طاقة الغضب هائلة في الإنسان ونحن لا نستطيع أن نحوّلها إلا في المسيح فقط. (الأرشمندريت الياس مرقص).إنّنا عندما نصنع مشيئة الآخر بالطّاعة نكون مثل المحضونين، نستقرّ ونرتاح، وبالعكس، عندما نصنع مشيئتنا نبقى أحيانًا في نوعٍ من قلقٍ وعدم ضمان. (الأرشمندريت الياس مرقص).الإنسان متمرّد على الله كابنٍ عاق على أبيه. المطلوب الخضوع لله، فلنحرص على ذلك، فخضوعنا له هو شهادتنا للعالم. (الأرشمندريت الياس مرقص).عندما نطلب الرّحمة لنا، يحسن أن نعني تلك الرّحمة الّتي هي في العمق، أن نعني نزولها إلى أسافل جذور كياننا وادراكنا لها في أعماق إثمنا. (الأرشمندريت الياس مرقص).إن "كلمة" الله تغيب أحيانًا... يوم يصلبون المسيح لتعود وتنفجر بأكثر بهاءً وقوّة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
نقاط على الحروف
الحرّيّة الآسرة والعبوديّة المحرِّرة!.

   أيولَد الإنسان حرًّا؟. كلّا!. يصير حرًّا!. الحرّيّة رهن بالإرادة. ليست من الطّبيعة البشريّة إلّا بذورًا وقابليّة. إذا لم يولَد الإنسان حرًّا، فكيف يولَد؟. يولَد خاطئًا!. كلام مُستغرَب؟. أما قال المزمور الخمسون: "هأنذا بالآثام حُبل بي، وبالخطايا ولدتني أمّي"؟. ليس الموضوع فقط أنّي آتي من مكوِّنات أبي وأمّي وخطاياهما، كما تترسّب في الطّبيعة الّتي أولَد، بل كما وُلدا هما في الخطيئة، وإلّا ما كانا قد أخطأا بصفة شخصيّة، كذلك أولَد أنا في الخطيئة. هذا يعني أنّ ثمّة خطيئة وخطايا. الخطايا كأفعال وأفكار أتبنّاها. والخطيئة الّتي أولَد فيها كحالة خطيئة، وهذا ليس شيء شخصيًّا فيه. كلّ البشر، بعد آدم وحوّاء، في هذه الحال يولَدون، لمجرّد أنّهم من آدم وحوّاء اللّذين سقطا، ولكن، إراديًّا، في الخطيئة، فأدّى سقوطهما إلى دخول ذرّيّتهما في حال الخطيئة. ما هي "حال الخطيئة"؟. "حال الخطيئة" هي أنّ الإنسان، كلّ إنسان، يولَد من بطن أمّه على معطوبيّة تتمثّل في تمركزه في ذاته. هذه حال طرأت على البشريّة. لم تكن من عيوب الخلق بَدْأً. فلأنّ الإنسان خلقه ربّه ولم يأتِ من ذاته، لذلك حركة الحياة الّتي صدرت من الله هي أوجدت الإنسان. وحياة الإنسان، من ثمّ، كائنة في حركة المخلوق نحو الخالق. تكلّم الله فكان الإنسان. لذلك، على الإنسان أن يمتدّ صوب الله، أن يصلّي، بمعنى، في كلّ حين، ليكون!. مَن لا حياة له في ذاته، كما لله حياة في ذاته، فإنّه لا يجد نفسه إلّا في الامتداد أو يموت!. لذلك، بالخطيئة، أو بتعبير أدقّ، بـ"حال الخطيئة"، في الإنسان، دخل الموت إلى العالم. "حال الخطيئة" هي المؤشّر أنّ خللًا ما في تاريخ الإنسان حصل في وقت ما، لسبب ما، في نقطة ما، أدّى إلى العطب الّذي نحن في صدد الكلام عليه. هذه المعطوبيّة بالذّات هي المُعبَّر عنها في التّراث بلفظة "السّقوط". هنا، أحيل القارئ العزيز إلى سفر التّكوين، لا سيّما الإصحاح الثّالث. طريف النّصّ الّذي يتكلّم على اختباء آدم وحوّاء من وجه الرّبّ الإله (الآية 8). لم يعودا، كيانيًّا، في وضع يسمح لهما بمطالعة الله وجهًا لوجه. لم يعد بإمكانهما أن يجعلا أعينهما في عيني الله رغم أنّهما بقيا يسمعان صوته. إن لم يسمع الإنسان