<
الرّجاء ليس فقط رجاء بالله، بل بعمل الله في النّاس.(المطران جورج خضر).من كان مع المسيح كانت أموره، على هذا النّحو، بسيطة وسهلة وسلاميّة، ليس عنده يأس أو اكتئاب أو يعاني من مشاكل نفسيّة، أو تقلقه أفكار تافهة أو يتألّم بسبب الجراحات الّتي تراكمت عليه مع الأيّام.(القدّيس بورفيريوس الرّائي)ليست التّجارب أقوى من نعمة الله.(الشّيخ يوسف الهدوئي).طوبى للإنسان الّذي تيقّن أنّه رأى وجه المسيح بين كلّ الوجوه.(المطران جورج خضر).كلمة تواضع بأصلها اللاّتيني تعني الأرض الخصبة.التّواضع هو حال تراب الأرض. يبقى التّراب في مكانه صامتًا، راضيًا بكلّ شيء، محوّلاً هذه النّفايات المنحلّة إلى ثروة جديدة، وعلى نحوٍ عجائبيّ. (المطران أنطوني بلوم)
نقاط على الحروف
الزّواج المفرَغ من مضمونه
إلى أين؟.

"لقد بلغنا زمنًا تُقدَّم فيه الخطيئة

كوسيلة لإرضاء متطلّبات الطّبيعة.

هكذا يضرب الشّيطان جذر التّوبة". (د.غ.)
 


❖  مؤسّسة الزّواج، في إطار الحداثة، كما الأمور جارية، آيلة إلى انقراض!.  طغيان الرّومانسيّة والطّابع الاحتفاليّ، في الوجدان، عليها، لا يكفيان لصمودها!.  تكوين عائلة، لا سيّما مسيحيّة، كهاجس، يهن باستمرار. الأكثرون يستثقلون العبء،  وهم أضنّ بحرّيّاتهم الشّخصيّة من أن يبنوا البيوت ويربّوا الأولاد. ظاهرة إيثار  صورة المرأة العاملة والاستعانة بالخدم المستورد تعزّز، بالأحرى، توق المرأة إلى  التّحرّر من ربقة الرّجل، وتساهم، بتواتر، في إفراغ العائلة من مضامينها الكيانيّة.  وقصر الدّيناميّة العائليّة، بالأكثر، على الاهتمامات الدّهريّة والاستهلاكيّة، ما  ينمّي النّزعات الفرديّة في العائلة على حساب روح الشّركة، ويجعل العلاقات بين  أفراد العائلة الواحدة رخوة، والأطرَ البيتيّة شكليّة. يستحيل المنزل، بالأكثر،  فندقًا ونزلاء، لكلّ فيه، بعامّة، عالمه الذّاتيّ وحياته الخاصّة. مَن في البيت  قلّما عادوا يتحدّثون حديث القلب إلى بعضهم البعض. كلٌّ للآخر، بالأحرى، مزعج،  يحتمله احتمالًا!. في مناخ كهذا، عالم المرأة عملُها وفتنتُها وصديقاتها، وعالم  الرّجل شغلُه ومغامراتُه، وعالم الأولاد أصحابهم، وما يعتبره الكبار  "جهالاتهم"، الّتي قد تكون، في مجاهل شتّى التّقليعات، خطرة، وحتّى  قتّالة!.


❖   في عالم أخذ  يسوده التّفلّت الخلقيّ، يبدو الزّواج، على نحو متزايد، مسؤوليّة وقيدًا لا  لزوم لهما!. أصلًا، الميل هو عن الإنجاب لا إلى الإنجاب. عدد  الأولاد، في العائلة، بعامّة، في تناقص مطّرد. التّقيتُ منذ بعض الوقت، أحد  معارفي. قال: أبي أنجب تسعة أولاد. كلّ التّسعة، بعده، لم ينجبوا تسعة!. يقولون:  الإنجاب مكلف. لا ذوو الدّخل المحدود مستعدّين لحمل المزيد من الأعباء، ولا  الميسورون مهتمّين بالإنجاب. الحقيقة أنّ كلًّا، بالأحرى، منشغل بنفسه!. الأبوّة  المحمودة تتآكل والأمومة المبذولة باتت ممقوتة إلى حدّ بعيد!. وفيما يفرغ  الزّواج، بنسبة مرتفعة، من مضمونه الثّالوثيّ المحبّيّ، لم يعد أفراد العائلة  الواحدة يجدون إشباعهم في البيت بل خارج البيت!. الزّواج يبهت بريقه بعد حين،  والأولاد، الّذين لا يحسّون برباط المحبّة الدّافئة في البيت، يخرجون، بحثًا عن  العوض، في الشّارع حيث تكثر المطبّات وفخاخ الشّيطان!.


