إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
نقاط على الحروف
إذا كان أعمى يقود أعمى
يسقط كلاهما في حفرة

عظة للأرشمندريت توما (بيطار)


   اليوم، يا إخوة، وصلنا إلى الأحد المعروف بأحد الأعمى. ربّما لاحظتم أنّ الرّسالة والإنجيل موضوعهما النّور. الرّبّ يسوع، في إنجيل اليوم، قال قولاً مفتاحًا هو: "أنا نور العالم". هذا هو المفتاح الّذي يدخلنا إلى سرّ الحياة، الّذي يدخلنا إلى سرّ الله. ما المقصود بهذا القول "أنا نور العالم"؟!.

   في العمق، الله محبّة. الله نور، لأنّه محبّة؛ فعندما نتكلّم على الله – النّور، فإنّنا نتكلّم على الله – المحبّة. أهمّ عضو في جسد الإنسان، من حيث إنّه يجعلنا منفتحين على العالم، يجعلنا في حالة حوار مع الآخرين، يصلنا بالآخرين ويصل الآخرين بنا، ليس هو الدّماغ – على أهمّيّته، طبعًا – إنّما هو العينان. إذا أردنا أن نختصر الإنسان، نقول إنّه عين. لذلك، تلاحظون، في الكثير من الشّعوب، أهمّيّة العين. أحيانًا كثيرة، يُصوَّر الله وكأنّه عين؛ وهذا لأنّ العين هي نافذة العين الدّاخليّة، والعين الدّاخليّة هي القلب. هاتان العينان هما العلامة المنظورة للعينين الدّاخليّتين غير المنظورتين، اللّتين هما القلب. لا أنا، فقط، أقول هذا الكلام؛ بل الرّبّ يسوع هو من سبق أن قاله. تكلّم على العين الدّاخليّة، لمّا قال: "إن كانت عينك نيّرة، فجسدك كلّه يكون نيّرًا. وإن كانت عينك مظلمة، فجسدك كلّه يكون مظلمًا". وكان، طبعًا، يتكلّم على القلب. إذًا، كلّ النّور ينبعث من هذا القلب. بكلام آخر، الحبّ ينبعث من هذا القلب. متى كان الحبّ مالئًا القلب، فالإنسان، إذ ذاك، يكون مبصرًا. وإذا لم يكن الحبّ مالئًا القلب، فالإنسان كلّه يكون أعمى. من المؤكّد أنّ كلّ واحد منّا سبق له أن التقى بشرًا عندهم كلّ الوظائف العضويّة، إنّما نفوسهم معتمة! هناك ليل في نفوسهم! فما نفع أعضاء الجسد، إذا كان القلب أعمى؟!.

