قدّم للرّبّ ضعف طبيعتك معترفًا كليًّا بكامل عجزك فتنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).من الّذي قهر جسده؟. الّذي سحق قلبه. ومن سحق قلبه؟. الّذي جحد ذاته، إذ كيف لا ينسحق من قد مات عن مشيئته؟. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).الزّهد في المقتنيات هو إقصاء للشّواغل وتحرّر من الهمّ، سفر بلا عائق واغتراب عن الغم، إنّه إيمان بوصايا الرّبّ. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).إنّ من يتخلَّى عن الأموال من أجل الله هو عظيم، أما من يتخلَّى عن مشيئته فهو قدّيس، الأوّل يأخذ مئة ضعف أموالاً أو مواهب، أما الآخر فيرث حياةً أبدية. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).النّوم الكثير شريك ظالم يختلس من الكسلان نصف حياته وأكثر. (القدّيس يوحنّا السّلّميّ).
نقاط على الحروف
نور وضّاء ينبلج من
ليل أليَل!.

   في عمق الفساد، متعة شيطانيّة. لذّة مريضة، منحرفة، غريبة تمامًا عن طبيعة الإنسان. لِمَ يخوض فيها الإنسان، إذًا؟. لأنّها بذرة الشّيطان في نفسه!. تجعله امتدادًا له!. بذرة من نار تشتعل ولا تحترق، وكلّما اشتعلت ألتهبت. النّار تتوق إلى الاشتعال ولأنْ يشتدّ أوارُها. هذا مداها، وفيه، روحيًّا، تنتشي وتتعظّم!. هذا، في حسّ الكائن الحيّ، تكون ترجمتُه متعة عدميّة، لذّة انحلاليّة، يزداد وطيسها بازدياد اشتعال النّار وتفاقم لهيبها!. إنسان السّقوط، هذا ما يختبره ويعلق به ويشتهيه أكثر، متى وكلّما اندلعت بذرة النّار الشّيطانيّة فيه أكثر. يأكل لحمه ويشرب دم نفسه، كأنّ وحشًا فيه يلتهمه، فيما تستعر فيه النّار، الّتي لا تنطفئ من ذاتها، إلّا النّعمة تخمدها، لتتركه، في العمق، ما عاندَ، أشلاء خدِرة على سُخام وفراغ ينادي قعر اللّجّة!.

   إنسان السّقوط مقيَّد بسلاسل أصلب من الفولاذ، بالنّزعة في لحمه إلى النّار الشّيطانيّة. لا فكاك له منها طالما بقي أسير أناه وفكرِه وخيالِه وأوهامِه. يهرب من الخواء الّذي تحدثه فيه إلى تملؤ أعمق من الفراغ الّذي تلقيه فيه. لكنّه لا يبقى في حدود التّصوّرات في لحمه تشدّه إلى الخطيئة كمُغوًى بوعدها. الفراغ المتنامي يذهب، شيئًا فشيئًا، بألق الخطيئة!. يدخل الخاطئُ صحراء القحط والمجاعة الدّاخليّة. تكون الخطيئة قد استحالت عادةً، حركةً عفويّة، طبيعة ثانية شيطانيّة، مستبدّة بطبيعته الأولى، متفشّيةً فيها، كالمياه المبتذلة اختلطت بالماء الزّلال. تمسي الخطيئة حاضرة في ذاتها. تصل، لا فقط، لأن تصير خالية من كلّ دافع، لا بل من كلّ شبه متعة، ولو مريضة، مهما كانت عابرة!. الفكر يموت، والخيال ينطفئ، والأوهام ترتحل. ولكنْ، تبقى الخطيئة المجوّفة العجفاء ثقيلة، عارية، آسرة، كتلة عدميّة، أقسى من العدم، تشتهي العدمَ فلا تجده. من جهة الشّيطان، تكون متعةَ استئسارٍ وخباثةٍ وكَيدٍ، كَمَن يودّ أن يختلس من يد الله، وشماتةٍ، كَمَن بالسّعي إلى انتزاع ما لله يظنّ أنّه يناطحه!. ومن جهة الإنسان، تكون فراغًا لا قرار له، وعجزًا ما بعده عجز، وشللًا وغيظًا صقيعيًّا، وتشويشًا، وضيقًا، واختناقًا، وشهوةً متّقدة وقودُها العدم والإحباط، وسأَمًا فيه الموت كلّ لحظة ولا موت... الخطيئة مآلها الجحيم كحال داخليّة!. طابعها الأخير جحيميّ. هذا واقعها العميق. لا يعرفها المرء، بدءًا، كذلك. لذا كلُّها كذب. وكلّ كذب منها وإليها. والكذب يقتل. والقتل ثمرة الكذب. وكلّ كذب إبعادٌ لروح الله عنّا وتشويهٌ لما خلقه فينا وقتلٌ لإحساسنا به. بالكذب ينأى المرء عن الإنسان ويحتضن المسخ والتّشويه. يصير، كيانيًّا، وحيدًا أعزل!. يبدأ لسبب وينتهي للاسبب!. يضحى الكذب سيرة!. لذا لا يقتل الآخرين في نفس صاحبه وحسب، بل يجعلها، قليلًا قليلًا، تقيم في العزلة، في الموت، كحالةٍ، كتحوّلٍ عن الحياة، كانصراف عنها!. لا أخطر من الكذب!. أوّل الخطيئة كذب ومنتصفها كذب وآخرها كذب!. لا تكذبْ حتّى لا يكذبَ الكذبُ عليك!.

