ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).
نقاط على الحروف
الصّليب الجالس على العرش!.
"لم يأتِ المسيح إلى العالم ليخلّص الإنسان من الألم.
ولم يأتِ حتّى ليفسِّر له ما الألم!. أتى، بالأحرى،
ليملأ ألم الإنسان من حضوره".

بول كلوديل.


   ما جئت لأصنع مشيئتي بل مشيئة الآب الّذي أرسلني. كلام يتّسم، في العمق، بإفراغ الذّات. لا فقط يتكلّم يسوع هنا كإنسان، بل كإله وإنسان معًا. فإنّه لم يتكلّم قطّ، على الأرض، كإله فقط أو كإنسان فقط. وله مشيئتان في آن. فمن جهة الألوهة، مشيئته ومشيئة الآب واحدة. رغم ذلك، لا يأتي على ذكر المشيئة الإلهيّة باعتبارها مشيئته هو، بل يغيِّب نفسه ليتكلّم على المشيئة الإلهيّة باعتبارها مشيئة الله أو مشيئة الآب. هذا يبدو، في إطار نقص الفهم، أحيانًا، دليلًا على أنّ يسوع إنسان وحسب، أو يتكلّم كإنسان وحسب. وما الأمر كذلك. بل هذه لغة المحبّة، لغة الله، لغة الثّالوث. الآب يغيِّب نفسه أبدًا ليظهر في الابن والرّوح القدس، والابن يغيِّب نفسه ليظهر في الآب والرّوح القدس. وكذا الأمر بالنّسبة للرّوح القدس. لا فقط لأنّ الآب هو الأصل، يُردّ الكلّ إليه، بل، أيضًا، لأنّه ليس أقنوم، في الثّالوث، يشهد لنفسه، ولو كان قادرًا على أن يفعل ذلك. كلٌّ يشهد للآخر. هذه سنّة الله المحبّة. "النّحويّة" هي السّنّة. الآب نحو الابن والابن نحو الرّوح القدس، وهكذا دواليك. لذا كان القول، من ناحيةٍ، ليسوع: كلّ ما للآب هو لي، وأنا والآب واحد. ليس ثمّة ما للآب ليس هو للابن أيضًا إلّا الأبوّة في مقابل البنوّة. ومن ناحية أخرى، يقول: لم آتي من نفسي بل ذاك أرسلني، وأنا أتكلّم بما علّمني الآب، وما سمعته منه هذا أقوله للعالم، وأنا أُكرم الآب. ومع ذلك يقول: مَن رآني فقد رأى الآب، وليس أحد يأتي إلى الآب إلّا بي، ومَن ليس له الابن ليس له الآب أيضًا. هذا كلّه لأنّ الابن له حياة في ذاته كما أنّ الآب له حياة في ذاته، ومن ثمّ كلّ ما للآب هو للابن، والآب والابن واحد، رغم أنّ الآب غير الابن والابن غير الآب...