بعينيه أوّلًا، فإنّه لا يقدر أن يبصر بأذنيه!. العين أوّلًا. الكيان يتجلّى في العينين. حسبا أنّ بإمكانهما أن يخفيا نفسيهما عن الله إذا ما انكفأا على ذاتيهما. والحقّ أنّهما بالسّقوط ذهبا كيانيًّا إلى بلاد بعيدة!. لافت التّعبير، في هذا الصدد، عن قايين، لمّا لم ينظر الله إليه وإلى قربانه، أنّ قايين "سقط وجهُه" (تكوين 4: 5). انحدر قلبه إلى أسافل دركات الأرض!. الوصال انقطع!. في قرارة نفس آدم وحوّاء، كانا يعيان أنّهما صنعا سوءًا، ولكن بدل أن يتوبا ويعترفا بالسّوء الّذي اقترفاه، ثبتا فيه، رغم شعورهما بوخز الضّمير، ما يعني أنّ كلًّا منهما انقسم على نفسه في رغبة قلبه، لكنّه بقي على ما أدّى به السّقوط إليه فيه. هكذا انشطر الإنسان عن ربّه ولو لم يغب عنه، أو بتعبير أدقّ، ولو لم يغب اللهُ عنه بالكامل، إذًا لكان قد فني!. على هذا صار الإنسان في حال الخطيئة ودلف إلى الموت فصار الخوف من الموت سببًا لانغماس الإنسان في الخطايا كما ليهرب من إلحاح الخطيئة وشبح الموت!. مذ ذاك، لم يعد الإنسان يرى وجه الله، وصار القول إنّه لا إنسان يرى وجه الله ويعيش!. هذا بسبب الخطيئة!. لذا، الإنسان التّائب، في ما بعد، هكذا كان يصلّي: "وجهك، يا ربّ، أنا ألتمس"!. هذه الحال بقيت هي السّائدة شوقًا إلى مجيء مسيح الرّبّ الّذي به أُتيح للرّسول المصطفى بولس أن يعلن أنّنا "نحن جميعًا ناظرين مجد الرّبّ بوجه مكشوف كما في مرآة نتغيّر إلى تلك الصّورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرّبّ الرّوح" (2 كورنثوس 3: 18). وهذا يبديه الرّسول بولس في سياق قوله إنّ "الرّبّ هو الرّوح وحيث روح الرّبّ هناك حرّيّة" (الآية 17). إذًا، الحرّيّة هي ضياء روح الرّبّ!. طالما لم يقتنِ الإنسان روح الرّبّ فإنّه لا يعرف حرّيّةً!. وهذا يعود بنا إلى قولة للقدّيس سيرافيم ساروفسكي إنّ الغاية من الحياة المسيحيّة هي اقتناء الرّوح القدس!. فقط، إذ ذاك، يبلغ الإنسان الحرّيّة!. حتّى ذلك الحين يبقى غريبًا عنها، في حال التّحرّر. والحرّيّة الّتي يظنّ أنّه يتعاطاها، أنّى تكن، تبقى اسمًا على غير مسمّى. تبقى، بالأكثر، في حدود المشتهى، وهي أدنى، في الواقع المعيش، إلى الوهم والكذب، لأنّ مَن يصنع الخطيئة لا يستطيع إلّا أن يكون عبدًا للخطيئة!. إذًا، "حال الخطيئة" هي العبوديّة للخطيئة، وفي إطارها قيل عن الشّرّير إنّه أمير هذا العالم، وهذه العبوديّة تتمثّل في تمركز الإنسان في ذاته!.

   التّمركز في الذّات هو حركة الإنسان منه إليه، عبورًا بالله والآخرين والأفكار والمخلوقات والأشياء. إذًا، عمليًّا، التّمركز في الذّات هو لا حركة وسعيٌ إلى توسيع نطاق الذّات إلى ما لا حدود له!. ولكن، ليس غير العدم، في نهاية المطاف، هو ما لا حركة كيانيّة فيه. لذلك، ولو أقام الإنسان، المتمركز في ذاته، بين النّاس، وسط الخليقة، فإنّ توقه، وهو المُحيى من الله، يكون إلى العدم، وإحالةِ كلّ ما تصل إليه يداه إلى العدم!. عدميًّا يكون الإنسان، والحال هذه، مهما ادّعى البنيان لأنّ ما ينزع إليه في العمق، هو العدم!. ما يُضنيه وما يرتاح إليه، لأجل المفارقة، يصيران واحدًا!.

