إنَّ نعمة التوبة، هي انخطاف الروح إلى الله، إذ تكون مشدودة إليه بظهور "النور". في الفترة الأولى، لا يكون ذلك "النور" منظوراً، لكن، بدفئه، يبدأ القلب بفقدان قسوته. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).تستمدّ الصلاة قوّة كبيرة من الضغط المتولّد من الكره المبارَك للذات، وتصير الصّلاة شبه لهيبٍ حارٍّ متأجّجٍ، والروح تحيا، في وقت واحد، ظلمات وجحيم موتها، والرجاء بالله الذي يخلّصنا. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).التوبة عطيّة، بلا ثمن، مقدّمة للإنسانية. التوبة هي العجيبة السماوية التي صالحتنا مع الله، بعد أن سقطنا. التوبة هي دفق الإلهام وانسكابه علينا، والذي، بواسطته، نرتفع إلى الله، أبينا، حتى نحيا إلى الأبد في نور حبّه. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).إنّ الّذين خبروا الحبّ الألهي، من الطّبيعي لهم أن يختبروا قرفاً ورفضاً لتلك الرائحة المؤذية المهلكة، التي لشهوة الكبرياء. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).
سلسلة المعترفين الجدد(١٤٢).

الأب المتباله لأجل المسيح "نيل دوروبانتو"

1 آب 1920- 27 آذار 1977.

"إذا كانت الحياة الآتية لا نهاية لها، فلماذا نحن مجانين، وجاحدون، وغير مستعديّن للحياة الأبديّة.؟!."

ولد "نيقولاي دوروبانتو" في 1 آب 1920، في منطقة "ميهيدينتي" الرّومانيّة. في سنّ الرّابعة عشرة، كما روى فيما بعد، كانت له رؤيا لنور هبط من السّماء وغلّفه، وحدث ذلك في طفولته مرّتين. عمّه، الّذي كان ضابطًا في القصر الجمهوريّ اتّخذه، وهكذا نشأ إلى جانب الملك "ميخاي". ومن ثمّ انتسب إلى الكلّيّة الحربيّة وتعيّن في الحرس الإمبراطوري.

"نيقولاي" بين أبويه.

    في أوّل سنة له في الكلّيّة التقى الأب "أرساني بوكا" سنة 1940، إثر مهمّة له في جبال "فاغاراس". تعلّم منه صلاة الذّهن. قبل أن يفترقا أعطاه الأب "أرساني" قطعة قربان، قال إنّه لمّا تناولها اجتاحته قوّة مجلّية شملت كيانه، فقرّر ترك العسكريّة إلى الرّهبنة.

    في سنته الأولى كُتِبَ في ملفّه أنّه عسكريّ واعد بإمكانه أن يبلغ مراقي عالية في مهنته. في السنة الثانية والثالثة كُتب: "الشابّ دوبرانتو مجنون"، ثمّ "لم يعد الشابّ دوروبانتو يطيع الأوامر". وقد صرّح هو نفسه: "لقد تشوّفتُ منطقيًّا لخروجي من العسكريّة". وقد سعى إلى ذلك فعلًا، وهرب عبر الجبال عائدًا إلى بيته. ولاجتناب المتاعب مع المدرسة الحربيّة أعلنه عمّه مريضًا عصبيًّا واستاقه إلى المستشفى حيث شخّصوه مصروعًا.

"نيقولاي"(الثّاني من اليسار) مع أخيه "جورج" في إحدى الحفلات الرّاقية.

    بعد ذلك بقليل، دخل الشابّ إلى ثلاث كلّيّات معًا: الفلسفة، والآداب، واللّاهوت، وهناك اعتُبر نابغة. خلال دراسته، لاحظه راهب من دير "شيرنيكا" ولفت نظر المتروبوليت إليه، ثمّ عهده للأب المعترف "بينيديكت غيوس" الّذي التصق به وخاصّة عندما تعرّض للاضطهاد.

