ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).
نقاط على الحروف
لماذا الأيقونة؟

   اليوم، يا إخوة، تذكر الكنيسة المقدّسة آباء المجمع المسكونيّ السّابع، الّذي تولّى تثبيت إكرام الأيقونات، بعد فترة امتدّت طويلاً، اضطُهِد فيها مكرِّموها. وقد أُتلفَت أكثر الأيقونات القديمة، الّتي كانت معروفة قبل القرن الثّامن للميلاد.

ما أهمّيّة الأيقونات، في الكنيسة؟ نحن، يا إخوة، في الدّرجة الأولى، نكرم الأيقونات ولا نعبدها. لهذا السّبب، كلّ ما يمكن أن يُقال أنّنا، إذا استعملنا الأيقونات، في الكنيسة، نعبد أوثانًا، كلّ هذا غير صحيح. هناك فرق كبير بين الإكرام والعبادة. العبادة هي لله، ولله وحده. ولكن، الإنسان يعبّر بالكلمة، وبالصّورة. للإنسان حواسّ، يعبّر بها. لهذا، نحن نبخّر. والبخور، عندنا، علامة لإكرام المؤمنين، وعبادة الله في المؤمنين. كذلك الأمر بالنّسبة إلى الكتاب المقدّس. فإنّ فيه كلمات، لكنّ هذه الكلمات هي، فقط، حمّالات لحضور الله في ما بيننا. لا نستطيع أن نعبّر بطريقة غير بشريّة. نحن بشر. لذا، نعبّر بالصّوت، بالكلمة المكتوبة، بالأيقونة، بالبخور... هذه كلّها لغات. لكن، علينا أن نعرف أنّ الكلمة الإلهيّة، الّتي تُتلى علينا، صحيح أنّ لها حلّة بشريّة؛ لكنّها لا تقتصر على الكلمات البشريّة، فهذه الكلمات تحمل حضورًا إلهيًّا. لذا، هذا الكتاب نسمّيه الكتاب المقدّس. الكتاب المقدّس، لأنّ له بعدًا بشريًّا، وآخر إلهيًّا. هو يختلف عن كلّ كتاب آخر، في العالم. كلّ الكتب، في العالم، هي كتب بشريّة. أمّا الكتاب المقدّس، فهو كتاب بشريّ – إلهيّ. بكلام آخر، نؤمن بأنّ ابن الله تجسّد، أي إنّ الله صار إنسانًا. هو، في الوقت نفسه، إله وإنسان. الرّبّ يسوع المسيح إله وإنسان، معًا. لهذا السّبب، كلّ ما يصدر عن الله للإنسان هو إلهيّ وبشريّ، على صورة الرّبّ يسوع المسيح، الإله والإنسان. الكتاب المقدّس، إذًا، فيه كلام بشريّ. لكنّ هذا الكلام البشريّ يحمل الحضور الإلهيّ، كما حمل جسد الرّبّ يسوع المسيح، الّذي أخذه من مريم البتول، حضوره الإلهيّ. الله كان حاضرًا فيه واحدًا وإيّاه. على هذا، الكلمة الإلهيّة هي كلمة بشريّة، وكلمة إلهيّة، في وقت واحد.