❖  قديمًا قيل:  الزّواج خير من التّحرّق. طبعًا، لم يكن التّحرّق سببًا بل حافز. اليوم، الكلّ  مباح!. المساكنة شاعت!. في غياب التّراث والمحبّة الأصيلة، يُسأل: ما قيمة  الزّواج، لأكثر النّاس، بعد؟. حيث لا بذل ولا تضحية، لِمَ يتزوّجون؟. ألإشباع  الميل إلى تعظّم المعيشة؟!. ألأنّه ليس حسنًا أن يبقى الإنسان وحده؟!. العزلة في  الزّواج، حيث لا محبّة، أقسى من الوحدة بما لا يُقاس!. عذاب وقهر يوميّ، ودعوة  مفتوحة للهرب والشّرود!. حين يستحيل الإنجاب كسرًا للرّوتين عوض أن يكون رابطًا  يشدّ الزّوجين بالمحبّة، أحدهما إلى الآخر، وفرصة لسكب القلب ومِلأةِ الكيان، أيّة  قيمة تبقى للزّواج؟. هي سنّة الطّبيعة، يقولون؟. الزّواج تخطّ للذّات باتّجاه  الآخر لتحقيق الذّات!. بهذا المعنى، وبهذا المعنى وحده نتحدّث عن الحبّ في  الزّواج!. بغير الحبّ الزّواج مشروع وَهْم واسم على غير مسمّى!. والأطفال تنشئة  قبل أن يكونوا إنجابًا!. سنّة الطّبيعة تعهّدٌ وتبنٍّ!. وإلّا لا فقط نتعاطى  الزّنى في الزّواج، لأنّه حيث لا حبّ أصيل يسود الزّنى؛ ونضع كالقطط، بل نسلك،  بالأولى، كالوحوش!. يستهلك أحدنا الآخر، "ونشلح"، في الدّنيا، أجيالًا  مأزومة، تسهم في استحالة العالم أدغالًا!. كلمات ذاك الزّائر، الّذي جاءنا منذ بعض  الوقت، ما زالت تتردّد في ذاكرتي: خير لي أن لا أتزوّج من أن أتزوّج وأنجب وأطلّق،  لأنّه أيّ حقّ لي في أن ألهو بمصير الآخرين؟!.


❖    والطّلاق،  اليوم، ولا أسهل، لأنّ النّفوس تنشأ على رخاوة السّيرة، والنّاس ملؤهم أهواؤهم.  يتوقّعون أن يحصلوا على ما يرغبون فيه بيسر. حالة الوهن الدّاخليّ لا تفسح  للكثيرين في المجال لأن يتحمّلوا ضغط العلاقات الأصيلة بين النّاس!. بسهولة يخور  المرء ويستسلم ويدير ظهره ويرتحل!. زواج مبنيّ على الأوهام، وطلاق سهل يطيح إمكان  مواجهة كلّ شدّة بين الزّوجين، وأطفال لا يعرف الأهل كيف يربّونهم، وقلّما يبالون،  أيّة صورة مؤسّسة زواج يخلّفون وراءهم؟. لعمري، أما يحيل كلّ ذلك الزّواج والعائلة  كابوسًا؟!. فلا عَجَب، إن كان الميل إلى الزّواج في تناقص والجنوح إلى الخلاعة في  تنامٍ!. النّفوس تتخلّع!.