    سنة 1949 أصبح "نيقولاي" الأب الرّاهب "نيل" وأقام الأربعين قدّاسًا في دير "فلاديميريشي"، الّذي كان مركزًا للأرثوذكسيّة لمقاومة البولشيفيّة، ومركزًا للصّلاة والحياة الرّوحيّة. فقرّر الانضمام إليه لكنّه اتّبع نهج حياة مختلفًا عن الآخرين: التّباله لأجل المسيح.!..

الأب الرّاهب "نيل".

    كان يسرق أحذية الأساقفة الزوّار ومأكلهم وعند سؤاله عنهم كان يجيب أنّه أعطاها للفقراء... كان يحاول بطريقته إتمام وصايا المسيح. عُرف بـ"الحافي القدمين".

    بعد نيله الإسكيم الكبير، دخل الأب "نيل" في مواجهة مع السّلطات الملحدة وهذا ما ورد عنه في سجلّاتهم: "إنّ المتّهم مكرّس ذاته للعمل الأرثوذكسي، ويعمل بغيرة غير معتادة، وقد أحرز تأثيرًا كبيرًا على من حوله. ليس لديه مقرّ ثابت، يُعتبر ناسكًا. يظهر ويختفي. يعظ كأنّه لهيب شعلة حارّة... محبوب من المؤمنين، معظمهم يعتبره قدّيسًا... رجل طويل، أشقر يحمل أغلالًا ولديه شارب عريض أشقر. لا لحية له صوته حادّ"...

    كان المطران "ثيوفيلوس هيرينيو" يكنّ له محبّة كبيرة وقد وصفه على الشّكل التّالي: "يعيش بطريقة فريدة إن لم تُفهم كما يجب ممكن أن تؤذي الكنيسة والمجتمع. على الصّعيد المادّي، يعيش في غربة كلّيّة. ملتهب الغيرة على الدّوام، يقظًا... غير مُجرّب باللّذات الجسديّة من أيّ نوع، وليس رهينة للكبرياء.لديه الكثير من وداعة الحمام والقليل من حكمة الحيّات. بالشهادات الّتي يملكها بإمكانه أيضًا أن يكون مفيدًا جدًّا للكنيسة".

الأب "نيل".

    سنة 1964، لكي ينجو من رقابة المخابرات طلب من أحد القادة العسكريّين، أصدقاءه، تسجيله ميتًا. بين العامين 64 و71 كان بسلام في بيته الأبويّ، وهذا سمح له بكتابة العديد من الكتب العلميّة والاجتماعيّة والفلسفيّة والاقتصاديّة...

    كان الناس يقبلون إليه للاعتراف وكان يتعهّد الكثير من الحالات الصّعبة. دقيقًا فيما للخطيئة وقريبًا من قلوب النّاس لتعزيتها. كان يحمل على ظهره، على الدّوام، جعبة تحتوي كلّ مستلزمات القدّاس الإلهيّ. وكان يلبس تحت ثيابه دائمًا بطرشيلًا وحجرًا حتّى إذا ما صادف أحد طالبي الاعتراف استطاع مساعدته. لذلك قيل "الأب نيل يتجوّل حاملًا الكنيسة على ظهره". لم يؤلمه في السّجن سوى عجزه عن إقامة الخدمة الإلهيّة. كانت صلواته تدوم حتّى إلى ثماني ساعات. وهربًا من تعقّب المخابرات كان دائمًا يجيب إنّه آت من السّماء وراحل إليها.

إيقونة للأب "نيل" حاملًا الكنيسة على ظهره.

