إنَّ نعمة التوبة، هي انخطاف الروح إلى الله، إذ تكون مشدودة إليه بظهور "النور". في الفترة الأولى، لا يكون ذلك "النور" منظوراً، لكن، بدفئه، يبدأ القلب بفقدان قسوته. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).تستمدّ الصلاة قوّة كبيرة من الضغط المتولّد من الكره المبارَك للذات، وتصير الصّلاة شبه لهيبٍ حارٍّ متأجّجٍ، والروح تحيا، في وقت واحد، ظلمات وجحيم موتها، والرجاء بالله الذي يخلّصنا. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).التوبة عطيّة، بلا ثمن، مقدّمة للإنسانية. التوبة هي العجيبة السماوية التي صالحتنا مع الله، بعد أن سقطنا. التوبة هي دفق الإلهام وانسكابه علينا، والذي، بواسطته، نرتفع إلى الله، أبينا، حتى نحيا إلى الأبد في نور حبّه. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).إنّ الّذين خبروا الحبّ الألهي، من الطّبيعي لهم أن يختبروا قرفاً ورفضاً لتلك الرائحة المؤذية المهلكة، التي لشهوة الكبرياء. (الأرشمندريت صفروني سخاروف).
نقاط على الحروف
كلام الجَوعى
إلى الله.!..

"وأُبقي بقيّة... يذكرونني... إذا كسرتُ
قلبَهم الزّاني الّذي حاد عنّي... ومقتوا أنفسَهم
لأجل الشّرور الّتي فعلوها... ويعلمون أنّي...
لم أَقُل باطلًا إنّي أفعل بهم هذا الشّرّ"!.
(حزقيال 6: 8 - 10)

   

   "... فاختبأ آدم وامرأته... فنادى الرّبّ الإله آدم: أين أنت؟... فقال، ...لأنّي عريان اختبأت" (تكوين 3).

    لمّا كان آدم، في روحه، واقفًا أمام الله، خاطبه الله وجهًا لوجه، كأليف له، كصديق. فلمّا دخل آدم في المعصية اختبأ، فلم يعد الله يراه. أضاعه. لذا بحث عنه. أين أنت؟. كيف؟. أتُرى ثمّة مكان ليس مكشوفًا لعين الله؟. أجل!. أين؟. الخطيئة!. متى اختبأ الإنسان فيها، لا يعود الله يراه!. لكنّه يبحث عنه!. يناديه لأنّه محبّة!. وما يكون حال آدم في سكوته، في صمته المريب؟. يبلى، يشقى، يألم... "من أجل أنّي سكتّ بليت عظامي من أنيني طول النّهار..." (مز 31: 3). كأنّه في الجحيم، أو كأنّ بذرة الجحيم، الخطيئة، تقيّحت فيه... هناك يكون البكاء وصريف الأسنان!.

    مِمّ تبلى العظام الرّميمة؟. من ثقل يد الله عليها!. هذا وفق المزموريّ. "لأنّ يدك ثقلت عليّ نهارًا وليلًا" (31). ولكنْ، حِمْلُ الله خفيف، كما أبان يسوع - نيري ليِّن وحِمْلي خفيف -، فمِن أين الثِّقل؟. من الخطيئة!. هذا شعور المريض بما هو صحيح!. حين لا تعود النّفْس قادرة على امتصاص مراحم الله، يصبح ما لله ثقيلًا ولا أثقل!. الخطيئة تصدّ عمل النّعمة في النّفس!. وماذا تكون المحصّلة؟. "فغَدَوت شقيًّا جدًّا" (31: 4ب)!. من دون النّعمة يتعطّل الإنسان. الطّاحونة بحاجة إلى الرّيح (الرّوح) لتعمل، ولو كان كلّ شيء فيها قابلًا لأن يعمل!. "الجسد لا ينفع شيئًا. الرّوح هو الّذي يُحيي". "باطل الأباطيل، قال الجامعة، الكلّ باطل" (جا 12: 8)... لذلك "اتّق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كلّه" (12: 13)!.

    ويستطرد صاحب المزّمور 31: "فرجع الألم إلى صدري لكي يقتلني" (4ج). إذا كان ليرجع، فهذا يعني أنّه كانت له بداية. فأين البداية؟. بداية الألم كانت لمّا غادر آدم، بالخطيئة، نعمة الله!. لا أوجع من خسران النّعمة بعد أن تكون فيها!. يولد المرء لهذا العالم باكيًا، ويبقى، طول عمره، يستذكر أيّام الرّحم!. "ارحمني يا الله بعظيم رحمتك...". لا العودة إلى رَحم الأمّ هو المرتجى. هذه صورة، لا أكثر، بل العودة إلى قلب الله!. ينمو ابن آدم، في الحَشا، من القلب، بالتّناضح...