   هكذا يتمثّل إفراغ يسوع لذاته من جهة الألوهة. أمّا من جهة البَشَرة فله مشيئة إنسان أيضًا. هذه غير مشيئته الإلهيّة الواحدة مع الآب والرّوح القدس. المشيئة تأتي من الطّبيعة ولا تأتي من الأقنوم. مشيئته الإلهيّة من جوهره الإلهيّ. لذا مشيئته البشريّة من طبيعته البشريّة. لو لم يكن الأمر كذلك ما كانت لتكون لإنسانيّته قيمة. قيمة إنسانيّته هي في أنّه أخضع مشيئته البشريّة من ذاته للمشيئة الإلهيّة. بقول يسوع: لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك، وأيضًا أعمل في كلّ حين ما يرضيه، أي الآب، لا فقط أكّد حقيقة تجسّده وحسب، بل رسم، كذلك، في جسده، معالم الإنسان الجديد، كآدم جديد. الإنسان الجديد هو مَن يعي مشيئته الخاصّة، ومع ذلك يخضعها من ذاته لمشيئة الله!. يفعل ذلك لأنّ الله يحبّه وهو يحبّ الله. في الحال الّتي الإنسانُ فيها، وأقصد بها حال السّقوط، حال الخطيئة، يبدو الخضوع كأنّ له مدلولًا سالبًا، بمعنى الإذعان. لم يكن الأمر كذلك بالنّسبة للرّبّ يسوع. فلأنّه، كإله، كان متمرّسًا بإفراغ الذّات، لأنّ الله محبّة، فإنّه، إذ صار إنسانًا، أخضع مشيئته البشريّة طوعًا للمشيئة الإلهيّة، من قبيل إفراغ الذّات، على نحو تلقائيّ، التماس المحبّة الكاملة لله، التماس وجه الله المحبّة، التماس وجه الآب السّماويّ. ولكن، ما كان تلقائيًّا ليسوع، ليس تلقائيًّا للإنسان، رغم أنّ يسوع قدّم نفسه طريقًا للخلاص. المسيحيّة، من البدء، اعتُبرت طريقًا. لذا ترجمتُها للإنسان جاءت فذّة. فإنّ مسيرًا جديدًا استبان، لا قِبل للإنسان به قَبل يسوع والرّوح المعزّي، الّذي أرسله من عند الآب. يسوع يعرض نيرًا، إذًا تعبًا ومشقّة، ويدفع لنا بحمله، إذًا بعناء وثقل، لكنّه يبدي أنّ نيره ليِّن وحمله خفيف. تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثّقيلي الأحمال وأنا أُريحكم!. إذًا، في العبء الّذي يشاؤنا الرّبّ يسوع أن نتّخذه، تقترن الاستحالة البشريّة بالاستطاعة الإلهيّة!. بدوني لا تستطيعون أن تفعلوا شيئًا، وأستطيع كلّ شيء في المسيح الّذي يقوّيني!. الضّعف، في الحال المستجدّة، قرين القوّة، والتّعب قرين الرّاحة، والحزن قرين الفرح. بكلام أدقّ، في المسيح، قوّة الله تقيم في ضعف الإنسان، وتعزيته في تعبه، وفرحه في حزنه!. ما لم يكن في حدود تصوّر الإنسان، أن يقدِّم له يسوع صليبًا!. هذا لليهود عثرة وللأمم جهالة، أمّا لنا فهو قوّة الله!. الصّليب أبلغ تعبير بشريّ عن حضور الله معنا وفيما بيننا!. في الصّليب تلتقي السّماء والأرض!. هنا يلتقي الله والإنسان!. الصّليب، في لغة الله، الّتي هي لغة  المحبّة، هو يسوع!. فيه، أي يسوع/الصّليب، محبّة الله تلاقي كراهيةَ الإنسان، وقوةُ الله ضعفَ الإنسان، وحياة الله موت الإنسان!. من هنا الصّليب: من رعونة الإنسان يأتينا وجعًا، ومن رحمات الله خلاصًا!. هذا كلّه خبره الرّبّ يسوع في جسدهَ!. هنا، في شخصه، استحالت اللّعنة بركة والسّقوط قيامة!. الكلّ كان للوصول إلى المحبّة صليبًا، ومن الصّليب، عوض الهلاك، خرجت الحياة الجديدة، دمًا وماءً!. هو الصّليب أضحى نقطة التّحوّل في تاريخ البشريّة للخلاص. كان التّاريخ، إثر السّقوط، اختباء من الله، فصار، بالصّليب، اختباء إليه!. الكلّ تحقّق على الصّليب!. قد تمّ!. الباقي تفاصيل!. لذا، ما شاء الرّبّ يسوع أن يقدّمه، مذ ذاك، هو الصّليب!. ليس شيء آخر!. مَن أراد أن يتبعني فليحمل صليبه كلّ يوم ويأتي ورائي!. بولس (شاول)، الّذي حفظ النّاموس والأنبياء، لم يفهم من قصد الله شيئًا إلّا بعدما ظهر له الرّب في الطّريق إلى دمشق وقال له: "أنا يسوع الّذي أنت تضطهده". إذ ذاك، في النّور الّذي أبرق حوله من السّماء، بات بإمكانه أن يصرِّح، بعدما انكشف له سرّ تدبير الله:... لست أشاء أن أعرف شيئًا بينكم إلّا يسوع المسيح، وإيّاه مصلوبًا!. في ذاك النّور، بالّذات، أدرك، كما عبّر: أن الحياة لي هي المسيح والموت ربح!.