    الأمر نفسه يُقال بالنّسبة إلى الأيقونة. الأيقونة، في حدّ ذاتها، فيها ألوان، لا شكّ في ذلك. ولا شكّ في أنها رسوم وأشكال. لكن، هذا الّذي نرسمه، نضع اسمه على الرّسم. إذا كانت هناك صورة لأحد -كائنًا مَن يكون - لا اسم عليها، فلا نعتبرها أيقونة ولا نكرمها، على الإطلاق. إذًا، عندما نكرم الأيقونة، فإنّنا، عمليًّا، نعتبر الإكرام موجّهًا إلى صاحب الأيقونة. هنا، مثلاً، لدينا القدّيسة بربارة. نحن، عندما نسجد أمام القدّيسة بربارة، فإنّنا لا نسجد للحائط، بل قدّام القدّيسة الّتي هي في السّماء، والّتي هي حاضرة من خلال الأيقونة الّتي رسمناها على الحائط. بالطّريقة نفسها، نقبّل الكتاب المقدّس. بتقبيلنا الكتاب المقدّس، نقبّل الله، الّذي سُرّ أن يعطينا نفسه من خلال هذا الكلام البشريّ. إذًا، إكرامنا ليس للألوان، وليس للخشب، بل لمَن هو مرسوم على الخشب. إذًا، نكرم الله وقدّيسيه، بأشكال بشريّة، وبتعابير بشريّة. الكنيسة تمسّكت بإكرام الأيقونات، لأنّ إكرام الأيقونات قائم على أساس التّجسّد الإلهيّ. الأيقونة تدلّ على أنّ ابن الله - الأقنوم الثّاني من الثّالوث القدّوس - قد تجسّد فعلاً. صار إنسانًا بكلّ معنى الكلمة. صار محسوسًا. الله صار محسوسًا في جسده. الله، في الجسد، أكل، وشرب، وتألّم. إذًا، هذا أمر يفوق مدارك الإنسان. الإنسان لا يمكنه أن يفهم أمرًا كهذا. لكنّه أُعطِيَ أن يقبل هذا الأمر بالإيمان، بهذه الثّقة أنّ الله قد تجسّد فعلاً، قد صار محسوسًا بالفعل. هو، غير المحسوس، يعطينا نفسه، بصورة محسوسة، في الأيقونة؛ ويعطينا نفسه، بصورة مسموعةـ بالكلمات البشريّة؛ ويعطينا نفسه، من خلال العبادة الّتي نقيمها: من خلال البخور، ومن خلال الحركات، ومن خلال الكلمات... الكاهن، مثلاً، لحم ودم كأيّ إنسان. وفي وقت من الأوقات، هذا الجسد سيصير ترابًا. لكنّ الرّبّ الإله ارتضى، برفع الكاهن يده، وبرسم إشارة الصّليب، بشكل معيّن، أن يشير إلى اسم الرّبّ يسوع. بهذا، هو، عمليًّا، يعطي بركة المسيح، غير المنظور، بطريقة منظورة. لهذا السّبب، النّاس ينحنون، ويأخذون البركة، ويسجدون، علمًا أنّ هذا الكاهن إنسان كغيره. لكنّ هذا الإنسان اختارته الكنيسة، ووضعت اليد عليه، وأنزلت عليه نعمة الله، لكي يصير خادمًا للرّبّ الإله. فالكاهن، حين يلبس ويخدم وفقًا للتّرتيب الّذي جعلته الكنيسة المقدّسة، ليس هو، عمليًّا، مَن يقيم الخدمة الإلهيّة، بل الرّبّ يسوع المسيح، غير المنظور، هو مَن يقيمها من خلاله، هو المنظور، لأجل حياة المؤمنين، وتقديس المؤمنين. بالطّريقة نفسها، نحضّر القربان. نحضر الخبز والخمر والمياه، وهذه نقدّسها. بكلام آخر، يرتضي الرّبّ الإله، وهو غير المنظور، أن يحلّ، بالرّوح القدس، في الخبز والخمر؛ فيصيران، بحلول روح الرّبّ القدّوس، جسدَ المسيح ودمَه. وهذا ما نشترك فيه. عندما نشترك في القدسات، أي عندما نساهمها، فنحن نذوق خبزًا وخمرًا؛ لكنّ هذا الخبز يحمل المسيح كجسد له، أي إنّنا نأخذ الله الّذي سُرّ أن يعطينا نفسه تحت علامة الخبز. هذا ما فعله الرّبّ يسوع في العشاء الأخير. عندما كان هو وتلاميذه، أخذ رغيف الخبز، وأعطى التّلاميذ، قائلاً: "خذوا كلوا، هذا هو جسدي"، وأخذ الكأس- كأس الخمر، في ذلك الزمان - وقال لهم: "اشربوا منها كلّكم، هذا هو دمي". إذًا، الرّبّ ارتضى أن يعطينا نفسه تحت علامة الخبز والخمر. ثمّ قال: "اصنعوا هذا لذكري". لهذا السّبب، نحن نصنع ما صنعه الرّبّ يسوع المسيح، في العشاء الأخير؛ ومن ثمّ، بروح الرّبّ القدّوس، يصير هذا الخبز والخمر، كلّما اجتمعنا لنشترك في القدّاس الإلهيّ، جسدَ المسيح ودمَه. أنا لا أستطيع أن أفسّر، لكنّني أقبل؛ وأنتم لا تستطيعون أن تفسّروا، إنّما عليكم أن تقبلوا بالإيمان. هذه حقيقة تفوق عقل الإنسان، تفوق مدارك الإنسان، لكنّها حقيقة أكيدة بكلّ معنى الكلمة.

