عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
من المذود إلى القداسة!.

   يا إخوة، مَن هو الإنسان الفقير؟ الفقير، بالنّسبة إلينا، هو الإنسان الّذي لا يملك شيئًا تقريبًا. ومَن هو الإنسان الغنيّ؟ هو الّذي يملك الكثير. هذا، بحسب، النّاس. لكن، بحسب الله، الفقر والغنى لهما معنى مختلف. بحسب الرّبّ الإله، الغنيّ هو الّذي لا يحبّ إلّا نفسه؛ والفقير هو المستعِدّ أن يعطي كلّ شيء له، سواء قليلًا كان الّذي يملكه أم كثيرًا. الغنيّ هو الّذي يحبّ نفسه، ومن ثمّ، سواء قليلًا كان الّذي يملكه أم كثيرًا، فهو غنيّ بما يملكه. أمّا الفقير، الّذي يكون مستعدًّا لأن يعطي كلّ شيء، فهذا هو الّذي يعطيه الرّبّ الإله ملكوت السّموات. لذلك، في إنجيل متّى، مثلًا، يقول: "طوبى للفقراء بالرّوح، لأنّ لهم ملكوت السّموات". الفقراء بالرّوح هم كالأرملة، الّتي رآها الرّبّ تضع ما لديها، في صندوق التّقدمات، في الهيكل. كان هناك أناس عديدون يضعون كمّيّات من المال. الرّبّ الإله لا ينظر إلى كمّيّة ما نجعل في صندوق التّقدمات. من المؤكّد أنّ كثيرين وضعوا أكثر من هذه المرأة الأرملة، الّتي أشار إليها الرّبّ يسوع. الرّبّ يسوع كان يلاحظ. فجأةً، نظر إلى تلاميذه، وقال لهم: الحقّ اقول لكم: إنّ هذه المرأة الأرملة قد وضعت، في الصّندوق، أكثر من الجميع. لماذا؟!. هل كانت لديها كمّيّة كبيرة من المال؟!. لا، أبدًا!. كانت امرأة فقيرة. لكن، جعلت في الصّندوق ما كان معها، بالكامل: فلسَين!. ثمّ أردف الرّبّ يسوع: كلّ هؤلاء وضعوا من فضلاتهم. أمّا هي، فوضعت من إعوازها، من حاجتها. هذان الفلسان، بالنّسبة إليها، كانا ثمن رغيف، كانت هي بحاجة إليه، حتّى تأكل. ومع ذلك، قدّمت صندوق العطايا، في الهيكل، على نفسها. لذلك، في نظر الرّبّ الإله، وضعت أكثر من الجميع. ومن ثمّ، النّتيجة هي أنّها أخذت الملكوت، لأنّه هو قال: "طوبى للمساكين بالرّوح، فإنّ لهم ملكوت السّموات". في تلك اللّحظة، أعطاها الرّبّ يسوع الملكوت. إذًا، الفقير، يا إخوة، عند الرّبّ، هو المستعدّ أن يعطي كلّ شيء، هو السّخيّ في العطاء، على حسب ما ورد في المزامير: "بدّد" – لا أنفق. أي أعطى من دون حساب – "بدّد، وأعطى المساكين؛ فبرّه يدوم إلى الأبد". هذا هو الفقير في الرّوح. ربّما يملك الفقير في الرّوح كثيرًا، وربّما قليلًا. عادة، يملك القليل؛ لأنّه، إذا كان يملك الكثير، فإنّه يكون عرضةً لتجربة أن يحتفظ لنفسه بالقسم الأكبر ممّا له. ساعتذاك، يعطي الفقراء، إذا أعطى، من فضلاته. وهذه تجربة!.