    لم يُعتبر الأب "نيل" يومًا شخصًا "منضبطًا سياسيًّا" بنظر السّلطة، الّتي كان مقاومًا دائمًا لها رافضًا أيّة مساومات. لا فقط السّلطة القوميّة، بل بالدّرجة الأولى انتقد موقف السّلطة الكنسيّة الّتي تحت الضّغط الكبير الّذي تعرّضت له في تلك الآونة رضخ أعضاؤها للمساومات، فكان الأب "نيل" يوبّخ من تركوا المذابح المقدّسة خوفًا، خاصّة بعد سنة 1959 عندما أُجبر الرّهبان والرّاهبات على مغادرة أديرتهم. كانت دعوته لكلّ الإكليروس بعدم مفارقة الكنائس، وأن يمكثوا فيها وليموتوا على المذابح، ويصبحوا شهداء، وللرّهبان أن يبقوا أمناء للنّذور الّتي قطعوها. ما كان يغيظه بالأكثر هو إحجام بعض الكهنة عن مناولة الشّعب خوفًا من السّلطة. كان يقول: "لماذا تبقون المسيح مسجونًا؟ لم يأتِ المسيح ليمكث في الكأس. لقد أتى ليسكن في الإنسان. لماذا تمنعون الكأس المقدّسة عن النّاس.؟!." وكانت كلماته هذه تحرّك غضب السّلطات فينال ضربًا كثيرًا.!..

الأب "نيل" في إحدى فترات اعتقاله.

    بحسب شهادات عديدة، عندما كان الأب "نيل" يعظ كان يوجد مغلّفًا بالنّور مرتفعًا عن الأرض، وعندما كان يهرب من أمام وجه المخبرين كان يسير بخطى واسعة كأنّه يطير. مرّة حجزه المخبرون في كنيسة وإذ عادوا ليستاقوه لم يجدوه هناك، كان يظهر ويختفي حسب رغبته، ومرّة ثانية رسم إشارة الصّليب على أصفاده فانحلّت من ذاتها، فخاف الحرّاس وهربوا وعاد هو إلى ديره.

    ويروي الأب "نيل" بعضًا ممّا واجه في إحدى الاستجوابات:

الرّاعي الصّالح حَمَلُ "رئيس الرّعاة".

    بين المحكومين وحاملي الأصفد الّذين اجتمعوا في غرفة المحكمة، كنت أصيح: "توبوا فقد اقترب ملكوت السّموات". استاقوني إلى الانفرادي، ثمّ إلى غرفة مدير السّجن لأنّني كنتُ أرسم إشارة الصّليب بشكل متواتر. قلتُ لهم إنّ كلّ ما أقوله هو معطى لي من المسيح، لكنّهم لم يصدّقوني. كنتُ أرمي سجائرهم. حاولوا منعي من رسم إشارة الصّليب لكنّني كنتُ أكثر من رسمها بالأكثر لأنني كنت أشعر بوجود أرواح خبيثة... ولأجل ذلك كانوا يعيدونني إلى الانفرادي. حاول أحد المحامين الدّفاع عنّي.  قلتُ له: "أنت تدافع عنّي. صلِّ لأجلي لأدافع عنك أنا أمام منبر الديّان العادل. كيف بإمكانك أن تدافع عن المسيحيّة إذ ما كان المسيحيّون المزيّفون أنفسهم هم  قد أسلموني... أنا لا أحتاج إلى محام لأنّني كاهن للرّبّ العليّ لي السّموات حمًى.!.. إذا أرادني المسيح أن أصعد إلى الجلجلة، سوف يسمح لي أن أعلّق على الصّليب كما سمح الآب السّماويّ بتعليقه هو". كنت دائمًا أرسم إشارة الصّليب على وجهي وبلساني على سقف حلقي، وقلبي كان يصلّي وذهني ينزل إلى قلبي أمام الله، ونَفَسي يجاهد في الصّلاة الدّاخليّة، وكنتُ أشعر أنّني مشمول بحضور الله الكليّ القدرة.

    في إحدى الاستجوابات سألوني: مع من كنت في تواصل؟ ماذا كنت تأكل في تلك الرّحلة؟

الأب "نيل" مع المؤمنين .