   ... وتبقى النّار، إن عاند الإنسان. تستحيل عذابًا عاريًا لا ما يغلّفه. سوداء داكنة كاللّيل البهيم. النّار الأبديّة المعدّة لإبليس وملائكته. شركة في النّار. ليست من الله، كما ليس إبليس من الله؛ بل كما استحال "نجم الصّبح"، الّذي من الله، شيطانًا، تستحيل محبّة الله، لإبليس وملائكته وناسه، نارًا أبديّة!. ما أعدّه الله حياةً أبديّةً فيّاضة في خليقته يبلغ الأثيمَ والأثمةَ، لآثامهم، هلاكًا أبديًّا، دودًا لا يموت، ونارًا لا تُطفأ!. المأساة الكاملة!!!.

   الكلام في قصد الله وتدبيره، متى بلغت الخليقةُ عمقَ الخطيئة، محظّرٌ لأنّه لا قول إلهيّ فيه. هذا مدًى للتّخمين لا لليقين. والخوض فيه يشوِّش ما كَشَفه ربُّك ومسرى التّنشئةِ الّتي انبثقت من حكمة محبّته اللّامحدودة لِما خلق. ليس ثمّة ما هو برسم الفهم. الفضول رذيلة السّقوط ومسعى المخلوق ليناطح الخالق. فقط، السّعيُ في مدى الحياة، ههنا، له من القول اليقينُ. الباقي ملامح لا وضوح فيها، سوى رؤى آبائيّةٍ تَعْبُر إلينا تصويرًا ولا تُقرَب إلّا تأويلًا. ثمّة، إذًا، ما نعلمه وما لا نعلمه. وما هو معلوم لا يُعلم إلّا بالرّوح وخبرة الصّليب. ما رأيناه، ما سمعناه، ما لمسته أيدينا، من جهة كلمة الحياة، هذا نخبركم به (1 يوحنّا 1).

   لِمَ الخطيئة؟. في العمق، لتكون للإنسان حرّيّةٌ في اكتمال الفعل، ولكي يموت التّوق إلى شرّ الخطيئة، في نهاية المطاف، في تعاطي الحرّيّة، متى تفتّقت الخطيئة عن حقيقتها في عين الإنسان. ينبذها بإرادته إذ ذاك. يتحرّر، ساعتذاك، منها. تعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم. الحقّ يحرّر من الخطيئة متى استبانت في عريها، في كلّ خوائها، ويأتي بنا إلى الخير. فإذا ما كانت بذرةُ الإثم محبّةَ الذّات، فالخير عينُه محبّةُ الله. الخروج من الواحدة إلى الأخرى يكاد يكون تلقائيًّا، لأنّ الله المحبّة هو وحده الخير وأصل الخير، لذا الخير كائن لا مكنون، كما المحبّة كائن. إذًا، قبل الحرّيّة التّحرّر!. الحرّيّة، عندنا، حالة تتبع جهاد التّحرّر!. هنا نهتمّ بأن نتحرّر. حياة الإنسان، هنا، ليتحرّر. إذًا، يولد عبدًا مستعبَدًا. ومتى بلغ الحرّيّة لم يعد هناك ما يبرِّر استمراره على الأرض إلّا لأن يكون آيةً من عند ربّه لمَن يلتمسون، بالرّوح، الآيات الإلهيّة من فوق، والتّعزيةَ والبركةَ، ولكنْ إلى حين، معبَّرٍ عنه بأربعين يومًا، على نحو ما استمرّ ربّك في جسد القيامة، بين تلاميذه، على الأرض، ثمّ أخذته السّحابة عن أعينهم. دخل، في الجسد، في "الشّخينا"، في الحضرة الإلهيّة الكاملة، وعلا على الأعين واحتجب.