    هذا الشّقاء الكبير كائن ليعود الإنسان إلى نفسه، بعد ارتحاله إلى بلاد بعيدة!. قال: أقوم، أعود إلى أبي!. إلى مَن نذهب، يا معلّم؟. كلام الحياة الأبديّة عندك!. شقاء الغربة أوّلًا!. اشتهى، جوعًا، أن يأكل من خرنوب الخنازير، فلم يعطِه أحد!. ثمّة حدّ تبلغه الخطيئة، متى انتفى كلّ وقود لها، تستحيل معه جحيمًا، بالمعنى الأوسع للكلمة!.

    وكان التّواضع، وكانت التّوبة!. طوبى لمَن اتّضع ووعى إفلاس الخطيئة وتاب وعاد واعترف، هذا يكون قد وجد طريق الخلاص، المخلِّص. لمّا وعى آدم عريه، أوّل أمره، كان هذا عريَ خطيئته، فلمّا قرأ، في كيانه، خواء خطيئته، لم يعد له ما يُخفيه، أو يختفي فيه. لذلك عاد إلى نفسه. عمليًّا لا فرق بين العودة إلى النّفس والعودة إلى الله. التّوبة هي الطّريق، والطّريق هو مسيح الرّبّ. هذا أنا يا معلِّم، فاجعلني إليك، إيّاك!. "أنا اعترفتُ بخطيئتي ولم أكتم جريرتي. وقلتُ إنّي أعترف للرّبّ بذنبي، وأنتَ صفحتَ عن خباثة قلبي" (مز 31: 5). بمجرّد أن انعطف كياني إليك، حتّى قبل أن أعترف بلساني، صفحتَ عنّي!. "أعطني قلبك يا بنيّ"!. "وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه فتحنّن وركض ووقع على عنقه وقبّله!. هذا ربّك!. مَن يَحكُم على نفسهِ يبرئه ربّه، برًّا وبُرءًا!.

* * * * * * *

    علامات الزّمان، في طاقتنا، بنعمة الله، أن نتبيّنها. "إذا كان مساء قلتم صحو لأنّ السّماء محمرّة. وفي الصّباح، اليومَ شتاءٌ، لأنّ السّماء محمرّة بعبوسة" (متّى 16: 2 - 3). السّيّد الإله، ابن الإنسان، ظهرت منه كلّ العلامات، وفق ما تفوّه به الأنبياء. رغم ذلك لم يشأ الفرّيسيّون والصّدّوقيّون أن يصدّقوه. استمرّوا يطلبون الآية تلو الآية ليُجرِّبوه، ليُوقعوا به، وليتخلَّصوا منه. فماذا قال المعلِّم فيهم؟. "جيل شرّير فاسق" (4)!.

    ما علامات الأزمنة، في الأيّام الأخيرة؟. ثمّة كلام عنها، هنا وثمّة، في الكتاب المقدّس. الرّسول بولس، في رسالته الثّانية إلى تيموثاوس يتحدّث عن أزمنة صعبة، في الأيّام الأخيرة. ما ميزة تلك الأزمنة؟. يتكلّم على الصّبغة العامّة الّتي يصطبغ بها النّاس، في خطّ قول لوقا البشير: "متى جاء ابن الإنسان [في مجيئه الثّاني] ألعلّه يجد الإيمان على الأرض" (18: 8)؟. أولى ميزات الأيّام الأخيرة هذه أنّ النّاس فيها يكونون محبّين لأنفسهم، ثمّ محبّين للمال، ثمّ متعظّمين، مستكبرين، مجدِّفين. هذا هو المثلّث الّذي ينجم عنه كلّ رداءة. قول الحيّة لآدم وحوّاء: "الله عالم أنّه يوم تأكلان منه [ثمر الشّجرة الحرام] تصيران كالله..." (تك 3: 5)، لن تموتا، كما قال، هذا القول يبلغ فعلُه، في الجنس البشريّ، في الأيّام الأخيرة، مداه الأقصى!. يحبّون أنفسهم، عمليًّا يعبدون أنفسهم. هذا يتجلّى في حبّ المال، أصل كلّ الشّرور. إذا كان أنّ لله "الأرض وكلّ ما فيها"، فإنّ الإنسان، بنَفَس الحيّة، يضع يده، بالمال، على الأرض وكلّ ما فيها!.

