إنَّ نعمة التوبة، هي انخطاف الروح إلى الله، إذ تكون مشدودة إليه بظهور "النور". في الفترة الأولى، لا يكون ذلك "النور" منظوراً، لكن، بدفئه، يبدأ القلب بفقدان قسوته. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).تستمدّ الصلاة قوّة كبيرة من الضغط المتولّد من الكره المبارَك للذات، وتصير الصّلاة شبه لهيبٍ حارٍّ متأجّجٍ، والروح تحيا، في وقت واحد، ظلمات وجحيم موتها، والرجاء بالله الذي يخلّصنا. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).التوبة عطيّة، بلا ثمن، مقدّمة للإنسانية. التوبة هي العجيبة السماوية التي صالحتنا مع الله، بعد أن سقطنا. التوبة هي دفق الإلهام وانسكابه علينا، والذي، بواسطته، نرتفع إلى الله، أبينا، حتى نحيا إلى الأبد في نور حبّه. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).إنّ الّذين خبروا الحبّ الألهي، من الطّبيعي لهم أن يختبروا قرفاً ورفضاً لتلك الرائحة المؤذية المهلكة، التي لشهوة الكبرياء. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).
سلسلة المعترفين الجدد(١٤١).

الأب "سيرجي ليبيديف" ورفقته.

+22 آذار 1938

الأب "سيرجي" وسحابات من الشّهود الجدد.

    في كانون الثّاني 1938، أوقفت السّلطات السّوفياتيّة كهنة رعيّة "أوختومسك" التّابعة لأبرشيّة "موسكو"، الآباء "سيرجي ليبيديف"، و"سيرجي تسيتكوف"، و"ألكسي سميرنوف"، و"ديمتري غليفنكو"، وتمّ قتلهم جميعًا بحسب شهادة زور.

    وُلد الشّهيد في الكهنة "سيرجي ليبيديف"في 3 تمّوز 1875 في موسكو في عائلة الشمّاس "بول ليبيديف"، خادم كنيسة القدّيسة "كاترينا" في "أوردينكا". كان للعائلة علاقات متينة بالشمّاس "ثيودور سولوفييف" الّذي أصبح فيما بعد ناسكًا مشهورًا في منسك "سمولنسك".

    سنة 1895، تخرّج "سيرجي" من معهد اللّاهوت وعمل مدرّسًا دينيًّا. سنة 1898 سيم كاهنًا وعيّن راعيًا لكنيسة دير "نوفوديفيشي". سنة 1901، انتقلت زوجته الخوريّة "صوفيا" إلى الرّبّ بعد أربع سنوات من زواجهما، تاركةً إيّاه وحيدًا مع ابنهما "بوريس" ذي السّنوات الثّلاث. مذ ذاك انتقلت أخته ووالدته للعيش معهما لتربية الطّفل.

الأب "سيرجي ليبيديف".

    أحزنه رقاد زوجته كثيرًا، لكنّه ذهب إلى أبيه الرّوحيّ، الأب "سيرجي" في دير "زوسيموف"، سائلًا نصيحته ما هو الأفضل أن يفعله في المستقبل، هل يبقى في دير الرّاهبات(لأنّ كهنة الأديرة النّسائيّة في ذلك الزّمان كانوا من المتزوّجين) أو ينتقل إلى مكان آخر. فكان جوابه: "الأفضل أن تبقى مع الحمام لا مع الذّئاب". وقد ساعده هذا الأخير كثيرًا في تخطّي حزنه على زوجته، ويروي ذلك على النّحو التّالي: "مرّة التقيتُ الأب "ألكسي" في لافرا القدّيس "سيرجيوس"، وبعد صلاة السّهرانة فتح لي صندوق رفات القدّيس وبعد أن أكرمتُها سألني والدّموع في عينيه:

    - ماذا شعرت يا ابني "سيرجي" وأنت تقبّل الرّفات.؟!.

    - شعرتُ يا أبي أنّني أضع رأسي على باقة من الورود، وغمرت البهجة قلبي.

    - أنتَ مبارك من الله يا بنيّ لأنّ قليلين معطون أن يختبروا ذلك.

الأب "سيرجي ليبيديف" في دير "نوفوديفيشي".

