إنَّ نعمة التوبة، هي انخطاف الروح إلى الله، إذ تكون مشدودة إليه بظهور "النور". في الفترة الأولى، لا يكون ذلك "النور" منظوراً، لكن، بدفئه، يبدأ القلب بفقدان قسوته. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).تستمدّ الصلاة قوّة كبيرة من الضغط المتولّد من الكره المبارَك للذات، وتصير الصّلاة شبه لهيبٍ حارٍّ متأجّجٍ، والروح تحيا، في وقت واحد، ظلمات وجحيم موتها، والرجاء بالله الذي يخلّصنا. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).التوبة عطيّة، بلا ثمن، مقدّمة للإنسانية. التوبة هي العجيبة السماوية التي صالحتنا مع الله، بعد أن سقطنا. التوبة هي دفق الإلهام وانسكابه علينا، والذي، بواسطته، نرتفع إلى الله، أبينا، حتى نحيا إلى الأبد في نور حبّه. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).إنّ الّذين خبروا الحبّ الألهي، من الطّبيعي لهم أن يختبروا قرفاً ورفضاً لتلك الرائحة المؤذية المهلكة، التي لشهوة الكبرياء. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).
سلسلة المعترفين الجدد(١٤٠).

الأمّ "يوليانا" وابنتها "ليبرتاتا-يوستينا"

16 حزيران 1929 – 1 تشرين الأوّل 2002

"يوليانا" الأمّ(من الشّمال)، و"يوستينا"(من اليمين).

    ولدت "يوليانا كونستاتينسكو" في 16 حزيران 1929 في منطقة "أرغ" الرّومانيّة. أبوها الكاهن "ايوان كونستاتينسكو" وزوجته "يوستينا". كان الأب "ايوان" مثالًا للرّاعي الصّالح، في جهاد مستديم لتنوير أبناء رعيّته والمناطق المجاورة. وبمساعدة ابنته وزوجته،ساعد المقاومين في الجبال فتمّت تصفيته معهم. كانت أمّها الخوريّة "يوستينا"، مثالًا للزّوجة الصّالحة. تمّ الحكم عليها بخمس عشرة سنة من السّجن مع الأشغال الشّاقّة، وقد أُلقيت في السّجن ذاته مع ابنتها لكنّهما لم تلتقيا يومًا فيه.

الأب "ايوان" وزوجته الخوريّة "يوستينا".

    تمّ توقيف "يوليانا"، وكانت في الشّهر السّابع من حملها، وحكم عليها بالسّجن مع الأشغال الشّاقّة لاثني عشر عامًا. أُطلقت إثر العفو العامّ سنة 1964. وُلدت ابنتُها في 18 أيلول في مستشفى سجن "فاكاريشتي"، وتسمّت "ليبرتاتا يوستينا"(ليبرتاتا تعني حرية)، وسمّيت من قبل المخابرات "لومينيتا"(نور). وُضعت في الميتم. عانى أبوها "نيقولا"مشاقًّا لإيجادها. انتقلت "يوليانا" إلى الأخدار السّماويّة في الأوّل من تشرين الأوّل 2002، يوم عيد زنّار والدة الإله. وبعد سبع سنوات بالتّمام التحق بها زوجها. وصفت "يوليانا" معاناتها في كتاب بعنوان "رجاء مقيّد بالأصفاد"، في ما يلي بعض ما ورد فيه:

"يوليانا" في الثّانويّة.

    الذكريات المليئة بالفرح والأحزان الشّديدة، هي كالأزهار. بعض الأزهار تشعّ بالبهاء غير الموصوف، وأخرى حَيّية، لطيفة، تفوح طيبًا. بعض هذه الأزهار تنمو تحت أشعّة الشّمس بقوّة، وأخرى تتوارى في الظلّ، وسرّها مختبىء فيها... حياتنا هي نظير الأزهار في الحقول. نحن أيضًا مبعثرون. حياة كلّ منّا في مكان معيّن، في الظلّ أو في النّور، مع الفرق أنّنا، نحن، نستطيع أن نتحرّك لمساعدة الآخرين، وحمل أثقالهم، لنحبّهم أو نكرههم، وأحيانًا لنرضى عن أنفسنا أو نحتقرها... عندما تكون صغيرًا يكون لك بهاء وجمال وبراءة ولطف الأزهار.

