ بجسدِهِ ودمِهِ، ليصيروا حين يأكلون منه خبزَ حياةٍ أبديّةٍ... لذا صارَ اسمُ يسوعَ، ابنَ مريمَ والدةَ الإلهِ ومريمَ ابنتَهُ، تاليًا!!.

   لذا، "وفي تلك الأيّامِ، قامتْ مريمُ وذهبَتْ مسرعةً إلى الجبلِ، إلى مدينةِ يهوذا". كانت مريمُ قد سمِعَتْ صوتَ الملاكِ جبرائيلَ وحضرتَهُ يكلّمانِها حولَ الآتياتِ... سَمِعَتْ هي بقلبِها فارتقصَ حسُّها واندفعتْ إلى نسيبَتِها أليصاباتَ للتّحقُّقِ أنّ الوعدَ وكلمةَ الله قد حلاَّ عليها أيضًا وأيضًا... كانت مريمُ بحاجةٍ إلى تثبيتٍ، إلى إقرارِ مَن لمستْهم يدُ الرّبِّ فنطقوا عقرَهم ولادةً من عندِهِ ليصيرَ اسمُ الكونِ، أيضًا وأيضًا، وولادتِهِ: مريمَ!!.

   في تلك الأزمنةِ، كان الشّعبُ اليهوديُّ العاقُ بحاجةٍ إلى عجائبَ حتّى يفهمَ، يُسائلَ، يرى، يلمسَ ليُصدِّقَ... بقولةِ الكتابِ: "من صدّقَ خبرَنا ولمن استُعلِنَتْ ذراعُ الرّبِّ؟!"...

   اليومَ بدخولِ مريمَ الإنسانيةِ الجديدةِ والحياةِ الجديدةِ، إلى هيكلِ الرّبِّ، تُكرِّسُ في ذاتِها توبةَ كلِّ أمّهاتِ ونساءِ الأرضِ، وعدَ طُهرٍ وتطهُّرٍ من أدرانِ جسدِ الخطيئةِ الّتي في آدمَ كانت إذ خرجَ بمشيئتِهِ وحوّاءَ من فردوسِ الرّبِّ ليبقى الإلهُ في انتظارِ وعدِ الحياةِ الجديدةِ المولودةِ من فكرِ وقلبِ "الفتاةِ" الّتي لم تعرفْ زواجًا والصّائرةَ أمًّا للكونِ الجديدِ بنعمةِ الكلمةِ النّازلةِ إلى حشاها لتتلقَّفها معلنةً أنّ سرَّ الحياةِ المتجدِّدةِ كلَّ يومٍ، المولودةِ من الله بإرسالِ ملائكتِهِ ليُخبروا حوّاءَ الجديدةَ أنّها ستحبلُ وتلدُ "الإلهَ"، كلمةَ الله ونطقَهُ وفعلَهُ، حياةً لها ولكلِّ القائلين "النّعمَ" للإلهِ الخالقِ...

   اليومَ ترتقصُ أجنّةُ العواقرِ لأنَّ وعدَ الله أنهنَّ ستلدن يتمَّمُ بحبلِ أليصاباتَ بـ"يوحنّا" ضاربِ البريّةِ العاقرةِ والعطشى إلى الإلهِ، لتتفجّرَ كلمةُ ووعدُ حضرةِ الإلهِ فيها ولها بمريمَ، حوّاءَ الأمِّ، متمِّمةً نذورَها بصمتِ "النّعمِ" الإلهيّةِ وعيشِها الأزمنةِ والأحوالِ والأوقاتِ الجديدةِ بوعيِها أنّها بحاجةِ لرجوعِها إلى سيّدِها بالقبولِ والطّلبِ... "هلمَّ واسكن فينا"...

   اليومَ البشريّةُ العاقرُ تحبلُ بالمسيحِ الإلهِ بِنَعمِ مريمَ: "هأنذا أمةٌ للرّبِّ فليكن لي بحسبِ قولِكَ"... لتخلّصَ بابنِها كلَّ البشريّةِ السّاقطةِ والصّارخةِ: "تعالَ يا ربّي تعالَ!!"... لأنّنا قد خطِئنا وأثمْنا ولسنا بأهلٍ لأن نرفعَ أعينَنا وننظرَ علوَ السّماءِ، لأنّ سماءَكَ، يا سيّدُ، تداخلَتْ فينا بنعمِ مريمَ إذ دخلتْ هيكلَكَ لتحيا حياةً جديدةً لا بدءَ ولا نهايةَ لها إلاّ كلمتُكَ...

آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

22 تشرين الثاني 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share