قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
نقاط على الحروف
الذّكاء القاتل والنّار المحيية!.

"إنّ الأحداث المأسويّة الّتي يمرّ بها العالم

المعاصر سوف تخلق الظّروف المؤاتية للعودة

إلى الإيمان".

(فاليريو غافنكو)


   سُئل المعترف الرّومانيّ الجديد، فاليريو غافنكو (+ 1952)، ماذا ينقص العالم المسيحيّ اليوم: الإيمان أم الحقّ أم القوّة؟. فأجاب: بادئ ذي بدء، ثمّة أزمة إيمان. بنتيجة ذلك، جعل العالم نفسه بمعزل عن الحقّ، ولهذا السّبب، سحب الله القوّة من يد المسيحيّين.

   حيث لا إيمان حيّ فاعل بالمحبّة يربض الإنسان في غربة عن الحقّ. ولمّا كان، في عمق نفسه، بحاجة أحشائيّة إلى الحقّ لأنّ الكيان، من حيث تكوينه، لا يقبل، عن وعي، أن يكون في الضّلال، فإنّ الحقّ فيه يضحى، والحال المرضيّة الّتي هو عليها، إسميًّا، ضربًا من تمويه، كذبةً، صورةً زيفًا عن ذاته، يقتبلها كأنّها إيّاه، مدعومةً بتأمّلاته وقناعاته الفكريّة. ما يقتنع به، دماغيًّا، يمسي هو الحقّ وبديلًا عن الحقّ الّذي من فوق، مهما كانت الهوّة بين صورته عن نفسه والحقّ. هؤلاء يستبدلون حقّ الله بالكذب، وفيهم يقول الرّسول بولس، في رسالته إلى أهل رومية، إنّهم إذ لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم يسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق مملوئين إثمًا ومشحونين حسدًا ومُبغِضين لله ومتعظّمين وهم بلا فهم ولا رحمة (رومية 1).

   الذّكاء، في هذا السّياق، خطِر، طالما القلب موارب؛ وكلّما كان فائقًا، اشتدّت خطورته، وكذلك سائر المواهب الطّبيعيّة. الذّكاء، حتّى في حال الإيمان، يمكن أن يكون سبب عثرة ليست بقليلة، لذا بحاجة هو إلى ضبطٍ كثير، بحاجة إلى تنشئة راسخة في مخافة الله أو إلى نسك شديد أو إلى ألم كبير، وإلّا لا يُراض!. حصان جامح وتجربة فائقة!. فكيف إذا كان صاحبه غريبًا عن الإيمان وتاليًا مُبغِضًا لله، على حدّ تعبير الرّسول المصطفى؟!. الإثم بيده إذ ذاك يعمق ويتّسع نطاقه وينتظم ويرهف وتعظم أذيّته!. بالذّكاء، والحال هذه، يشتدّ زهو الإنسان بنفسه ويعظم غروره، وهذا يشدّه، بصورة عفويّة، إلى عمق فلك الشّرّير، لأنّ نَفَسَ الشّرّير، في الإنسان، مبذور وفاعل في عبادته لذاته!. الانشداد، أوّل الأمر، يكون على نحو غير مباشر، بنسبة ما من روح الأثيم، من زخم، في الإنسان عينه؛ ثمّ بعد ذلك، بتمرّس الإنسان بما للشّرّير تتداعى الفواصل ما بين الإثنين، ويتطبّع في الأوّل ما لروح الثّاني وتزول الحساسيّات الذّاتيّة وتغيب تحفّظات الإنسان الممكنة حيال الشّيطان، إن وَفُرَتْ مثلُ هذه الحساسيّات في خبرة ابن آدم، كما تتدهرن نظرته إليه، فيصيران كما بلا حدود تفصل ما بينهما، جسدًا واحدًا بمعنى!. الذّكاء الّذي يغذّي عشق الذّات ويغتذي به ينفتح بالأكثر على روح الخبيث، الّذي يمدّه بإلهامات وأمواج تلو أمواج من الغرور، وكذلك بإيحاءات من المآثم المستجدّة وألوانها، ليشتغلها ويبلورها ويجسّدها وينظمها، بحيث يؤول الأمر بصاحب الذّكاء الفائق إلى إسلام كيانه بالكامل للشّرّير، فيصير كأنّه لسان له، ويحسب الأمر امتيازًا عظيمًا لذاته، كمَن يبلغ ملء المشتهى، إذ يكون الإنسان قد عقلن الشّيطان تمامًا ورذل كلّ إمكان مقاربة دينيّة له!. ولأجل المفارقة، تفضي المقاربة العقلانيّة للشّرّير، ومن ثمّ إفراغ الذّهن نحوه وحياله، إلّا من تردّدات الشّرّير نفسه، إلى مقاربةٍ شبه دينيّة واعية إثر إقبال الشّرّير على كشف ذاته له على نحو دقيق ومتنامٍ، ولكن، مقاربةٍ من نوع جديد: العبادة العقليّة بالأشكال والرّموز الّتي تتخطّى حدود العقل إلى ضرب من الميستيكيّة الباردة والسّوداء الّتي لا حسّ فيها بالآخر، من منطلق فتح الكيان بالكلّيّة للشّرّير المستوحش، بحيث يسكن في الإنسان كسيّد في بيته أو كملك على عرشه، ما يجعل الإنسان يتيح لإبليس أن يحيله إنسانًا إبليسيًّا، في مقابل الإنسان المتألّه المستوحد بالله بسكنى الرّوح القدس فيه!. ساعتذاك، يضع الشّرّير يده بالكامل على الإنسان ويجعله كامتداد له بروحه الآثم فيه!. يستوطنه تمامًا ويجعله من زبانيته!. عند هذا الحدّ يستحيل شعور الإنسان بالامتياز الكبير عذابًا فائقًا، إذ يمعن الشّرّير، إذ ذاك، في تحقيره وتعذيبه ويلقيه بمعنى في النّار والماء!. هي مسرّةُ الشّرّير، في نهاية المطاف، أن يَنكى بالله وأن يعذّب الإنسان مخلوقَه!. لذا، ليس الجحيم من الله بل ممّا يحدثه الشّرّير في نفوس الّذين يسلمون ذواتهم إليه!. أمّا محبّة الله فتستحيل للشّيطان وزبانيته، أبالسةً وبشرًا، غيظًا ونارًا داخليّة باردة ودودًا لا يموت!.