    نحن كبشر نحمل هذه الهبات الإلهيّة فينا حتّى الممات، إذا ما عرفنا كيف نحافظ عليها، كجواهر داخل قلوبنا، في يوميّاتنا، أينما كنّا... هي تجمّلنا من الدّاخل والخارج... وترافقنا في حياتنا الأرضيّة ومن ثمّ الأبديّة.

كتاب "رجاءٌ مقيّد بالأصفاد".

    وأنا وجدتُ من هذه الأزهار حتّى في طين السّجن وظلمة حمأته. سيّدات كنّ كالملائكة، يعملن بصمت، وصلاة خفيّة، يشعّ النّور الإلهيّ من وجوههنّ، وكان نورهنّ يضيء حلكة تلك الظّلمة. راهبة تعيش بدون أيّ همّ أرضيّ، بدت وسط التّعذيب والضّيق ذاك هلى هيئة شهيدات القرون الأولى. في الأوقات القليلة الّتي كانت عيون الحرّاس لا ترقبنا، كانت تنتصب بيننا متحدّثة بهدوء ووقار، مرتدية جزمة عريضة وكبيرة، كانت مدعاة للتهكّم، لكنّها كانت دائمًا تشكر الله أنّها ما زالت تمتلكها. وكانت دائمًا عرضةً لتحقير الحرّاس الأقسى، ممزوجًا باللّعنات البذيئة، والإجبار على تنظيف المراحيض والممرّات... راهبة أخرى أيضًا كانت تعاني الأمرّين لكنّ أحدًا لم يسمعها يومًا تشتكي أو تتأفّف بل كانت تحاول دائمًا بثّنا كلمات التّعزية والتّشديد. ولي من الأمثلة ما لا يعدّ من نبل وثقافة ولطف وإيمان، سيّدات أثقل العمر والشّقاء كواهلهنّ، لكنّ نفوسهنّ المتشدّدة بالإيمان كانت ما تزال تفوح بذاك العطر الرّبيعيّ الإلهيّ، تشديدًا لنا...

    نُقلتُ أنا إلى سجن "فاكاريشتي" وكنتُ حاملًا في شهري السّابع. ألقوني في الزّنزانة رقم 116، البالغة القذارة، وكنتُ في جوع شديد، لأنّهم يوم نقلي إلى هناك لم يُعطوني شيئًا لآكل.

"يوليانا" باللباس التقليدي.

    أصابني ألمٌ غير مسبوق في أحشائي، وتخلّت عنّي قوّتي، فسقطت متمرّغة في تلك الحمأة الّتي كادت رائحتها الكريهة تقتلني. لم أفطن للحال أنّ الوضع رتّبه معذّبيّ حتّى أُجهض الجنين، خاصّة لمّا تذكّرت عرض إحدى الطّبيبات في "بيتشتي" بأن توفّر لي إجهاضًا خاليًا من ألم إن وافقت على ذلك. طُرحتُ في تلك الظّلمة الخالية من الحياة لمدّة شهر كامل، لم يكن يُسمح لي خلالها أن أتمدّد على السّرير. فقط أن أجلس على طرفه.

"يوليانا" في المعتقل.

     وذات يوم، إذ كنتُ بانتظار حصّتي الشّحيحة من الطّعام، وكنتُ قد قضيتُ ثلاثة أيّام بدون شيء منه، غير مصدّقة أنّهم لن يأخذوني لألد بشكل إنسانيّ في مستوصف، لم أكن أتوقّف عن البكاء. فجأة، إذا بيد تفيض نورًا تمتدّ نحوي، لتشيع سلامًا غير موصوف، فشملني شعور بالبهجة لم أختبره من قبل. قال لي الصّوت مع اليد: اكتبي!.