   وكيف يخرج الإنسان من الخطيئة؟. لا بعقله ولا بحكمته ولا بقدرته ولا حتّى بإرادته، ولا بأيّ سعي منه. يخرج، أوّلًا وأخيرًا، بنعمة ربّه. بالنّعمة أنتم مخلَّصون وذلك ليس منكم. النّعمة تواكبنا من البداية إلى النّهاية. منه الفعل لا منّا. ما يحدث لنا، إذًا، له وجه بشريّ شيطانيّ وله وجه إلهيّ يتكلّل باستجابة بشريّة. مناخ الفساد الّذي يعيثه الشّرّير فينا، على نحو مباشر وغير مباشر، خرابًا في النّفس وتلفًا للجسد يسير بنا إلى الموت، هو إيّاه، بنعمة الله وحكمته، يستحيل، من حيث لا يدري الشّرّير، سلفًا، ولا الإنسان ضحيَّتُه، سببًا لنفاذ نعمة الله إلى قلب الإنسان، وتحوّله إلى ربّه. السّرّ سرّ القلب. وما يطلق حركة القلب، في هذا الاتّجاه، هو الألم!. مهما توغّلت الخطيئة في أدغال أوهام المتعة فإنّها لا تعفي الإنسان من الألم. بالعكس، الألم هو الوجه الآخر الحتميّ لكلّ متعة شيطانيّة. وكلّما استرسل المرء في متعه، كلّما ادّخر لذاته آلامًا أشدّ وأقسى. لا متعة بلا ألم!. الشّرّير يعرف ذلك، لكنّه لا يستطيع فكّ الألم عن المتعة، إلّا إذا أقلع عن الإمتاع الأثيم، وهذا كَمَن يتخلّى عن صيده. لذلك يكتفي من الإنسان بمتعة إلقائه في الأضاليل، عساه، بالعناد، يَضلّ إلى النّهاية. لكن الألم قد يكون سببًا لتبديد الأوهام وخلاص الكثيرين. يمسي للعديدين، إذ ذاك، كلمةً للخلاص. مَن لا تأتي به كلمةُ الله إلى التّوبة، تأتي به كلمة الألم القسريّ!. والّذين لا تأتي بهم كلمة الألم، لست أدري ماذا يحدث لهم!. هؤلاء في ذمّة الله كائنون.

   للألم إيلامه في البشرة، ولكنْ، بشراه في الرّوح، لمَن اتّعظ وتاب!. إذا ما نظر الإنسان إلى التّفكّك الحاصل، بالألم، بشريًّا، فإنّه لا يلقى أمام عينه سوى العبث واللّامعنى!. يَسأل: لماذا؟. ولا جواب!. لذا يطلب أن يعيش خدِرًا ويموتَ خَدِرًا!. يواجه اللّامعنى باليأس والاستسلام!. تستحيل الحياة لديه سلسلة لا حدّ لها من الملاهي!. من الهرب!. لعنة قايين الهارب من وجه الله!. الألم مبدِّدٌ للأوهام لمَن أحسن القراءة!. حين لا يكون هناك مفرّ، قد ينكسر الإنسان!. يطيح الألمُ غطرستَه، غرورَه!. يُجهض أوهامَه!. يمسي للأُكُل في فِيه طعمُ التّراب!. يَضحى، كيانيًّا، عشيرَ الأسى والرّماد!. يتّضع إذ يكتنفه الإحساس العميق بأنّه لا شيء ولا حول له ولا قوّة بذاته، وأنّ ما انطلق في إثره ضلالٌ وقبضُ ريح!. الاتّضاع، كارتداد كيانيّ بالألم، إذ ذاك، يصرخ ربَّه: لستُ مستحقًّا، بعد، أن أُدعى لك ابنًا!. اجعلني كأحد أجرائك، خدّامك، عبيدك!. أقلّه آكلُ لديه، في عطفه، خبزًا حلالًا، أفرح به، بعدما صار خبزي أسود، لا طعم له، سئِمًا، سقيمًا!. يكفيني أن أكون لديك!. حركة أبوّتك فيّ، تنكشف لعماي، كما لأوّل مرّة!. خير لي أن أكون صعلوكًا في بيت إلهي من أن أسكن في مساكن الخطأة!. أخيرًا، شيء من الشّعور براحة المحارب، الّذي صحوت إليه، يضارب الهواءَ، يعتريني!. يا لعظمة نعمة الله الّتي لم تغادرني البتّة، بل تعاميت عنها، مأخوذًا بحمّى خطيئتي، عشيرتي، غبائي!.

   فقط، اعرفي إثمَك، يا إسرائيل!.

   ... وضمّه وقبّل عنقه!. واحبيباه!. انتظرتُك طويلًا!.

   "لا تخف لأنّي فديتك. دعوتُك باسمي. أنت لي... لا تغمرك المياه... ولا يحرقك اللّهيب... لا تذكروا الأوّليّات. والقديمات لا تتأمّلوا بها... أسكبُ روحي على نسلك وبركتي على ذرّيّتك... يا إسرائيل لا تُنْسَى منّي!. قد محوتُ، كغيم، ذنوبَكَ، وكسحابة خطاياكَ... ويل لمَن يخاصم جابلَه" (إشعياء 43 - 45)!.

   تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثّقيلي الأحمال وأنا أُريحكم!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

19 أذار 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share