    أجبت: كنتُ مع المسيح، وكنتُ أتناول المسيح.!.. سألتهم: "ماذا وجدتم لديَّ، قنابل؟ أسلحة.؟!.. لديّ فقط الصّليب المقدّس والكنيسة المضطهدة.!.. بماذا يغضبكم مسيحي.؟!.. لا تخافوا، لن أعطيكم مُلكًا بل الله.!.. المسيح انتشلكم من الفقر، من السّجون، وحباكم سلطة وصحّة.!.. عليكم أن تبنوا الكنائس وترفعوه في الإيقونات بدل أوثانكم على الجدران.!.. صليبه مرئيّ في كلّ شيء حولنا، على البلاط، على الجدران، على النّوافذ... ارفعوا الصّليب الّذي تخفونه خوفًا تحت الطّاولات وأظهروه مصلوبًا.!.. لماذا أبعدتموه عن المدارس والمؤسّسات؟ دعوا الأطفال يقبلون إلى المسيح.!..

    كان المادّيّون الملحدون أقوياء في الحقد والخطيئة. لا يصنع الشّيطان والموت سوى الكوارث، والإحباط، والموت والحرب. ورغم أنّني كنتُ امامهم مقيّدًا، كانوا بدل أن يتّهمونني يقومون باتّهام ذواتهم، حتّى الشهود الّذين جمعوهم كانوا يشهدون لصالحي. احتاروا بأمري، لم أكن المتّهم، كان المسيح، لكن المسيح يحكم ولا أحد يَحكم عليه.!..

    دعوني مجنونًا وأنا كنتُ مجنونًا لإلهي".!..

    الأب "إيون نيستوران" كاهن الرّعيّة حيث كان يتوارى الأب نيل يُخبر عن نهاية هذا الأب البارّ. " لم يكن الأب "نيل" كما زعموا إنسانًا غريبًا، بل كان رجلًا حقّانيًّا لله. كان كلامه ناريًّا. لم يتذمّر يومًا من حجم العذاب الهائل الّذي واجهه في السّجون. أوقف مرّات عديدة وضُرب. مرّة إذ أعادوه سنة 1977 من سجن "فرانكيا" كان صدره وظهره مسودّين من البقع جرّاء الضّرب. لم يكن يسمح سوى لأخته بمساعدته، رحل بعد ذلك بأيّام قليلة. لمّا رأيت جسده الهزيل الصّغير ممدّدًا، بكيتُ. غسلتُ له جسده وجهّزتُه للدّفن. ألبستُه لباسًا مدنيًّا وأقمتُ عليه رتبة الجنّاز الأرثوذكسيّة. اختفى جسده من قبره. قالوا إنّ المخابرات سرقوه أو أنّ الله نقله.!!. الله أعلم.

المدفن الفارغ للأب "نيل".

    بما أنّ الأب "نيل" كان شخصيّة مثيرة للجدل، مكرّمًا من البعض ومحطّ تسآل للبعض الآخر، قام الأب "إيونيل بورزاني" بدراسة عنه انطلاقًا من الوثائق المتعلّقة به في ملفّات المخابرات، وخبرات شخصيّة لبشر عرفوه شخصيًّا، ومن خلال كتاباته أيضًا. بعض من عرفوه كانوا محتفظين بأغراض شخصيّة له في بيوتهم. كتاباته الّتي بلغت ال9000 صفحة توزّعت على تلاميذه حتّى لا تتلفها المخابرات، وحفظها أصحابها بعناية فائقة. كلّ واحد كان يعلم من يملك الصّفحة السّابقة لما معه هو. جاب الأب "إيونيل" البلاد لأجل تجميع كتابات الأب "نيل"، وكان في سعيه هذا يهدف إلى جمع المعلومات اللّازمة وفي نيّته تقديم أبحاثه إلى المجمع المقدّس سعيًا لإعلان قداسته. شفاعته تعضدنا أجمعين. أمين.





المرجع:

https://ovidiunacu.wordpress.com/2020/08/10/procesul-sf-nil-dorobantu/

ترجمة عائلة الثّالوث القدّوس. دوما. لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share