   الصّليب بات نمط الحياة  الجديدة للبشريّة، المدفوع إلينا بتدبير الله. الصّليب هو الوجع المبرئ من كلّ وجع!. هو الحزن البهيّ!. كلمة الصّليب عند الهالكين جهالة وأمّا عندنا نحن المخلَّصين فهي قوّة الله!. على هذا، قال الرّسول بولس، إنّه إذ كان العالم، في حكمة الله، لم يعرف الله بالحكمة، استحسن الله أن يخلِّص العالمين بجهالة الكرازة (1 كورنثوس 1). حكمة الله، في البدء، كانت فردوسًا ووصيّة. هذان نبذهما آدم الأوّل، فصار لا بدّ، للخلاص، من جهالة الكرازة، المتمثّلة بالصّليب!. الله مُصرّ على خلاص البشريّة، ولكن ليس من دونها!. يشاء أنّ الجميع يخلصون... ولكنْ للإنسان دوره: إمّا حِفظ الوصيّة بالطّاعة، وإمّا التّوبة بالوجع!. لم يُطِع الإنسان، بغضّ النّظر عن كونه شرد عن جهل، فصار لا بدّ له من الوجع ليتوب عن معرفة!. لذا كان الصّليب رمزًا للخلاص، وعلامة محبّة في إطار واقع السّقوط!. هذا هو التّرياق المرّ في فيك، الحلو في حشاك!. الصّليب هو حرّيّة المحبّة بعد حرّيّة المغادرة إلى بلاد بعيدة!. غريب قول أحد المعترفين: حيثما اشتدّ الوجع تكثّف حضور الله في النّفس!. وجه الغرابة ليس من خلل في تدبير الخلاص لدى الله، بل في إصرار الإنسان على "فردوس" الخطيئة الإيهاميّ بلا وجع!. كيف تواجه الوجع وأنت في الخطيئة؟. بالهرب!. بلعنة قايين!. بالملذّات!. بالمخدّرات، بالمعنى العامّ للكلمة!. العِلم والتّكنولوجيا، والحال هذه، يساعدان ويشجِّعان، ولكنْ، على الهرب!. والمحصّلة؟. قلق واضطراب!. تشويش وتشويه في النّفس!. لا سلام داخليّ!. لا فرح!. لا حبّ!. فقط بدائل مصنّعة وأسماء على غير مسمّياتها!. لا أدل على ذلك من استعاضة الإنسان عن الإنسان مثلًا بالقطّة والكلب!. الإنسان ملقى في وحشة خانقة يسعى لأن يدفعها عنه بما هو غير إنسانيّ، معتبرًا إيّاه، في مدى القحط الإنسانيّ، إنسانيًّا بامتياز!. ثمّ حلَّ العالم الافتراضيّ والهاتف المزعوم أنّه ذكيّ، وما يمتّ إليه بصلة!. التّواصل بالحبّ يحلّ محلّه التّواصل الأجوف، المسمّى اجتماعيًّا، وهو بالأكثر بلبلة (من بابل). هذا هو التّواصل الشّكليّ المِسخ، المفضي إلى تحكّم القلّة، لأسباب من روح الشّيطان، بأدمغة الكثرة ومواقفها ومشاعرها، وكأنّها آلات عضويّة وملفّات وأرقام!. الخطّ البيانيّ هو من الوهم إلى الانتحار الكيانيّ، عبورًا بوجدانِ آليّةِ المسرى، والاستهلاك غير المحدود، أي التماس الهلاك!. متعةُ محبّة الموت، الآتية، بالعزلة الكيانيّة للإنسان، تُفسد كلّ شيء وكلّ أحد، مكتفية منه باهتزاز متعويّ لا يحقّق للإنسان، في العمق، سوى حلم شيطانيّ: أن يذهب، في مدى ما ترغب به خطيئته، إلى المنتهى، ما هو صورة العدم أو العدم في الوجود!. والمنتهى "إحراق روما" لمتعة كيانيّة مريضة في رؤية ألسنة اللّهب تلتهمها!. من هنا أنّ الخيار هو: إمّا سَفَر إلى التّوبة وإمّا إلى العدميّة!. الرّوح العدميّة تتلظّى في الأكباد عمى وجحيمًا!. اللّاحسّ المتنامي يستدعي الخراب الرؤيويّ!.

   ما لم نعِ أنّ ثمّة حربًا لا منظورة تدور رحاها في قلب الإنسان، اليوم، على أشرس ما تكون الحرب، بين روح الله وروحِ إبليس، فإنّه يتعذّر علينا تبيّن حقيقيّة تفجّر جحيم الخطيئة الكونيّة في مقابل صليب يسوع المحبّة الإلهيّة المبسوط على البشريّة جمعاء!.

   ثمّ رأيت عرشًا عظيمًا أبيض، والجالسُ عليه حملٌ ذبيح، الّذي من وجهه هربت الأرض والسّماء!. نعم، أنا آتي سريعًا. آمين. أيّها الرّبّ يسوع، تعالَ (رؤيا)!. لذا المسير بالصّليب هو من قيامة إلى قيامة إلى القيامة!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

14 أيار 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share