   إذًا، الفضيلة، الّتي هي غاية كلّ فضيلة، هي المحبّة. والمحبّة يُفترَض بها أن تكون موجودة في كلّ فضيلة، وإلاّ لا تكون الفضيلة فضيلةً. كلّ القصّة تكمن هنا. إذا كان المرء أعمى بعينيه الخارجيّتين، فإنّه يتلمّس طريقه، لا يرى، يصطدم بالحائط، يقع في الحفرة، يقع في المياه... لا يرى. هكذا، الإنسان الّذي لا يحبّ لا يمكنه أن يبصر! لذلك، يتكلّم كثيرًا، يثرثر كثيرًا، يجادل كثيرًا... هذا كلّه، لا لأنّه يعرف، بل لأنّه لا يعرف. الّذي يعرف، فعلاً، لا حاجة له إلى أن يتكلّم، إلى أن يجادل. نصف إنجيل اليوم جدل في شأن الله. هؤلاء المتجادلون في شأن الله، لو كانوا مبصرين، لَما تجادلوا فيما بينهم، لَما كانت هناك حاجة إلى ذلك. لكن، لأنّهم ليسوا بمبصرين، لا يتوقّفون عن الصّراع، وعن الجدال، وعن الخلاف إلى ما لا نهاية! إذًا، مشكلة الإنسان واحدة، وهي: لديه قلب أو ليس لديه قلب، يحبّ أو لا يحبّ، يرى أو لا يرى، يعرف أو لا يعرف... كلّ هذه تخرج من القلب. الإنسان الّذي يطلب المحبّة، والّذي يمتلئ قلبه محبّة، يرى كلّ شيء واضحًا، جليًّا، بسيطًا جدًّا. الله بسيط جدًّا. البساطة من ميزات ألوهته. لهذا السّبب، الرّبّ ليست لديه لغة، كما نحن لدينا لغات. الرّبّ لا يتكلّم بالطّريقة الّتي نتكلّم بها نحن. هناك عدد كبير جدًّا من اللّغات بين شعوب الأرض. لكنّ اللّه ليست له لغة. الله لا يتكلّم كما يتكلم النّاس. هناك قدّيس عظيم في كنيستنا، هو القدّيس إسحق السّوريّ، أو السّريانيّ، يقول كلامًا مهمًّا جدًّا، يقول: "إذا كان الكلام لغة هذا الدّهر، فالصّمت لغة الدّهر الآتي". الصّمت ليس معناه ألاّ يتكلّم المرء. الصّمت معناه أنّ الكيان امتلأ نورًا ومعرفةً وحبًّا، وانفتح على الله، وانفتح على العالم، وصار الإنسان يبصر بقلبه، وصار الإنسان يرى كلّ شيء بوضوح، ويعرف كلّ شيء بالكامل. إذ ذاك، لا يحتاج إلى لغة اللّسان، لأنّ اللّغة الّتي يتعاطاها تكون لغة الكيان. القلب، إذا انفتح، يتكلّم إلى القلب. لذلك، الرّبّ لا يريد سوى قلوبنا: "أعطني قلبك، يا بنيّ". لا يريد شيئًا. هو يعطي كلّ شيء. الله يطلب أن يدخل مع الإنسان في علاقة محبّة. "أعطني قلبك، يا بنيّ" أي "افتح قلبك، وأنا أغرف من كياني، من محبّتي، وأضع فيك. فأنت، إذ ذاك، تمتلئ من محبّتي؛ وإذ ذاك، تحبّني بالمحبّة الّتي أحبّك أنا بها". الإنسان معطى أن يحبّ الله. لا يمكنه أن يحبّ الله، إلاّ بالمحبّة الّتي هي الله. كيف يمكن النّاس أن يحبّوا بعضهم بعضًا؟!. يحبّون بعضهم بعضًا بالمحبّة نفسها الموجودة في قلب كلّ واحد منهم.

   إذًا، إذا أحبّ الواحد الآخر، فهو يتعاطى أمرًا واحدًا، هو المحبّة؛ وإلاّ لا يحبّ. لا يمكنه أن يدخل في وصال مع الآخر، في محبّة مع الآخر، في توحّد مع الآخر. هكذا نحن بإزاء الله، والله بإزائنا. الله يريدنا أن نحبّه. لا يريد الرّبّ أن يخاطبنا من بعيد. التّصوّر، قديمًا، كان أنّ الرّبّ أعطانا الكتاب، أرسله إلينا، أنزله بطريقة ما. نحن لسنا أهلَ الكتاب. الّذي يقول عنّا إنّنا أهل الكتاب يكون على خطأ. الله لا يخاطبنا بالكتاب. الله يخاطبنا بابنه الّذي هو الكتاب. لهذا السّبب، ابن الله تجسّد واتّحد بالبشريّة، صار واحدًا وإيّانا. لهذا السّبب، نحن نقرأ الله في وجه يسوع المسيح، كما تقول الرّسالة. هذا هو الكتاب. الإنسان وجه، والوجه عين، والعين هي عين القلب. إذًا، نحن نقرأ وجه الله. في الحقيقة، إذا كنّا نحن نستعمل الورق، ونستعمل الكتاب، ونستعمل الكتب؛ فهذا لكي نأتي إلى زمنٍ نستغني فيه عن الورق وعن المَداد؛ حتّى يصبح كلّ واحد منّا كتاب الله. نحن نسعى لأن نأتي إلى وقت يصير كلّ واحد منّا فيه كلمة الله، يصير كلّ واحد منّا أيقونة الله، يصير كلّ واحد منّا هذا الباب الّذي يفضي بنا إلى قلب الله. إذًا، نحن مدعوّون إلى أن نصير الإنجيل. الإنجيل هو نحن.

