صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
نقاط على الحروف
اللاهوت!.

 الحياة لاهوت أو عدم!. عدم في جوهرها لأنّها ليست قائمة، في ذاتها، من دون اللّاهوت بل باللّاهوت!. الحكم، بحسب الظّاهر، دائمًا باطل!. ما اللّاهوت؟. "مَن اللّاهوت"، لا "ما اللّاهوت"!. اللّاهوت كائن لا فكرة!. اللّاهوت هو الله!. هو الخالق!. هو المحبّة!. هو يسوع، الإله الإنسان!. ليست المحبّة ميزة، ولا هي صفة!. المحبّة، في أساسها، كائن!. تظهر كفعل لكنّها وجود!. الفعل مؤشّر وجود!. لذا، في الله، وفي الله وحده، تماميّة المحبّة والكائن واحد!. المحبّة كائن والكائن محبّة!. عند النّاس يتمايزان، لا في الله!. فقط، في القداسة، يتذوّق الإنسان المحبّة كائنًا!. السّبب الخطيئة!. كانت الخطيئة فكانت الشّريعة!. بعد السّقوط، قبل المحبّة بات التّأديب!. كان النّاموس مؤدِّبنا إلى المسيح!. الله لم يره أحد قط!. لم يكن الإنسان ليَبلغه!. يهوه!. أنا مَن أنا!. ظلمة نورانيّة بالكامل!. السّيّد!. الشّداي!. ليس أحد يراني ويحيا!. الخطيئة مرضٌ وعطب علاجها الطّاعة للوصيّة!. الطّاعة تعيد الاتّزان!. الطّاعة، وحدها، تعيد إلى المحبّة!. مَن يحبّني يسمع كلامي!. هذا يبلِّغ، أوّلًا، إلى محبّة القريب، ومن ثمّ إلى المحبّة الحقّ لله!. إلى الاتّحاد بالله!. ولا اتّحاد به إلّا في المحبّة!. فيك وبإزائك!. مَن قال إنّه يحبّ الله الّذي لا يراه، وهو لا يحبّ أخاه الّذي يراه، فهو كاذب وليس الحقّ فيه!. كذلك، إن ادّعى أحد أنّه يحبّ أخاه وهو لا يبالي بالله، فهو كاذب ولا يحبّ أخاه!. ما دام أنّ الوصيّة الجديدة هي: "بهذا أوصيكم أن يحبّ بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم"، فمحبّة يسوع لتلاميذه، وبهم لنا، هي النّموذج المحتذى لمحبّة الإخوة أحدهم للآخر!. كلّ محبّة أخرى هوًى مبطّن غير محمود!. زيف!. قيمة محبّة الإخوة، بعضهم للبعض الآخر، وفق يسوع نموذجًا، أنّها تكون محبّة يمدّها يسوع، بروح الله، لنتمرّس، بتعاطيها، بين الإخوة، على محبّة الله من كلّ النّفس ومن كلّ القلب ومن كلّ القدرة!. تبدأ محبّة القريب، بروح الله، سبيلًا لمحبّة الله، وتتكمّل كنتيجة لهذه المحبّة تألّهًا!. يصير للإنسان، إذ ذاك، قلب جديد، قلب الله، على قدر طاقة الإنسان، كمخلوق!. لذا ورد: "أنا قلت إنّكم آلهة"، فيكون!. هكذا يصير الإنسان على مثال الله!. هذا لا يعني أقلّ من أنّ الله فينا دونما انحصار ولا اختلاط ولا تشويش!. آخَرَ بالكلّيّة، ولكن فينا، أيضًا، بالكلّيّة!. إذ ذاك، نتّحد به، هو إيّاه الكائن، ولكنْ، في المحبّة، لأنّه روح!. نعرفه محبّة، ومحبّة وحسب!. كلّ ما يمكن أن تكشفه لنا المحبّة نعرفه!. لذا كان كلّ كلام في اللّاهوت ومعرفة له، خارج الوحدة في المحبّة، لَغوٌ وتنظير أجوف!. ولذا كان المسير، في حياة الإنسان، على الأرض، خِلوًا من الوعي أنّه في اللّاهوت وإليه، جادًّا، في كلّ تفصيل، إجهاضًا للحياة!. إن عشنا فللرّبّ نعيش، وإن متنا فللرّبّ نموت. فإن عشنا وإن متنا فللرّبّ نحن!. مهما فعلتم، أكلتم أم شربتم، فللرّبّ افعلوه!. فإنّ منه وفيه وبه وله كلّ شيء!.