    إذًا، هذه هي حياتنا في المسيح. لهذا السّبب، الأيقونة مهمّة جدًّا، ونحن نقبّلها، ونسجد أمامها. لكنّ هذه القبلة، الّتي نطبعها على الأيقونة، موجّهة إلى صاحب الأيقونة. أي عندما نقبّل أيقونة السّيّد والسّيّدة، فنحن نقبّل السّيّد والسّيّدة، لا الخشب فقط، إنّما الخشب لا بدّ منه، لأنّ لدينا أجسادًا، لأنّنا من هذه الدّنيا، ولا يمكننا أن نعبّر إلاّ بطريقة محسوسة عمّا هو غير محسوس. الله غير محسوس، في ذاته، الله روح. ومع هذا، صار محسوسًا، لمّا تجسّد، كي يعطينا نفسه بطريقة تناسبنا. لهذا السّبب، هذه المحسوسات الّتي نستعملها، في الكنيسة، ليتقدّس بها المؤمنون، هي حاملة للحضرة الإلهيّة. من هنا أنّ علينا أن نوقّر هذه المحسوسات، الّتي تحمل حضور الله غير المحسوس، توقيرًا كاملاً؛ أي يجب أن نعتبر أنّ الرّبّ يسوع المسيح حاضر، هنا والآن، معنا. عندما أعطيكم البركة، فأنا لا أعطيكم إيّاها من عندي، بل الرّبّ يسوع المسيح هو الّذي يعطيكم إيّاها من خلالي. أنا أصبح نوعًا من آلة بشريّة، بمعنى. من خلالي تأخذون حضور الله الّذي يفوق الإدراك، ويتخطّى الأزمنة. بكلام آخر، الأمر نفسه، الّذي حدث منذ ألفي سنة، ما زال يحدث الآن. الفرق أنّ الرّبّ يسوع المسيح، في ذاك الحين، عاش بين التّلاميذ بالجسد، ثمّ صعد إلى السّماء، وأرسل إلينا روح الرّبّ القدّوس؛ حتّى نستمرّ نحن بعمل ما عمله هو، بقوّة روح الرّبّ القدّوس، باعتبار أنّ الله حاضر، البارحة واليوم وغدًا، وإلى الأبد، وهو فاعل في حياتنا بكلّ معنى الكلمة. لهذا، الأيقونة هي دستور الإيمان: "أؤمن بإله واحد، آب ضابط الكلّ...". ثمّ نقول: "وبالرّبّ يسوع المسيح"، الّذي تجسّد من البتول. إذًا، هذه الأيقونة تشير إلى كون الله قد تجسّد، وإلى كون الإنسان قد أُعطِيَ أن يدخل في صلة مع الله من خلال الأيقونة، من خلال الكلمة، من خلال البخور، من خلال كلّ شيء محسوس بشريّ. بات الإنسان قادرًا أن يتحدّث مع الله بلغته البشريّة. عندما يقول المرء: "ارحمني، يا ألله، كعظيم رحمتك"، لا يقول كلامًا فقط، بل يوجّه الكلام إلى الرّبّ الإله. يقول له "ارحمني، يا ألله!". الآن، وأنا أخاطبكم، هل أتكلّم كلامًا بلا هدف، أو أتكلّم لأدخل في صلة معكم؟ الكلام يصل بين النّاس. هو لغة تربط النّاس بعضهم ببعضهم الآخر. بالطّريقة عينها، حين أستعمل الكلام، أو الصّور، أو أيّ شيء محسوس، كأداة تحمل الله؛ فأنا، إذ ذاك، أدخل في صلة مع الله. أحكي مع الله، كما تتكلّمون أنتم مع الله. كلّ واحد منّا مُعطى أن يتكلّم مع الله، أن يدخل في علاقة مع الله، في صلة مع الله، من خلال أشياء محسوسة مادّيّة. نحن بشر، ونحتاج إلى هذه الأشياء. هل أستطيع أن أخاطبكم، إن كنت لا أتكلّم معكم؟ إن كنت لا أرفع صوتي؟ إن لم أحوّل هذا الكلام، الّذي في عقلي، إلى كلمات وصوت، حتّى يصل إليكم، حتّى تصير هناك صلة بين عقلي وعقولكم، بين قلبي وقلوبكم، بين حضوري وحضوركم، ومن ثمّ حضور الله فيّ وفيكم؟! كلّ هذا يجعل الأيقونة أمرًا أساسيًّا جدًّا للتّعبير عن طبيعة الإيمان المسيحيّ. لو لم يكن الأمر كذلك، لما كان المسيحيّون، في ذلك الزّمن، قد بذلوا العديد من الشّهداء، وناضلوا للحفاظ على الأيقونة. من دون أيقونة، بدوا كأنّهم يقولون إنّ الله لم يتجسّد. لكنّ الله تجسّد. الله صار إنسانًا. الله صار محسوسًا. أعطانا نفسه. ونحن، في كلّ قدّاس إلهيّ، نتحسّس حضور الله. نأخذه بشكل حيّ، بشكل محسوس، بشكل بشريّ. لكنّه، في الوقت عينه، هو الإله، وقد سُرَّ أن يعطينا نفسه بهذه الطّريقة. لهذا السّبب، نقبل، ونشكر، ونفرح، ونتمسّك بإيمان الكنيسة، وبما علّمنا إيّاه آباؤنا القدّيسون.

    الرّسالة تقول أمرًا واضحًا جدًّا: "رجل البدعة - أي الّذي يعلّم تعليمًا مغايرًا لتعليم الكنيسة - بعد الإنذار مرّة وأخرى، أعرض عنه، عالمًا أنّ مَن هو كذلك قد اعتسف - أي ضلّ الطّريق- وهو في الخطيئة، يقضي بنفسه على نفسه". إذًا، رجل البدعة نعرض عنه، إذا تمسّك ببدعته، إذا تمسّك بتعليم غريب عن تعليم الكنيسة. لهذا السّبب، نحن، المؤمنين، علينا أن نتمسّك بما تعلّمنا إيّاه الكنيسة. الموضوع ليس موضوع تغيير كلمات، بل هناك حضرة إلهيّة في هذه الكلمات. لذلك، نحافظ على كلّ ما استلمناه من آبائنا القدّيسين، وهذا ننقله إلى أبنائنا، ونستمرّ بنقله بأمانة كاملة.



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

15 تشرين الأول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share