   ربّما لا تعرفون أنّ المسيحيّين الأوائل ما كان عندهم كتاب. أقدم الكتب، إذا أردنا أن نتكلّم على أسفار العهد الجديد الّتي وردت إلينا، يعود إلى ما بين السّنة 47 والسّنة 49. إذا أردنا أن نتكلّم على الأناجيل، فإنجيل مرقس يُظَنّ أنّه يعود إلى حوالى السّنة 67 أو 68، وإنجيل يوحنّا يُظَنّ أنّه يعود إلى ما بين السّنة ـ95 والسّنة 100. إذًا، لم يكن المسيحيّون يعيشون على الورق. كانوا، طبعًا، قد حفظوا الكلمة الإلهيّة. كانوا يتعاطون الكلمة الإلهيّة فيما بينهم. ما سمعوه من الرّبّ يسوع وما رأوه فيه نقلوه بعضهم إلى بعضهم الآخر. لكن، الّذي حفظهم، في الحقيقة، لم يكن الكتاب، بل روح الله. هذا هو الّذي حفظ الكلمة حيّةً في نفوسهم. ثمّ أخذوا يدوّنون. لا بدّ للإنسان من أن يستعمل ما هو بشريّ. أخذوا يدوّنون. وقليلاً قليلاً، صاروا يتبادلون هذه الأسفار فيما بينهم؛ لكي يعرف الّذي لا يعرف. لكنّ الكلمة المكتوبة كانت، فقط، لتشير إلى الكلمة غير المكتوبة. والكلمة غير المكتوبة هي الرّبّ يسوع المسيح. هو الكلمة، بالحريّ.

   إذًا، نحن، يا إخوة، مدعوّون إلى أن نبصر، أي إلى أن نحبّ. الإنسان الّذي لا يحبّ يبقى في عماه، ولو كان معتمدًا، ولو كان يتناول القدسات، ولو كان يعرف الكتاب المقدّس عن ظهر قلب كلمةً كلمةً. نحن ليس مطلوبًا منّا أن نحفظ الكتاب كلمةً كلمة. الحفظ، بالمعنى المتداول في الكنيسة، هو أن يسلك الإنسان بحسب الكلمة الّتي استلمها. الحفظ لا علاقة له بأن يحفظ الإنسان الأمور بعقله. المطلوب أن يحفظ الإنسان الكلمة، بمعنى أن يسلك فيها. أن يحيا في روح الله. أن يحبّ. وأكثر مَن عبّر عن المحبّة كان بولس الرّسول، لا شكّ في ذلك. يوحنّا كان أيضًا حبيب الله. لكن، الّذي حدّد الأمور المختصّة بالمحبّة، صفات المحبّة، ماهيّة المحبّة، كان بولس الرّسول، في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، الإصحاح الثّالث عشر. لو تلف كلّ الكتاب، وبقي الإصحاح الثّالث عشر من رسالة الرّسول بولس إلى أهل كورنثوس، لَكان بإمكاننا أن نستعيد كلّ ما كُتب قديمًا وحديثًا؛ لأنّ الكلّ يأتي من محبّة الله، والكلّ يؤول إلى محبّة الله. لذلك، كلّ الموضوع هو موضوع الوصيّة الوحيدة الّتي أعطاها الرّبّ يسوع لتلاميذه: "وصيّة جديدة أعطيكم: أن يحبّ بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم". انتهى الموضوع هنا. أي بقينا، منذ أن خُلقنا إلى أن تلفّظ الرّبّ يسوع بهذا القول، ننتظر الكلمة، والكلمة كانت هذه: "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم".