    فلا عَجَب، إذًا، إن أحبّ عابدُ نفسِه المالَ. لكن الطّمع هو عبادة الأوثان. وحيث لا إله يكون المال. لا خيار ثالث. لذا، محبّة المال تلد التّعظّم، وتُفضي إلى الكبرياء، والمحصّلة الأخيرة التّجديف على اسم الله!.

    كلّ شيء، تفصيلًا، بعد ذلك، يكرّ كرًّا: غير طائعين لوالديهم، غير شاكرين، دنسين، بلا حنو، بلا رضى، ثالبين، عديمي النّزاهة، شرسين، غير محبّين للصّلاح، خائنين، مقتحمين، متصلّفين، محبّين للذّات دون محبّة الله. ويختم الرّسول بقولة لا أدلّ فيها على الخواء الكامل. هو لا يتكلّم عن عامّة النّاس، بل عن المعتَبَرين "مؤمنين"، في الأيّام الأخيرة. هؤلاء تكون "لهم صورة التّقوى، ولكنّهم منكرون قوّتها" (2 تيم 3: 5). ويُردف بخاتمة: "فأعرِض عن هؤلاء" (5 ب). كلام إلى تيموثاوس، وفي آن أكبر من تيموثاوس!. مذ ذاك بدأ، والآن كأس الإثم يمتلئ!. "سرّ الإثم الآن [مذ ذاك] يعمل" (2تسا 2: 7). ذروة محبّة المال الجلوس في هيكل الله كإله!. هذا يذكّر بكلام بولس لقسوس كنيسة أفسس: "بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرّعيّة..." (أع 20: 29). الارتداد ليس العودة إلى العالم فقط، بل عبادة ابن الهلاك، إنسان الخطيئة!.

    فلأنّ النّاس، هذه تكون حالهم، محبّين للمآثم، يمارس الشّيطان حيالهم "خديعة الإثم"!. ولأنّهم لم يقبلوا محبّة الحقّ حتّى يخلصوا، يُرسِل إليهم الله "عمل الضّلالة حتّى يصدّقوا الكذب، لكي يُدان جميع الّذين لم يصدّقوا الحقّ، بل سُرّوا بالإثم" (2 تسا 2: 11 - 12).

    ألا تبدو صورة هذا الكلام مألوفة تمامًا في هذا الجيل؟!.

    هذا ينقلنا إلى كلام سِفر الرّؤيا، الإصحاح 11، الآية 1 و2، جوابًا على السّؤال: أيّة تكون الكنيسة في الأيّام الأخيرة؟. يوحنّا، بملاحظة الملاك، أُعطي أن يقيس الكنيسة: "قم قِسِ هيكل الله والمذبح والسّاجدين فيه" (1). ويُردف: "أمّا الدّار الّتي في خارج الهيكل فاطرحها خارجًا ولا تقسها لأنّها قد أُعطيت للأمم..." (2). صارت لها روح الأمم!. الدّار، خارج الهيكل، جزء مهمّ من الكنيسة، ومع ذلك يُطرح خارجًا!. ماذا يعني ذلك؟. إلى الآن، لا زلنا، الهيكل والمذبح والدّار واحد، الأتقياء في الرّوح والحقّ، ومَن لهم صورة التّقوى، وهم مُنكرون قوّتها!. لكن عمليّة غربلة تجري، في الوقت الحاضر، وستؤول إلى حفظ هيكل الله والمذبح والسّاجدين فيه، أمّا المسيحيّة الإسميّة الشّكليّة، بمَن لها، فستُطرح كالزّؤان خارجًا!. إذ ذاك تبقى كنيسة الرّوح القدس، أمّا الكنيسة النّفسانيّة الدّهريّة الإنسانويّة المتعقلنة، الّتي تنحو منحًى أرضيًّا نفسانيًّا شيطانيًّا" (يع3: 15)، فتُطرح خارجًا!. الآن إمّا التّوبة الحقّ كاملة، وإمّا الضّلال والضّياع!. "في الزّمان الأخير سيكون قوم مستهزئون سالكين بشهوات فجورهم. هؤلاء... نفسانيّون لا روح لهم (يه 18 - 19)!.

 

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 11 نيسان 2021

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share