   في مقابل التّمركز في الذّات، أي حركة "اللّاحركة"، بمعنى، هناك الخروج من الذّات كحركة حقّ بديل. وعوض الامتلاء من الذّات، بالتّقوقع فيها، هناك إفراغ الذّات!. إنسان "الخروج من الذّات" يحقّق نفسه في الانعطاف صوب الآخر، في تخطّي ذاته، في نسيان نفسه. يجد ذاته في التماس الآخر لذاته!. هذه هي حركة الحبّ. الإنسان برأه ربّه مخلوق حبّ، على صورته ومثاله. لذا، الخطيئة، الخاوية المضمون، العدميّة المسرى، لا تواجَه بغير الحبّ، ولا يقوى عليها غير الحبّ. يسوع قهر الخطيئة في الجسد بالحبّ، وبالحبّ قوي على الموت. فإذ ذاق الموت بإرادته وطئه، وإذ أفرغ ذاته بالحبّ، وأخذ صورة عبد، قام في اليوم الثّالث!. وجوديًّا، كما استبان قصد الله لنا وفينا، قوّة الله هي قوّة حبّ!. لا أقوى من الحبّ!. الخلق كلّه كان بالحبّ!. لا نعرف الله إلّا محبّة!. هكذا تكشّف لنا!. لذلك، كلّ كلام على الله، لا يأتي من محبّته فينا ولا يؤول إلى محبّتنا له، غريب عن الله وروح الله!. لا جدوى منه!. ليس الله فكرًا ولا يقبل التّنظير ولا التّأمّل العقليّ ولا يُفقَه!. "لا يقبل الإنسان الطّبيعيّ ما لروح الله لأنّه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنّه إنّما يُحكَم فيه روحيًّا. وأمّا الرّوحيّ فيحكم في كلّ شيء ولا يُحكَم فيه من أحد" (1 كورنثوس 2).

   على هذا، يولَد الإنسان في تلقائيّة الخطيئة. وفي مناخ الخطيئة تترعرع الأهواء، جذور الخطايا. ومن الأهواء تخرج خطايا جمّة. ولكن، نخطئ إذا كنّا نظنّ أنّ الطّبيعة البشريّة هي الّتي تعطي المولودين حديثًا أن يكونوا متمركزين في ذواتهم. في علم النّفس، يزعمون أنّ هذا هو ما يعطي الطّفل أن ينمو وعيه لذاته بإزاء العالم، بعد أن يمرّ بمرحلة اللّاتمايز الّتي يكون فيها والعالم واحدًا، وتعطيه أن يكون في وضع الإزائيّة معه. هذا، في الامتداد، يشمل نزعة الطّفل إلى الأَثَرة، وتاليًا إلى الغيرة، لأنّه يطلب كلّ شيء لنفسه. هذا لا أظنّه من الطّبيعة البشريّة بل من السّقوط، من الخطيئة، من حال الخطيئة. ليست القنية ما يرسّخ وعي الإنسان لذاته بإزاء عالمه. القنية تطلق فعل الخطيئة فيه، أي تفعّل تمركزه في ذاته، وتجعل الكلّ يدور حوله، وتسيء، منذ وقت مبكّر، إلى تفاعله السّليم مع عالمه. بالأحرى، كما يبدو، في سياق وحدته التّلقائيّة وبيئته، بارتحاله إلى الوجوه الّتي تحيط به، بامتداده صوبها، بتفاعله معها، ينمو وعيه لذاته!. الكائنون حوله، بطريقة تعاملهم معه، دون تمحورهم فيه، بإيلائه اهتمامًا متّزنًا خفرًا هادئًا، ولكن حارًّا، فيه العطف واللّطف والكلمة والفرح والابتسامة والأصالة، يساعدونه في وعي ذاته، في العلاقة، في الامتداد، في وجوه الآخرين، من غير دفعه إلى الاستئثار باهتمامهم بلا حدود وساعة يشاء. ليس أمر التّمركز في الذّات، أو عدمه، منوطًا بسنّة طبيعيّة، ولو كانت للّحم والدّم ميول، ما يُنشَّأ الوليد عليه من اعتدال في الاهتمام به أو مبالَغة فيه، هو يزكّي نزعة التّمركز في الذّات فيه، أو يُنمي وعيه لذاته، بالأكثر، على التّفاعل الطّيّب والتّبادل الحسن. الأثرة، ومن ثمّ الغيرة، لا تكونان، بالضّرورة، كأنّهما مفروضتان. ثمّة أطفال تبدو عليهم، بوضوح، علامات الرّضى على نحو أوفى، وكذا علامات اللّاغيرة والفرح ومشاركة الصّغار الآخرين. عالم الطّفل، إذا كان تمركزه في ذاته حادًّا، يُنشئ الطّفل على ما لديه. أمّا إذا كان غيريًّا محبّيًّا، فإنّه ينشئه على الغيرّيّة والحبّ!. إذًا، ليس الموضوع موضوع ثلمة في الطّبيعة البشريّة، وحسب، بل أيضًا موضوع بيت ومحبّة عميقة هادئة فرحة يُحاط بها الطّفل.