   على هذا، تكون المناداة بنظام عالم جديد يحكمه العقل والعلم والتّكنولوجيا دعوةً مفتوحة للإعداد لحكم الشّيطان للبشريّةِ، على نحو مباشر، وتحويل النّاس، باسم الحرّيّات، في الخطيئة، إلى عبيد له!. فوراء الإيغال في ما للعقل والعلم والتّكنولوجيا روح كونيّة فاسدة غرقى عبادة ذاتها، بحسب الإنسان، وعبادة الشّيطان، من ثمّ، بحسب روح الغريب!.

   هذا جوهر التّيّار الجارف اليوم. به تلقى مناخ العالم الفكريّ النّفسيّ مُشبَعًا. أمران متراصّان سلّم بسببهما الرّبّ الإله إسرائيل إلى الخراب: عبادة الأوثان والظّلم. ترجمة هذين الأمرين اليوم هي عبادة العقل والعلم والتّكنولوجيا، كذروة للأوثان الفكريّة، ومن ثمّ الشّيطانيّة، ثمّ العبوديّة الرّوحيّة المعمَّمة، كذروة لاستغلال الإنسان للإنسان، في غياب كلّ حسّ مشترك، ومن منطلق الحقوق والحرّيّات العامّة المعادلة للتّفلّت الدّاخليّ المنظّم، ما نجم عن بلوغ طلب الإنسان ما يظنّه لذاته، وليس كذلك، حدَّ الفردانيّة الآليّة الباردة الغريبة عن كلّ ما هو إنسانيّ فيه!. لقد دخل الإنسان دائرة غواية الآلة فسحرته فحلّت محلّ الإنسان وعدّلته وسلبته العديد من وظائفه الحيويّة باسم الفعاليّة والرّاحة والرّغد والتّواصل الأجوف، فبات بإزائها منفعلًا متبلّدًا متلقّيًا مقتبِلًا الموت في كلّ حين عن الحقيقة والوجه، مستعيضًا عنهما بعالم افتراضيّ من الصّور والرّسوم والحركات والألوان والأرقام!.

   الذّكاء، في جموحه، اليوم، يستغني عن العلاقات في مستوى القلب ليقصرها على العلاقات السّطحيّة الفيزيائيّة النّفسانيّة التّجاريّة، بالمعنى الأوسع للفظة "تجارة". العلاقات الحقّ في مناخ الفردانيّات المؤلّلَة تستحيل عِبْأً وإزعاجًا ونشازًا!. الإنسان المثاليّ يضحى الإنسانَ الآليّ!. العلاقات تتحوّل إلى أمداء استهلاكيّة!. المحبّات تنطفئ. الأحاسيس الأصيلة تموت. والمودّات تبطل. وكتلة نفسانيّات فيزيائيّة تحلّ محلّها. ولك من اللّياقة والتّهذيب الخاويين ما شئت. القسوة والبرودة إذ ذاك تسودان!. يُنتج الذّكاءُ ما لا يحيي ويضرب بالعقم ما من الحياة الحقّ في الإنسان!. يعزّز النّزعة إلى الموت الكيانيّ!. فلا عجب إن أضحى جلُّ التّوجّه مركّزًا، في العالم المعاصر، في إنماء الذّكاء، في التّعليم، في السّياسة، في الاقتصاد، في الإعلام، في الاجتماع، في الإدارة... والنّاتج، على صعيد الإنسانويّات المزيّفة: أحكام استهلاكيّة!. الشّخص يُقطَع من الجماعة، ويستحيل في الوجدان فردًا، والفرد يُتعاطى باعتبار نفعه، وهو في ذاته عديم القيمة، والقيمة للجمهور الكبير وللرّأي العامّ المزعوم، والجمهور قطيع يُحرَّك عن بُعْدٍ، يختلقه مَن يقيمون أنفسهم على السّياسة ويُسقطون على النّاس ما يرغبون فيه، لتُمحى الوجوه وتُستعبَد باسم تدبير شؤون النّاس، "هذه آلهتك، يا إسرائيل"؛ فيما تسخّر السّياسة الذّكاء لتستبدّ وتقمع إلى المنتهى وتبيد من الإنسان ختم مسيح الرّبّ والتّوق إليه بحشوه إلى النّهاية بما لا ينفع!.