    أجبت: عمّا أكتب.؟!. عن القدّيس ديمتريوس؟ استفانوس.؟!.

    فجأة رأيتُ اليد تمتدّ نحوي بورقة وقلم، والقلم ينساب على الورقة كاتبًا أبيات قصيدة سرّيّة:

    لكِ، يا حرّيّة.!..

    في سجن ولدتِ

    وفي زنزانة كبرتِ

    نور أشعّة الشمس

    من خلال القضبان رأيتِ

الطّفلة "يوستينا- ليبرتاتا".

لا أستطيع بأقوالي أن أخفّف الآلام

    لأنّني في السّجن كنتُ ممنوعة من الكلام

   غنوةً لتنامي لم تشدو لكِ  أمُّك يومًا

    فقط دموعًا مرّة على جسدي سكبتُ ألمًا

    وأنت كبرتِ يا رحيقي

    فليكن الرّبّ حاميكِ

    ولتشرق قوّته وتعزّيكِ

    ساطعةً كشعاع شمس وتدفيكِ

    ثمّ، بعد صمت بدا لي أبديًّا، همس لي ذلك الصّوت السرّيّ: لكي تحفظي الأبيات ردّديها في ذهنك على نغم تحبّينه... ودخلت الحارسة فسألتني مع من أتكلّم، وإذ لم أجد ما أجيبها، قلت لها كلّ ما رأيت، فاتّهمتني بالكذب وبصقت عليّ. لم أجب بشيء، جلست على طرف السّرير محاولة أن أستعيد الأبيات في ذاكرتي. أدركتُ أنّه عليّ تسمية البنت الّتي ستولد "حرّيّة"، وأنّها ستبقى في السّجن معي وأنّنا لن نرى الشّمس إلى ما شاء الله.

    مرّة أخرى، جُرّرتُ إلى مكان سفليّ، مليء بأصوات بشر يتألّمون. طُرحتُ فوق بطّانيّة مليئة بالدّماء والأوساخ البشريّة. شملني خوف لم يسبق أن شعرته من قبل. أحسستُ بوجود أرواح شرّيرة. شرعتُ في الصّلاة، لأنّني كنتُ أُصارع لأجل الحياة الّتي تنمو بداخلي. لم يكن من حقّي أن أستسلم. وإذا بوجه أمّهيّ عذب يظهر لي في زاوية الغرفة، وتقول لي سيّدتنا "أمّ الرّأفة": "لماذا أنتِ خائفة.؟!. ألا تَرَين أنّني معكِ.؟!."، للحال شملتني تعزيتُها غير الموصوفة.!.. وإذ بالحارس يعطيني كأس ماء به غسلت يديّ، ثمّ كأس حليب. اندهشتُ لمرأى كأس الحليب. سألتُه إن كان لأحد النّاس الّذين أسمعهم يتعذّبون، وطلبتُ منه أن يعطيه لمن هو أكثر حاجة منّي. بدا لي هذا الحارس مختلفًا عن الآخرين، فأجابني أنّ كأس الحليب كان لأحد السّجناء الّذي مات للتوّ. للحال أخذتُه، دون أن أناقش أكثر، وتلقّفتُه كأنّه المناولة الإلهيّة، وقد شدّدني.!..

"يوستينا" مع والدها "نيقولاي".