   من هنا، يا إخوة، كلّ صراعنا هو صراع من أجل أن نحبّ. لذلك، إذا أراد الواحد منّا أن يفعل شيئًا ينفعه كثيرًا، فكلّ يوم مساءً، يرسم إشارة الصّليب على وجهه، ويأخذ الإصحاح الثّالث عشر من الرّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، ويقرأ فيها عن المحبّة؛ حتّى يتعلّم، وحتّى يعرف من أجل ماذا يصلّي، ومن أجل ماذا يطلب؛ حتّى يعرف كيف عليه أن يتعامل مع الآخرين. المحبّة لا تطلب ما لنفسها، المحبّة تتأنّى وترفق، المحبّة لا تحسد. وهكذا دواليك. ما كان بإمكان الرّسول أن يتكلّم بهذه الطّريقة لو لم يكن قد امتلأ من محبّة الله. هو يتكلّم لأنّه عرف، لأنّه اختبر أنّ المحبّة الإلهيّة أقامت فيه بالكامل. رسول المحبّة بامتياز هو الرّسول بولس، لا شكّ في ذلك. إذا بقي المرء يتشاجر والآخرين، ويتجادل وإيّاهم، ويتصارع وإيّاهم كلّ العمر؛ فمهما فعل، فلا ينتفع شيئًا أبدًا. عمليًّا، على الإنسان، كلّ يوم، أن يتصارع مع نفسه، لا مع الآخرين؛ حتّى يحبّ أكثر، حتّى يصبر على الآخرين أكثر، حتّى يصير حسّاسًا في تعامله مع الآخرين أكثر، حتّى يصير شفّافًا في تعامله مع الآخرين أكثر، حتّى يبذل نفسه لأجل الآخرين أكثر، حتّى يسمعهم أكثر، حتّى يسمعهم بقلبه أكثر، حتّى يتعلّم أن يتنازل، حتّى يتعلّم أن يتّضع، حتّى يتعلّم أن يضحّي، حتّى يتعلّم أن يقول "سامحوني، أنا أخطأت"... الّذي يريد أن يسلك في المحبّة عليه أن يتعاطى أمور المحبّة، كلّ يوم. كلّ ما عدا ذلك لا قيمة له أبدًا، يُعطى لكم ويُزاد. نحتاج إلى أن نأكل ونشرب؟ نحتاج إلى أمور وأمور في حياتنا؟ الرّبّ يعطينا إيّاها بطريقة أو بأخرى، ونحن نحصّلها بنعمة الله وبركته من دون أن نهتمّ. الأمر الوحيد الّذي على الواحد منّا أن يهتمّ به هو أن يتعاطى المحبّة، كلّ يوم. ونحن عندنا بحر من الفرص، كلّ يوم، لأن نتعاطى هذه المحبّة. نقول إنّنا لا نستطيع إلى هذا الحدّ؟!. ليس المطلوب منّا أن نحبّ الآخرين، لأنّنا نحن ليست عندنا محبّة. نحن المطلوب منّا أن نحبّ الآخرين بالمحبّة الّتي يسكبها الرّبّ الإله في قلوبنا. مَن آمن بي، تجري من بطنه أنهار ماء حي، أي تتدفّق، تتدفّق، تتدفّق دائمًا. الّذي يفتح قلبه لله، والّذي يسلك وله هذا الهمّ الوحيد – الحاجة إلى واحد: أن يمتلئ من روح الله – هذا تتدفّق منه أمواج محبّة الله بلا توقّف. وإلاّ لماذا يقول القدّيسون، بخاصّة القدّيس سلوان الآثوسيّ، في الزّمن الحديث: "المسيحيّة تساوي محبّة الأعداء"؟!. المهمّ أن يصل الإنسان إلى وقت ينفتح فيه بالكامل على كلّ البشريّة. إذ ذاك، تنزل أمواج محبّة الله من فوق، تقيم هنا، ومن هنا تتدفّق في كلّ العالم. نحن أُعطينا هذا الأمر: أن نحبّ كلّ إنسان. المحبّة، المحبّة، المحبّة... المغبوط أغسطينوس يقول: "أَحِبَّ واعمل ما تشاء". كلّ اهتمام آخر لا يتضمّن المحبّة، وليس هادفًا إلى المحبّة، لا قيمة له على الإطلاق. الإنسان يخسر حياته على لا