    طبعًا، هناك فقراء يعطون كلّ شيء، وهناك أغنياء، أيضًا، يعطون كلّ شيء. لكنّ هؤلاء قلّةٌ عزيزة جدًّا. هذا مُستطاع، فقط، عند الله. فإذا أردنا أن نعرف ما إذا كان إنسان ما فقيرًا إلى الله، بمعنى الكلمة، فإنّ فقره يظهر، في الحقيقة، في عطائه غير المحدود. الّذي يعطي، بلا حساب، عطاءً غير محدود، فهذا يكون فقيرًا لله، ومن ثمّ يعطيه الله كلّ شيء. لا يعطيه الملكوت، فقط؛ بل، كلّ ما يحتاج إليه، على الأرض، أيضًا. لهذا السّبب، ما من فضيلة أعظم من الفقر في الرّوح. هذه أعظم الفضائل. في الحقيقة، كلّ الفضائل تأتي من فضيلة الفقر بالرّوح. إذا كان الكتاب قد قال: "محبّة المال أصل لكلّ الشّرور"، فبإمكان المرء أن يقول، بكلّ ضمير صالح: "محبّة الفقر بالرّوح أصل لكلّ الخيرات والبركات". الله جاءنا فقيرًا، ولم يأتنا غنيًّا. الله تجسّد، وأقام، في هذا العالم، كإنسان فقير؛ لأنّه هو الغنيّ. لهذا السّبب، وُلد في مغارة، وُلد في مذود للبهائم. لم يكن له مكان بين أغنياء هذا العالم. فلمّا قال له أحدهم: "يا معلّم، أتبعك، أينما ذهبت"، قال له الرّبّ يسوع، بوضوح: "ليس لابن الإنسان مكان يسند إليه رأسه". طبعًا، هو كان، في البداية، يعيش في النّاصرة، ثمّ انتقل إلى كفرناحوم. وطبعًا، كان لديه مكان يبيت فيه. لكن، هذا كان كأنّه لا شيء، بالنّسبة إليه: "ليس لابن الإنسان مكان يسند إليه رأسه". هذا يعني، عمليًّا، أنّه فقير، بالكامل. هو لا يجد راحة لنفسه، إلّا في إتمام عمل الآب السّماويّ، الّذي أرسله الآب من أجله. لذلك، قال الرّبّ يسوع لتلاميذه: "طعامي أن أعمل مشيئة الآب الّذي أرسلني". هذا هو طعامي، وهذا هو عملي، وهذه هي راحتي. ليس للرّبّ يسوع طعام، ولا شراب، ولا راحة، في هذه الدّنيا، تملأ له فراغه الكيانيّ. طبعًا، كان يأكل ويشرب، لأنّه كان إنسانًا. طبعًا، كان ينام. حين كان في السّفينة، كان نائمًا. وحين ثارت العواصف، كان نائمًا. لكنّ العواصف لا تؤثّر فيه، لأنّه هو مقيم في حضن الآب السّماويّ، ومن ثمّ في الرّاحة الكاملة. لا فقط العواصف، في هذه الدّنيا، لا تؤثّر فيه؛ بل، أيضًا، له سلطان على كلّ ما يمكن أن يُسمّى "عاصفة"، في هذه الدّنيا. الرّبّ يسوع، حين قالوا له إنّهم على وشك أن يغرقوا، قام ووبخّهم على عدم إيمانهم، وقال للرّيح: اخرس!. فصار هدوء عظيم. الرّبّ يعطي مثل هذا السّلطان لكلّ الّذين يفتقرون، إراديًّا، في الرّوح، إليه؛ الّذين يتعلّمون، يومًا بعد يوم، ألّا يطلبوا شيئًا غير وجهه تعالى.