❖  ومؤسّسة  الزّواج إلى انقراض، بخاصّة، لأنّ "الأمومة التّراثيّة" إلى زوال!. ثمّة  مَن لا زلن، بعد، ينجبن، لكن الأمّهات في الحقّ بتن قلّةً عزيزة!. من جيل إلى جيل،  الأمّهيّة الأصيلة تتآكل وتموت!. قلّما عادت الفتاة تربو على الأمّهيّة مثالًا!.  طغيان صورة "فتاة الهوى"، باسم الحرّيّة الشّخصيّة، وتواري نموذج الأمّ  الصّالحة، أعظم تهديد لاستمرار الإنسان على الأرض!. الرّحم هو الحشا وموطن الرّحمة  والبذل، في المرأة، فإذا انتفت الرّحمة، وانقضى البذل، استحالت المرأة عشيرة  الحيّة، وأخرجت من بطنها أفاعيَ!. لِمَ جّرّب الشّيطان حوّاء، أوّلًا؟. لأنّها أمّ  كلّ حيّ!. سقوطها حتّم سقوط آدم!. من ضلعه خرجت ليحفظها كنفسه بالحبّ "مقدّسة  بلا عيب"!. في مجتمع الرّجال، المرأة في عهدة الرّجل يحميها، وتخضع له، فإن  شرد فكثيرًا ما يجعلها، بعامّة، تشرد، وإن صانها صان بها العالمين!. سقوط البشريّة  من سقوط آدم لأنّ به سقوط حوّاء!. آدم، اليوم، يُخضع حوّاءَ لذاته بحبّه لجسده،  وحوّاء تخضعه بغوايتها!. يحيلها، عمليًّا، أداة فجور فتحيله فاجرًا!. مِن ذا تخرج  الزّانية العظيمة الجالسة على المياه الكثيرة الّتي يسكر سكّان الأرض من خمر زناها  (رؤيا 17)!.


❖ كلّما  تغرّبت المرأة عن نموذج الأمومة، كانت أدنى إلى صورة الحيّة الشّيطان!. لذا  خلاصها، ومن ثمّ خلاص البشريّة بها، مرتبط بأتعاب أمومتها (تكوين 3: 16)، على قولة  الرّسول بولس لتلميذه تيموثاوس عنها: "ستخلص بولادة الأولاد، إن ثبتن في  الإيمان والمحبّة والقداسة مع التّعقّل" (1 تيموثاوس 2: 15)!. معاملة  الشّريعة للرّجل، إذا شرد، غير معاملتها للمرأة. هذا ليس موضوعًا حقوقيًّا. الأمّة  تثبت بالأمومة، والمرأة أمّ بالقوّة، أو ينبغي أن تبقى أبدًا، لذلك حفظُها لازم لكونها  أمًّا للأمّة وإلّا الأمّة تفنى!. من هذا المنطلق، ما للرّجل غير ما للمرأة. فإن  تساوت المرأة بالرّجل، كما هو الميل اليوم، ردًّا على استغلال الرّجل، تاريخيًّا،  لها، فالثّمن يكون قتل أمومة العالم، والثّمرة فساده!.


❖   فيما تتضاءل  الأمومة الحقّ وتُبثّ في وجدان الفتاة صورة عن نفسها بخلاف ما زرعته الطّبيعة فيها  وما شاءه الرّبّ الإله، وفيما سعيُ الشّيطان قائم، على قدم وساق، لضرب المرأة  بالرّجل، والبشريّة، برمّتها، بالمرأة، تسير البشريّة، بخطى ثابتة، صوب الانهيار!. كل الانحرافات والشّذوذ الحاصل يرمي إلى ضرب الأمومة وتفكيك العائلة، من  حقوق المرأة، إلى المرأة العاملة، إلى التّرويج لشتّى الاهتمامات الدّهريّة  للمرأة، إلى حرّيّة المرأة، إلى تفلّتها، إلى شذوذها... كلّ ما يمكن أن يطعن بدور  المرأة كأمّ، وما يجعل الأمومة دورًا تفهًا، وما يحوّلها عنه، أسوة بالرّجال، يجري  تشجيعه والتّوسّع فيه!. حتّى وقت قريب، كانت صورة البنت، منذ حداثتها، صورة الأمّ  الصّغيرة. صورتها، اليوم، منذ الحداثة، أضحت صورة الغانية الصّغيرة!.


أين سترسو السّفينة؟. سؤال يُطرَح!.


"هذا أوّل مبدأ لضدّ المسيح: تدمير القيم العائليّة والمعتقدات  العائليّة المتبادلة... إذا أطحت العائلة أطحتَ الكنيسة، وإذا أطحت الكنيسة أطحت  الأمّة. ومتى دمّرت الأمّةَ لا يبقى شيء" .

                                                            

 من كتاب "نظام عالم جديد وعرش ضدّ المسيح"، 1993 نشره روبرت دريسكول، تورنتو. قول لميخائيل أدير الرّوسيّ.



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

16 تموز 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share