 

على هذا، كان اللّاهوت أن تقف، في الذّهن، أمامه، كلّ حين. هو، وحده، يعلّمنا كيف نتعاطاه!. حيّ هو الله الّذي أنا واقف أمامه!. أن تخاف الله، أن تتوب إليه، أن تسلك في أحكامه، أن تعمل رضاه، أن تتّضع، أن تصبر، أن تثبت... بلوغًا إلى محبّته... بلوغًا إليه... في يديك أستودع روحي!. كلّ ما تفعله أو تفكّر فيه ولا تغمّسه، من الدّاخل والخارج، بذكر الله، لا فقط تبدّده على غير طائل، بل تؤسِّسه وجعًا لنفسك!. ما تأتيه ولا تروم، أوّلًا، منه، المنفعة الرّوحيّة، فرصةٌ تضيّعها لمقاربة اللّاهوت ودًّا، لا تُعوَّض!. ما تخسره الآن، في هذا السّياق، ينحدر بك من حيث لا يمكنك أن تعود إليه إلّا بنخس القلب والألم والدّمع والانكسار والصّبر!. ليست المعرفة الحقّ أن تصير خبيرًا فهيمًا فيما للحضارات والعلوم والثّقافات، في هذا الدّهر، بل أن تصير خبيرًا فهيمًا فيما لمقاصد ربّك، في كلّ شأن، في هذا الدّهر!. ليس فقط أن تدرك، ما يختصّ بشؤون دهرك، بما أوتيت من قدرات عقليّة، أو شبه عقليّة، بل، بالأَولى، وفي كلّ حال، أن تعي، في قلبك، وأن تتحرّك، وفق ما يعينك على التّوبة إلى وجه ربِّك، والتّملّؤ من نعمته عليك!. المسألة كيف تتعاطى ما أنت فيه وما هو معطى لك وما يَعرض لديك!. الفرق هائل بين أن تحيا لله وأن تحيا لنفسك!. الخليقة، في التّحليل الأخير، ليست برسم الاستهلاك!. هذا يجعلها كبِلا مغزى!. اللّاهوت معنى وجودك وإلّا الإنسان جيفةُ تَفَه!. بدونه، إذا أقصيته من أفقك، تأتي من سأم وترتحل إلى سأم!. الخليقة كانت لتكون لغة خطاب، بثّك فيها ربّك ودّه لتقول له الآمين!. ليكن لي بحسب قولك!. جعلك ربّك هيكلًا لمسيحه لتجعل الخليقة هيكلًا لمحبّتك له فيك!. ليست المسألة أن تستهلك فيها ومنها ما وسعت، كأن هذا يزيدك!. لا أن تستهلك الخليقة بل أن تستألهها بالحبّ الكبير!. أُكُلُك منها لا يكون للموت بل للبركة!. مَن يأكل من هذا الخبز يجوع أيضًا، ومَن يأكل من الخبز الّذي أنا أعطيه فلا يجوع إلى الأبد!. الخبز، ههنا، أي الخليقة، مرشّح لأن يصير، بالحبّ، قربانًا يرفعه الإنسان إلى فوق، ليُعطى له كجسد كونيّ للسّيّد، له المجد!.

 

كلّ مَن لبس، بالمعموديّة، المسيح، صار لاهوتيًّا، يقيم في اللّاهوت، ويحيا في اللّاهوت، وينمو في اللّاهوت، ويصير إلى اللّاهوت، أو تُحسب معموديّته رشّ ماء على ورق قُلقاس لا ينفذ إلى داخل بدنه!. لا تخف!. اللّاهوت فيك يجعلك لاهوتيًّا!. قل فقط: ليكن لي بحسب قولك!. لا تعاند ولا تقاوم ربّك، وإلّا لا يكون لك سلام، على قولة إله إرميا النّبيّ!. اللّاهوت فيك يصنعك!. لا يقمعك ولا يقهرك، بل يكمّلك، لأنّك مخلوق لاهوت!. ليس هو بغريب عنك لأنّك منه، بل أنت، إذا أشحتَ عنه، تغرّبتَ، لا عنه فقط، بل عن نفسك، كما برأك، بالأولى!. طالما لسانك إليه وعينُك عليه، أنارك وأرشدك واقتادك إليه واستكلمك لأنّه بيتك!. أعطني هذا الغريب لئلّا أحيا كغريب وأموت كغريب!.