    ليلة 18 أيلول 1958، وَلدتُ بنتًا في سجن "فاكاريشتي"، أسميتُها "ليبرتاتا(حرّية)-يوستينا". أمّا هم فغيّروا لها اسمها وتاريخ ولادتها في الوثائق الّتي كانوا قد وضعوها.!.. لم أرها إلّا بعد بضعة أيّام. لمّا أحضروها لي احتضنتها بحنان وخوف كبيرين. تفحّصتُها، هل هي كاملة.؟!. ما عدد أصابع اليدين والرّجلين.؟!. هل يعقل أن تكون كاملة صحيحة بعد التّعذيب الرّهيب الّذي عبرتُ به وهي في أحشائي.؟!. لم أستطع أن أرضعها، بسبب الالتهاب في صدري. وباستهتار كبير، قامت طبيبة بجرحي دون مخدّر، لإزالة القيح منه... لكنّ الرّبّ أمّن طعام "حرّيّة" بواسطة امرأتين من الغجر كانتا معي، تناوبتا على إرضاعها، متفائلتين أنّهما لأجل مساعدة "حرّية" سوف يساعدهما الله  في نيل "حرّيتهما".!..

    عرفتُ بعد حين أنّ أمّي مسجونة معي في نفس السّجن لكنّنا لم نتقابل أبدًا. وفي إحدى الاستجوابات العنيفة، إذ رفضتُ رفضًا قاطعًا أن أدلي بأيّة أسماء،  رأيتُ وجه أبي يشدّدني، وبعد محاولات عديدة من المحقّق أقرّ: "أنت رومانيّة حقّ لا غشّ فيكِ". مرّة أخرى في "جيلافا" أُصبتُ بجمرة خبيثة كانوا يدعونها "مرض جيلافا"، فبينما كانت كثيرات يتجنّبنني ويتمنّين التخلّص منّي كوني كنت مصدر وباء، أنعم عليّ الرّبّ بسيّدة ذات قلب رعتني كأمّ حقّانيّة. كانت تعطيني من حصّتها من الطّعام، وتمسح وجهي بالماء.  عندها، مرّة أخرى رأيتُ سيّدة الرّأفة، أمّ الكون،  تأمرني بتناول عقار ما شُفيت به على الأثر.!..

    إحدى الرّاهبات الطيّبات الّتي كانت معي في السّجن أخبرت زوجي أنّني ما زلتُ على قيد الحياة، وأعطتني منه مشطًا حفر على طرفه أنّ ابنتنا ما زالت حيّة، وهذا نفحني قوّة للكفاح بانتظار الحرّيّة.

"يوليانا" سنة 1989.

    العديد من أفراد عائلتي سجنوا. أنا وأمّي كنّا من خرجتا حيّتين. عادت أمّي لتجد أنّ منزلها ومنزلي منهوبان وفي حالة يرثى لها. قصدتُ المطرانيّة طلبًا للعون لأنّ أبي كان راعيًا معروفًا من قبل البطريرك وجميع الإكليروس، فكانت اللّامبالاة الّتي قوبلتُ بها أقسى ممّا عانيتُ في السّجن. لكنّ الحياة استمرّت...

    في جحيم السّجون الشّيوعيّة، شعاع الرّجاء الوحيد كان الإيمان.!..

    الإيمان الكامل بالله الكليّ القدرة والعدالة.!..

    الإيمان كان شعلة أبديّة تنير نفوسنا في تلك الظّلمات.!..

    الإيمان كان أعجوبة إلهيّة مزّقت أغلال اليأس الّذي سمّر آمالنا في ليل الأسر الطّويل.!..

    إيماننا الحيّ وحده خلّصنا.!..

    ألا أعطانا الله أن نحافظ عليه نقيًّا لأنّنا بدونه سنبقى تائهين في اليأس، وبه وحده تشرق على نفوسنا شمس الحقّ المخلّصة إلى الأبد. أمين.





المرجع:

https://www.marturisitorii.ro/2017/10/01/libertatea-s-a-nascut-in-inchisoare-mama-ei-iuliana-predut-constantinescu-a-plecat-la-ceruri-acum-15-ani-teribila-istorie-a-unui-familii-de-martiri-si-o-minune-cu-maica-domnului-indoliata-in-celul/

ترجمة عائلة الثّالوث القدّوس. دوما. لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share