    القدّيس نيقولاوس، الّذي نعيّد له اليوم، كان صورة من صور الفقراء في الرّوح إلى الآب السّماويّ. لهذا السّبب، كانت عطاءاته لا حدّ لها، ولم تكن، فقط، عطاءات ماليّة. كان يعطي بلا حساب، أي كان يعتني بالنّاس، بلا حدود. كان يحبّ النّاس، ويتابع النّاس، ويهتمّ بالنّاس. وهذا كان، بالنّسبة إليه، طعامه، وشرابه، وراحته. ألم يكن القّديس نيقولاوس يأكل، ويشرب، وينام، ويرتاح؟!... طبعًا. لكنّ راحته الحقّ كانت في أن يريح النّاس المتعَبين. طعامه الحقّ كان أن يُطعم الجائعين، في هذه الدّنيا. شرابه الحقّ كان أن يسقي العطاش، في هذه الدّنيا. وفي الدّرجة الأولى، فرحه كان أن يأتي بخراف المسيح إلى مراعي الحقّ الإلهيّ، إلى مراعي الإنجيل، إلى مراعي حقّ الإنجيل.

    حياة الإنسان هي من أجل أن يصير الإنسان رجلًا لله، أي فقيرًا إليه. كلّ همّه أن يغتني بكلمة الله، أن يغتني بروح الله، بنور الله، بمحبّة الله. لذلك، المحبّة، بالنّسبة إليه، هي الغذاء، هي الدّواء، هي الفرح، هي الملكوت. مَن لا يسعى إلى تعزية الحزانى، فلا يمكنه أن يذوق الملكوت منذ الآن. مَن لا يُطعم الجياع، في هذه الدّنيا، فلا يمكنه أن يمتلئ من المنّ السّماويّ، الّذي أعطاه الرّبّ يسوع المسيح للعالَمين.

    القدّيس نيقولاوس، بعد والدة الإله، هو من أبرز القدّيسين، في التّاريخ. ومع ذلك كلّه، لا نعرف عنه سوى القليل القليل. المعلومات عنه، إذا أردنا أن نصفّيها بمصفاة علم التّاريخ، اليوم، لا قيمة لها. ومع ذلك، هذا القدّيس كان، على مدى سبعة عشر قرنًا، حيًّا في نفوس النّاس؛ لأنّه كان يعتني بهم، كان يهتمّ بهم. كان، في حياته، أسقفًا لميرا اللّيسيّة، فصار، برقاده، أسقفًا لكلّ الكنيسة، في العالم!. في روسيا، كلّ سنة، في شهر أيّار، تقريبًا، عشرات ألوف المؤمنين يقومون بمسيرة طولها مئة وسبعون كيلومترًا، حاملين أيقونة القدّيس نيقولاوس، ذهابًا وإيابًا، سيرًا على الأقدام!. أطفال، وشيوخ، وحتّى مُقعَدون، يجعلونهم في العربات، يسيرون وراء الأيقونة. هل هؤلاء مجانين؟!. القدّيس نيقولاس حيّ، في نفوس هؤلاء البشر، لماذا؟!. لأنّ المحبّة، محبّة الله، لا تموت!. الإنسان يبحث، في حياته، عن نموذج الإنسان الّذي يحبّ: "علّمني أن أعمل رضاك، لأنّك أنت إلهي". عمَّا يبحث الإنسان؟!. مَن هو الإنسان؟!. ما الّذي يحقّق الإنسان؟!. الحبّ، فقط!. الإنسان يتحقّق بالحبّ، بالعطاء، بالبذل، بالفقر من أجل الله. هذا يُعطى كلّ شيء، من دون استثناء. القدّيس نيقولاوس، من المؤكّد أنّه كان يصلّي. لكنّه كان يصلّي من أجل الآخرين، من أجل النّاس. أمّا من أجل نفسه، فكان يسأل رحمة ربّه. لا يطلب شيئًا لنفسه. الإنسان الفقير لا يطلب شيئًا لنفسه، على الإطلاق. يعطي كلّ ما له. يتعلّم. كما يتمرّس الإنسان على أن يجتاز بحر "المانش"، يتمرَّس، أيضًا، على أن يجتاز بحر الفقر!. الحياة الرّوحيّة بحاجة إلى جرأة وعنف مع النّفس!. هناك أمر مهمّ جدًّا على الإنسان أن يتعلّمه، قبل أن يغادر هذه الدّنيا: الفقر لأجل المسيح!. حين يرتضي المرء أن يكون مكشوفًا، بالكامل، لا شيء لديه يعتمد عليه، من ذاته، وليس سوى الرّبّ الإله يعتمد عليه؛ إذ ذاك، يكون قد حقّق إنسانيّته، صار إنسانًا جديدًا مكتملًا، بكلّ معنى الكلمة!. إذ ذاك، يصرخ، كما صرخ الرّبّ يسوع على الصّليب: "في يديك أستودع روحي"!. القدّيس نيقولاوس كان نموذج الإنسان الجديد، على صورة معلّمه الرّبّ يسوع المسيح. هل يأتي أحد على ذكر ما كان القدّيس نيقولاوس يأكله ويشربه، وأين كان ينام، وأيّ قصر كان لديه، وبأيّة عربة كان يتنقّل، وما كان لديه من متاع في مقرّ مطرانيّته؟!... لا أحد يذكر أمورًا من هذا النّوع، على الإطلاق، لأنّها عديمة القيمة، تمامًا. اليوم، في القصص البسيطة الّتي تُروى عنه، وفي الحضور العظيم الّذي له في كلّ العالم، الهمّ الأساسيّ للعالم، في القدّيس نيقولاوس، هو محبّته الجزيلة للنّاس!.