 

 هذا خطّ سيرك: أن تسير كلاهوتيّ في كلّ أمر، في كلّ كبيرة وصغيرة. قصدك، نيّتك، فكر قلبك، موقفك، هو ما يجعل الكلّ لديك مادّة لاهوتيّة حيّة أو سِقْطًا!. ويل لمَن يأكل ليملأ بطنه ويستمتع!. الخبز لا لقضاء الحاجة وحسب، بل بالأحرى لأنّ الحاجة، في الفرح، هي إلى واحد!. الخبز لتشكر، لتذكر الرّبّ إلهك، لتمتدّ إلى الفقير بروحك، لتمتدّ به يدُك إليه، لتصوم عنه، لتجوع إليه، لكي لا تنسى أبدًا أنّه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله!. أُكُلٌ بغير ذِكر الله وثن وعبادة وثن وأصل كلّ وثن!. الآلهة؟. ما الآلهة؟. ليست هناك آلهة!. الآلهة رسوم شياطين!. من أين تأتي؟. لا من الشّياطين وحسب، بل، أوّلًا، من الاكتفاء بالخبز، من تعاطي الخليقة كأنّها الألف والياء!. ليس أنّها تقدّم ذاتها إليك كألف وياء، بل أنت تحسبها كذلك. تُسقط عليها ما في نفسك أنّك أنت الألف والياء!. تجعل منها صورة لما في قلبك. الصّنم قائم في روحك طالما كنتَ، في الوجدان، المحور؛ مَن يدور حول ذاته وتدور الخليقة حوله!. الخليقة، إذ ذاك، تستحيل مادّة أوثان!. يصيِّر ربّك الخليقة، والحال هذه، مدى لإذلالك!. تترجم عبادتك لذاتك إلى عبادة للخليقة كأنّها آلهة، فاسحًا للشّياطين في المجال، فيها، إلى حملك على السّجود لها، كأن لك في السّجود حياة، وما لك إلّا موت يحدّث عن الموت الّذي ارتضيته لنفسك بانشطارك عن ربِّك!. ما جهنّم؟. هي وادي هنوم حيث كان اليهود، في منتهى عماهم، يُحرقون أولادهم لمولوك، المزعوم إلهًا، ليكون لهم به خصب وحياة، وما لهم فيه إلّا الشّيطان يملك عليهم للموت!.

 

  نظرة تجعلك لاهوتيًّا أو شريكَ شياطين!. إن أنسى لا أنسى قصّة ذاك النّاسك مع إحدى بنات الهوى. كانت رائعة الجمال، وكانت، بجمالها، تجتذب الكثيرين لتلقيهم في أسافل دركات الجحيم. أمّا النّاسك، فلمّا وقعت عيناه عليها، مجّد الله الّذي يعطي خليقته جمالّا كهذا الجمال، لكنّه شرع يبكي، لا فقط عليها وعلى مَن يسقطون في هيامها، بل على نفسه، أوّلًا!. ويحي!. ويلي!. كم هي أشدّ سعيًا إلى تحقيق مأربها منّي!. تبذل ما في وسعها لترضي عشّاقها، فيما أتراخى أنا في سعيي إلى إرضاء الله!. تمدّ هي إلى أصحابها بمفاتنها فيبادرون إليها بنشاط فائق، ويمدّ ربّي إليّ بمراحمه فأتقاعس عنه!. ويحي مَن ينقذني من جسد الموت هذا؟!. اللّاهوت؟!. هذا هو اللّاهوت!. بموقف نابع من القلب أجدني أتعاطى اللّاهوت ويتعاطاني، وبموقف دنس أجدني أتعاطى الشّياطين وتتعاطاني!. لجّة تنادي لجّة!.

 

يوم خلقني اللّاهوت وُجدت، ويوم تجسّد ابن الله تألّهتُ!. هذا مسير أبناء الله، أو يعودون، في روحهم، من زواج الملائكة السّاقطين مع بنات النّاس، إلى حال العدم!.

 

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ - دوما

الأحد 18 شباط 2018

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share