   هذا يأتي بنا إلى الاستنتاج أنّ التّلقائيّة في الإنسان هي للخطيئة لا للحرّيّة. الإنسان يولَد في الخطيئة لكنّه يُربّى على الحرّيّة!. الحرّيّة يستمددها من بيئته، إذا وُجدَت، أو ربّما من وجعه، أو لا تكون!. فإذا كانت فإنّه يلقى فرحًا وإشباعًا في الاعتياد على أنماط إفراغ الذّات والامتداد صوب الآخرين. هذا فرح الحبّ والعطاء. بكلام آخر، متى شملت الإنسانَ محبّةُ بيئته فإنّه يحقّق هويّته كإنسان بالاندماج فيها. وهذا ينقله من معارج الخطيئة، أي التّمركز في الذّات، إلى معارج الحبّ وطلب التّمركز في الآخر. إقبال الإنسان على المحبّات هو يطلقه من عبوديّة الخطيئة ويحرّره من تمركزه في ذاته. الحقّ أو المسار القويم يحرّر!. "تعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم". أمّا إذا كانت البيئة، بالأحرى، راسخة في الخطيئة، أي في منحى التّمركز في الذّات، أو عبادة الذّات، والخطيئة متمأسِسة فيها، فإنّه لا يعود للحرّيّة الحقّ مطرح في نفس الإنسان، بل يتقلّب بين نمط من الخطايا ونمط آخر، ويعتبر هذا التّقلّب حرّيّة وحرّيّات. في إطار التّمركز في الذّات، لا يتعاطى المرء الحرّيّة إلّا في الخطيئة!. الحرّيّة الحقّ لا يعرفها لأنّها صنو الحبّ ولا خطيئة فيها!. والحرّيّة في الخطيئة تضرب الضّمير، وتندفع في متاهات الخيال وتسترسل في العبثيّات، بحثًا وتعبيرًا عن حرّيّات سِقْطٍ، فيما يقترن الخيال والعبث، في هذا السّياق، بمتع ملفّقَة كذوب، وتسير الحرّيّة في الخطيئة، من ثمّ، بالإنسان، قدمًا، من فراغ إلى فراغ، ومن ضياع إلى ضياع أكبر، ومن لامعنى إلى لامعنى أعمق، فيخبط في مساراته خبط عشواء لا شيء يملأ عينه بل قرف ثمّ قرف فقرف!. وإذ يمتلئ تيهانًا يلقى التّعبير الأخير لحرّيّته الزّيف، في مسرى هروبه الكيانيّ، في الموت!. هكذا يستبين أنّ العدميّة هي مآل التّمركز في الذّات ومنية الحرّيّة في الخطيئة!. ما يقولون عنه حرّيّة في عالم الخطيئة إن هو سوى العبوديّة الكبرى، مقنّعَةً، للخطيئة والموت!.

   فاليريو غافنكو، معترف رومانيّ جديد، رقد العام 1952، عن إحدى وثلاثين سنة. قضى في السّجون وفي مستشفى السّلّ الإصلاحيّ، أحد عشر عامًا. كلماته الأخيرة، قبل وفاته، كانت: "لقد منحني الله القيود الّتي تحرّر الرّوح وأخذ منّي الحرّيّة الّتي تأسر روحي"!. تبارك الله!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

19 شباط 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share