    لهذا السّبب، أعطاه الرّبّ الإله، وأعطانا به، علامة مهمّة جدًّا. القدّيس نيقولاوس، منذ أكثر من ألف وستّمئة سنة، لا تزال عظامه ترشح سائلًا يُسمّى "الميرون"، أو "المنّ". لم تتوقّف عظامه عن بثّ هذا السّائل، حتّى اليوم. لذلك، كلّ سنة، في التّاسع من أيّار، في مدينة باري، حيث توجد عظامه، يأخذون من قبره كمّيّةً من السّائل الّذي يكون قد انبثّ من عظامه، خلال السّنة الفائتة، ويوزّعونها على المؤمنين، فتجري أشفية وبركات عظيمة به. هذه علامة أنّه حيّ وأنّ الحياة مقيمة في عظامه. وهو حيّ، لأنّ روح الرّبّ يسكن في هذه العظام. روح الرّبّ الّذي فيه، وحضوره الثّابت في عظامه، هو يعطي ذلك. هل العظام ترشح من ذاتها؟! طبعًا، لا!. بل روح الرّبّ، الّذي يقيم في عظام الإنسان، هو يعطي، بهذا الإنسان، أن تجري من بطنه "أنهار ماء حيّ"، أنهار البَرَكة، على قولة الرّبّ يسوع المسيح. فالقدّيس نيقولاوس كان، ولا يزال، وسيبقى، حتّى الأخير، صورة لمعلّمه الفقير إلى أبيه السّماويّ، وصورة أيضًا للمرأة الأرملة، الّتي، بفلسين، ابتاعت الملكوت. القدّيس نيقولاوس اشترى الملكوت، وهو يوزّعه، على مدى التّاريخ، على كلّ الّذين يقصدونه فيزداد نعمة فوق نعمة. لهذا السّبب، أنتم، وغيركم، تأتون، في عيد القدّيس نيقولاوس، حتّى تشتركوا في الخدمة الإلهيّة، وترفعوا الصّلوات والابتهالات لأجل أن يعطيكم الرّبّ الإله، بقدّيسه نيقولاوس، البركة. ألا أعطاكم الرّبّ الإله، وإيّانا، نعمة حضوره، بهذا القدّيس العظيم، وإلى سنين عديدة. آمين.




ملاحظة: هذا موضوع عظةٍ ألقيت في عيد القدّيس نيقولاوس، 6 كانون الأوّل 2017



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

10 كانون الأول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share