    من تلك اللّحظة، يخبر الأب "سيرجي" أنّ حياة جديدة أخذت بالتّدفّق في عروقه، وأخذ يتوق إلى الحياة الرّهبانيّة، لكنّ والدته إذ لاحظت ذلك طلبت منه ألّا يقوم بذلك قبل أن ترقد هي. قَبِلَ بذلك لكنّ حياته باتت محصورة في اهتماماته الرّعائيّة والرّوحيّة فقط. لاحظ الأسقف دقّة حياة هذا الرّاعي فسلّمه تدريب بعض طلّاب اللّاهوت. جذبت مواعظه المؤمنين، وصار محطّ أنظار من داخل الكنيسة وخارجها على السّواء. في إحدى مواعظه قال: " ما أَبْهَتَ فرح حياتنا المعاصرة.!.. الكسل تسرّب لا فقط إلى النّفوس اللّامبالية بل إلى نفوس المؤمنين أيضًا. متطلّبات الحياة يومًا بعد يوم تصبح أكثر فذلكة وتنوّعًا. توغّلت الحياة العصريّة لا فقط في المدن بل بلغت الرّيف أيضًا. كم تتنوّع معارض الفنّ من رسم ونحت وحلقات الدّراسات التّاريخيّة والعلميّة... ولكم فتحت الكهرباء من آفاق. نتكلّم مع بشر بعيدين مئات الكيلومترات عنّا، وما نلبث أن نرى صورهم... لكن، وسط كلّ ذلك يسود جوّ من عدم الرّضى، نوع من الفقر، والحزن، والضّجر، والملل، واليأس. ولماذا ذلك كلّه.؟!.. لأنّه مع تقدّم الحياة في المجتمع، تنمو لا مبالاة عظيمة بأسرار الإيمان والفرح الّذي تعطيه هذه الأسرار. تحيد قنوات الحياة شيئًا فشيئًا عن أشعّة شمس المسيحيّة، مصدر الدّفء الحقيقيّ البَهِج. العلم والفنّ، والحياة السّياسيّة والاجتماعيّة بكلّ تفرّعاتها، كلّها يجب أن تنبع من نعمة المسيح، وهي تنعش الحياة الإنسانيّة، لكنّها ها هي تحاول التملّص من حضور الله، وتخجل أن تعترف به، فلا غرو أن تحيد حياتنا الرّوسيّة التّقليديّة عن مسارها. أصبح البشر أكثر وأكثر عبيدًا لظروف الحياة الخارجيّة، والنّضال لأجل الحياة يزداد حدّة، والصّراع لأجل العيش، والسّلطة، والقوّة، والنّزاع لأجل الأهواء والكبرياء، والاجتهاد لأجل كلّ ما هو تافه وسطحي.

الأب "سيرجي ليبيديف" في أوّل اعتقال له.

     من دون أدنى شكّ، إنّ تغرّب المُثُلِ المسيحيّة عن ماجريات الحياة اليوميّة هو مصدر الاضطراب الكبير وكلّ أنواع الإحباطات والفشل. وسبب كلّ ذلك، أنّ ضمير الإنسان المعاصر لم يعد يعتبر الأسرار الإلهيّة وقوّة الرّوح القدس المحيية مصدر حياته الأخلاقيّة ونشاطه الإنسانيّ... بات النّاس يعتمدون على قواهم الطّبيعيّة واعتباراتهم الخاصّة، ويحاولون أن يقوّموا ما هو شرّير في حياتهم بطرق وأدوية من صنعهم الخاصّ. من الواضح أنّ ما من خير يُرجى من كلّ ذلك، وإنّ ضلال هذه الطّريق ظاهر لأعيننا جليًّا، من خلال الشّعور المسيطر بعدم الرّضى في الحياة وتزايد الآلام باطّراد. بكم من الأسى ننظر آلام البشر، وما أمرّ وأقسى الشّعور أنّ ما من أمر خارجيّ بإمكانه مساعدتهم.!.. لماذا.؟!.. لأنّ هذا كان معروفًا حتّى من أحد المتنوّرين من قبل المسيح (أحد الرّومان)، أنّ شرّ العالم متموضع في جذر الحياة البشريّة ذاته، ولا شفاء له بأيّ جهود مميّزة، أرضيّة إنسانيّة، شفاؤه موجود فقط في دواء جذريّ، "إن كنتَ للآثام راصدًا يا ربّ، يا ربّ من يثبت". (مز103: 30)

الأب "سيرجي ليبيديف" في سجن "تانغسكايا" قبل مقتله. 1938.

    ظهر البعد النّبويّ لكلمات الأب "سيرجيوس" حين طلب من أبنائه الرّوحيّين أن يحافظوا على إيمانهم بالمسيح حتّى "في مواجهة السّجن، والاضطهاد، والجوع، والمخاوف من الإخوة الصّادقين والمزيّفين، وتحت سيف الجلّاد. تذكّروا سحابة شهداء الزّمن الأول، وأعيدوا قراءة سيرهم، هل تركهم المسيح بدون مساعدة.؟!.. هل تحقّق كلامه فيهم.؟!. كلّهم اختبروا قربه منهم ببهجة إلهيّة جعلتهم يقبّلون أدوات التّعذيب والموت... وهذا قربّهم أكثر فأكثر من الّذي بعد صعوده إلى السّموات، هيّأ لهم بمحبّة أبويّة "منازل كثيرة".

الأب "سيرجي ليبيديف" مع بعض الأخوات المعترفات من دير "نوفوديفيشي".