شيء. لماذا يريد المرء أن يهتمّ، إذا كان الرّبّ يعطيه أن يعيش بلا همّ؟! الرّبّ يريدنا أن نهتمّ، فقط، بأن نمتلئ من محبّته، وأن نتعاطى هذه المحبّة فيما بيننا: الرّجل والمرأة في البيت، الرّجل والمرأة والأولاد في البيت، الإنسان وجاره، الجيران فيما بينهم، القرية مع القرية الثّانية، مجموعة القرى مع مجموعة قرى ثانية، البلد مع بلد ثانٍ، مجموعة بلدان مع مجموعة بلدان ثانية... المطلوب أن يتعاطى العالمُ كلُّه المحبّةَ. عندها، كلّ المشاكل تُحَلّ. لا حاجة أبدًا إلى أن "يكسّر" المرء رأسه حتّى يحلّ مشاكل العالم، لأنّ مشاكل العالم لا تنحلّ بـ"تكسير الرّأس"، بل بـ"إلغاء" كبرياء الإنسان. على المرء أن يُذيب كبرياءه، عليه أن يتّضع. ومتى ما اتّضع، إذ ذاك، يستطيع أن يحبّ. ومتى أحبّ، تُحلّ المشكلة، لا تبقى هناك مشكلة بين الرّجل والمرأة، ولا بين الرّجل والمرأة والأولاد، ولا بين النّاس وجيرانهم، ولا في العالم بأسره. هناك مشكلة جوع في العالم؟!. كلّ هذا عائد إلى جشع الإنسان. هذا ليس عائدًا، على الإطلاق، إلى أنّ هذه الدّنيا ليس فيها خيرات وبركات. كلّ شيء متوفّر. ما يُكَبّ، في العالم، في صندوق القمامة، يكفي لأن يُطعم الجيّاع، في العالم في كلّ مكان، عدّة أضعاف. القصّة أن ليس هناك قلب. لماذا؟!. لأنّ الإنسان متكبّر. ولأنّه متكبّر، يريد الأشياء لنفسه، ولا يسأل على الإطلاق عن أحد غيره. يريد المرء أن يحلّ مشكلته؟!. عليه أن يتعلّم أن يتّضع، عليه أن يتعلّم أن يقول "أنا أخطأت". القدّيسون يصلون إلى درجة أنّهم يقولون إنّهم هم أخطأوا، ولا يكونون بالضّرورة قد أخطأوا، أي يعترفون بخطايا هم لم يرتكبوها. عندما يتّهمهم الآخرون بها، يعترفون بها، يقبلونها، يتّخذونها على أنفسهم وكأنّهم هم ارتكبوها؛ لأنّهم هم يتّحدون بالبشريّة جمعاء. كما اتّخذ الرّبّ يسوع خطايا البشريّة، يتّخذ الإنسان المُحبّ خطيئة أَحِبَّتِهِ الّذين من حوله، ويعتبرها كأنّها خطيئته، ويتصرّف على هذا الأساس، ويطلب إلى الله أن يسامحه؛ وهو، في الحقيقة، يطلب إلى الله أن يسكب محبّته على البشريّة جمعاء. إذ ذاك، يبدأ المرء بأن يرى؛ إذ ذاك، ينفتح القلب، وإلاّ نبقى راتعين في العمى، نتخاصم مع بعضنا، وكلّ واحد يتّهم الآخرين بأنّه هو الأعمى، والحقيقة أنّنا كلّنا سواسية.

   المهمّ أن يبدأ الإنسان من هنا. وإذا بدأ من هنا، فكلّ العقبات، إذ ذاك، تزول. فأحد الإعمى هو أحد كلّ واحد منّا إلى أن يأتي إلى نور العالم، الّذي هو الرّبّ يسوع المسيح. ومتى أتى إليه، فإنّه، إذ ذاك، يعرفه بالمحبّة الّتي يسكبها الرّبّ يسوع فيه، يرى. "ماذا تريد؟"، "أن أبصر"، "أَبصِرْ". الله يعطي، ويعطي بدفق وبلا حساب. المهمّ أن نطلب، وأن نريد، وأن نسعى إلى المنتهى. ومَن يسعى إلى المنتهى، فهذا يجد.

آمين.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

21 أيار 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share