   وكما التّجربة في العالم كذلك في الكنيسة. هاجس الذّكاء والعلم يطغى باسم الله على ما لروح الله!. الهوّة بين اللّاهوت والرّوحيّات تتّسع!. الفضائل تستحيل بالأكثر أخلاقيّات خاوية عامّة، والعبادة بالرّوح والحقّ طقوسًا. الهمّ بات بناء الهيكل الذّهبيّ، وما في الهيكل يُسيَّب!. لذا، يضحى عالم الله، على نحوٍ متنامٍ، في مناخ الذّكاء المفرَغ من روح الله، عالمًا افتراضيًّا فيه كلّ الكتاب والتّراث إلّا روح الله!. كتب تتكدّس ونهضة فكر تعمر ولكن قلّما تقع على أرض جديدة وعلى حياة جديدة من فوق!. البرودة تنسلّ في العظام وبابل تتفشّى!. نستعيض عن الإلهيّات بالكلام عليها وعن المعاينة بالتّأمّل الفكريّ!. نعالج الصّقيع بالحميّة في الكلام على الدّفء الرّوحيّ!. شعب يواجه الانحطاط بالمزيد من إعمال الذّكاء والإنتاج العلميّ، يخبط في الإلهيّات خبط عشواء!. يسير من انحطاط إلى انحطاط إلى أسافل دركات الانحطاط!. لا يغني الذّكاء عن الرّوح ولا الكلام عن الحبّ. لا تواجَه بلادة القلب بالفكر بل بالصّوم والصّلاة!. لا يُعالَج الفساد بالدّراسات بل بالتزام النّقاوة!. ليست النّهضة بخرّيجي الجامعات وحملة الدّوكتورا في كافّة الاختصاصات بل بالتّوبة والنّسك والدّموع!. الدّراسات، بالأكثر، لتسليط الضّوء على الضّلال، لنبذه وحماية النّاس منه. في ما تبقّى ننكبّ، بصمت وثبات، على صعود سلّم الفضائل، ليقدّس كلٌّ ذاته لأجل العالم. ليس الفقير والمريض والشّريد حالات اجتماعيّة ومعطيات إحصائيّة بل مذابح نرفع عليها قرابين قلوبنا لمسيح الرّبّ!.

   لقد بلغنا زمنًا خطِرًا. صورتنا عن أنفسنا في الكنيسة تتشوّه، لكنّنا نقتبلها ونحيا فيها كما لو كانت هي الأصل!. الملح يفقد ملوحته. هاجس العالم خلبنا. بتنا نسعى في إثر الأصنام الفكريّة في هذا الدّهر كما لو كانت هي المرتجى!. الشّكليّة تطغانا!. ولولا أنّ الرّبّ أبقى لنا بقيّة لصرنا مثل صادوم وشابهنا عامورة!. صلاة بلا قوّة، صوم بلا نسك، كلام بلا حسّ، مشاعر بلا حبّ، توبة بلا وجع قلب، فضيلة بلا ثمر... حتّى متى؟!. بلى، هذا هو البادي أنّ الإيمان يَهِن رغم كلّ مظاهر الازدهار الخارجيّ في الكنيسة!. لكنّ النّهضة عند ربّك آتية من حيث لا يتوقّعها أحد!. في شهادات بعض القدّيسين والمعترفين، النّجاة تقترب ولكن لا بالذّكاء ولا بالفكر ولا بالعلم ولا بالحداثة بل بالنّار والدّمار!. "على العالم"، وفق قولة والدة الإله لأحد المعترفين الجدد، فاليريو غافنكو، وهو في عمق المعاناة، "أن يتألّم بعد فإنّه ما زال هناك إيمان كبير راسخ وأنا جئت أشدّدك"، قالت له، "فكن شجاعًا واثبت. فالعالم ملك المسيح! فلا تشكّنّ ولا تخافنّ!".


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

26 أذار 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share