    سنة 1920، رُفِّعَ الأب "سيرجي" إلى رتبة أرشمندريت. سنة 1922، تمّ توقيفه بتهمة مقاومة قرار تأميم الممتلكات الكنسيّة. اتُّهم بالتّدخّل في قرارات الهيئة المركزيّة التّنفيذيّة في كلّ روسيا و"بأنّه عضو في مجموعة إجراميّة مكوّنة من الإكليروس الرّفيع الشّأن برئاسة البطريرك السّابق تيخن". وأُضيف إلى ذلك اتّهامه بنشر تعليم البطريرك تيخن  وتحريض المؤمنين على مقاومة السّلطة السّوفياتيّة الحاكمة.

الأب "سيرجي تسيفتكوف".

    حُكم عليه بالسّجن لسنة ونصف، ثمّ أُطلق بعفو عام قبل انتهاء المدّة. إثر إغلاق دير "نوفوديفيشي" خدم في رعيّة في موسكو. سنة 1931 أُلقي مجدّدًا في سجن "بوتيركا"، إثر اتّهامه بأعمال معادية للسّلطة بسبب نشر صورة له في مجلّة "نيو يورك تايمز" وهو يبارك الشّعب المؤمن المجتمع في الدّير، وقد كُتب تحتها "الأب "سيرجي" المعروف،  يتمّم خدمته الكهنوتيّة بتفان". كان جوابه: "أنا في شركة قانونيّة مع المتروبوليت "سيرجيوس". لست أقوم بأيّة أعمال معادية للسّلطة، ولا أنظّم اجتماعات غير قانونيّة. وإن كانت قد نشرت لي صورة في صحيفة أجنبية، فأنا لستُ مسؤولًا عن ذلك ولا علم لي بالأمر".

الأب "ألكسي سميرنوف".

    مع ذلك تمّ الحكم عليه بثلاث سنوات من النّفي، فأخذ يتنقّل بين المناطق في ظروف شاقّة. قال في ذلك: "نسير مع حرمان تام من الطّعام والرّاحة". لكنّه كان يحرص على متابعة صلواته وقراءاته مع كهنة منفيّين آخرين. وإن تسنّى له الأمر كان يشترك في القداديس الإلهيّة.

    بعد إتمام مدّة نفيه، عاد إلى موسكو حيث خدم في كنيسة القدّيسين "بطرس وبولس" في موسكو وقد زفّ الخبر لذويه هكذا: "في عيد والدة الإله "الفرح غير الموصوف"، تلقّيتُ فرحًا غير موصوف بأنّني أستطيع أن أعيش في أيّة منطقة من موسكو"، وعاشت معه أمّه وأخته. سنة 1938 اعتقل مجدّدًا. جثا أمام أمّه وقال لها: "يا أمّي، لن نلتقي مجدّدًا في هذه الحياة ".

    خلال الاستجواب قال له المحقّق:

الأب "ديمتري غليفنكو".

    - بحسب تقاريرنا أنت استلمت أمرًا بقيادة أعمال معادية للثّورة، هل تعترف بذلك.؟!.

    - أنكر ذلك لأنّني لم أتلقَّ أيّ أمر.

    بناءً على شهادة زور، تمّ الحكم على الأب القدّيس مع ثلاثة كهنة آخرين:

    الأب "سيرجي تسيفتكوف" الّذي كان كاهنًا في إحدى كنائس موسكو ومعلّمًا للإيمان المسيحيّ في بعض المدارس. وقد مُنح صليبًا تقديرًا لجهوده الرّعائيّة. أُلقي عليه القبض، سنة 1920 لأوّل مرّة مع ابنه "نيقولاي" الّذي تمّ رميه بالرّصاص على الفور كونه جنديًّا في جيش القيصر. بقي الأب لثلاثة أسابيع في السّجن ثمّ أُطلق. أوقف مجدّدًا سنة 1938، وفقًا لشهادة الزّور ذاتها الّتي قُدّمت ضدّ الأب "سيرجي ليبيديف". نفى كلّ التّهم الّتي وُجّهت ضدّه، لكنّ الحكم الموجّه ضدّ الأب "سيرجي" شمله، مع الأبوين المشهود لهما بنشاطهما  الرّعائيّ ومحبّتهما المسيحيّة: الأب "ألكسي سميرنوف"، و "ديمتري غليفنكو". وقد تمّ تنفيذ الحكم في 22 آذار 1938، وألقيت أجسادهم المكرّمة في مدفن غير معروف في أرض "بوتوفو" قرب موسكو. ضمّتهم الكنيسة إلى لائحة الشّهداء الجدد سنة 2000. شفاعتهم تعضدنا. آمين.!..





المرجع:

https://azbyka.ru/days/sv-sergij-lebedev-1

ترجمة عائلة الثّالوث القدّوس. دوما. لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share