ما أعظم النّعمة الّتي يهبنا إيّاها الله، إذ يسمح لنا بأن نكلّمه في كلّ وقت وفي كلّ ساعة، وأينما كنّا!. إنّه دائمًا يُصغي إلينا. ما أعظم هذا الشّرف!. لهذا تحديدًا علينا أن نحبّ الله.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).عندما نصلّي، ويتأخّر الله في استجابة طلبتنا، فهو يقوم بذلك لمنفعتنا، في سبيل تعليمنا طول الأناة. لذلك يجب ألّا نكتئب قائلين:"لقد صلّينا ولم يُستجب لنا". الله يعلم ما النّافع للإنسان.(برصنوفيوس الشّيخ). لن تثب داخلًا الفردوس فجأة، بل تدخله بالاتضّاع. أسوأ الخطايا هو انغماسنا الكبير في غرورنا وتشبّثنا برأينا في كلّ شيء.(القدّيس مكاريوس أوبتينا).نحن نحتاج لأن نمزج مع الألوان الروح نفسه، والنور الوهّاج نفسه الذي صنعت العالم به، أيّها القدّوس لنحيط بجمالك (من كتاب فنّ الإيقونة).يتنازل الله للمتواضعين، كما تنحدر المياه من القمم نحو الأودية.( القدّيس تيخن فورونيز).
نقاط على الحروف
الكلمة
قوّة للحياة أو قوّة للموت!.

."مَن ازدرى بالكلمة يخرب نفسه"

    .(أمثال 13:13)

بكلمة تبني إنسانًا وبكلمة تهدمه، فإن بنيته تُثاب وإن هدمته تدان. لا بدّ لكلّ إنسان من أن يعطي حسابًا عن كلّ كلمة بطّالة تفوّه بها، في اليوم الأخير. غير صحيح أنّ الكلام لا ضريبة عليه. الكلام أشدّ فتكًا من الرّصاص، وإن وقع في محلّه كان أفعل من كلّ دواء. الكلمة فعل روحيّ، شئنا أم أبينا. لا يحمل معنى فقط بل ينقل روحًا. لذا روح الكلمة قد يكون شهابًا للكيان وحياة للقلب، وقد يكون حُلكة للأوّل وموتًا للثّاني. التّراشق بالكلام، عليه، شأن خطير!. مَن ألقى كلامه جُزافًا كان أحمق وجازف بنفسه. لا فقط، العبث يسيء، في هذا السّياق، إلى الآخرين، بل إلى الذّات، أوّلًا؛ لا فقط من جهة ما للدّينونة، في اليوم الأخير، بل، قبل ذلك، أوّلًا، من جهة ما للنّفس، هنا والآن. الدّاخل يصير إلى تشويش وضبابيّة والكيان إلى فراغ. الكلمة، في محلّها، تنير الجسد كلّه وتبعث الفرح فيه، كمَن يأخذ نعمة من فوق.

    الكلمة، في عمقها، إمّا تنزل من السّماء، أو تنبعث من الجحيم. القلب، لا أكثر من مرآة لما يفد إليه، واللّسان منفذ يبلِّغ الرّسالة إلى مَن بإزائه. دور العقل لا يعدو الحياكة لما يُحكَى. أمّا القَبَس فمن الأعماق؛ وما يستقرّ في الأعماق من إيحاء ما هو فوق، أو ما هو تحت. يتغابى المرء إن ظنّ أنّه المصدر. هو المتلقّي. حرّيّته في أن يقتبل ما لله أو ما لإبليس. فأمّا إبليس فديدنه أن يستأسره إليه بما يتلبّسه عليه كَذِبًا، وأمّا الله فشأنه أن يأتي به إلى الحرّيّة في الرّوح والحقّ بالمحبّات.

    سرّ الكلمة من سرّ الشّخص. والشّخص يصير شخصًا وليس كائنًا شخصًا في ذاته. في الامتداد يتكوّن. أنا إليك وأنت إليّ. قبل ذلك، هو مشروع شخص. في الشّخص بُعدان: ما لأناي وما للجماعة، بدءًا بالواحد وانتهاء بالعالم برمّته. أنا ابتُدعتُ لأمتدّ صوبك، وإلّا أبقى في حدود ترابيّتي، أتوق إلى العدم!. كلّ مبغضيّ، قالت حكمة الله، يحبّون الموت!. أنت بغيتي لأحقِّق إنسانيّتي!. لستُ إنسانًا في ذاتي، بل جملة قوى تنتظم، بحفظ الوصيّة، متى تحدَّدتْ، أو حَدّدتُ، وجهتي. وأنت وجهتي. أنا هو الطّريق والحقّ والحياة!. وإلّا أبقى مفكَّكًا وحيدًا. وفي ذا جحيمي. إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت تبقى وحدها. وهذا يعادل القول إنّك إن لم تكن مناي حبًّا، في تخلّيَ عن ذاتي، لا أجد ذاتي!.

    شئتُ أم أبيتُ، على صورة الله خُلقتُ، لأصير على مثاله. الصّورة تحدّد الطّريق وتبسط المدى. الصّورة نطاقي. لا أستطيع أن أكون غير ما أُعطيتُه، إلّا في الخيال. لذا، لم يكن الخيال من الله!. حرّيّتي أن ألتمس، بما بُرئت عليه، أن أصير مثل الله أو لا أصير. إمّا أن ترتسم فيّ، بنعمته، أيقونتُه، باستجابتي له، وإمّا أصير سِقْطًا وتشويهًا، كتلة جسدانيّة نفسانيّة روحانيّة سوداء!. الملكوت أن أصير، بالله، إلهًا، والجحيم أن أُقيم في الفراغ الّذي يحاكي العدم!. عذابه ليس فقط في انقطاعه عن الله، بل في أنّ الملقى فيه يشتهي لو لم يوجد ولا يستطيع!. كان خيرًا لذلك الإنسان لو لم يولد، قال الرّبّ يسوع عن يهوذا!. لذا الملكوت نور من نور والجحيم ظلمة كيان!.

    الكلمة من الصّورة. في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند (نحو) الله، والكلمة كان الله. ليس أنّ الكلمة هو الابن وحسب. الله كلمة. إذًا وصال. إذًا محبّة. لأنّ الله محبّة، الله كلمة، الابن هو الكلمة لأنّه خَبرُ المحبّة. فيه يتجلّى الله. هو كلمة الله. ولأنّ الله محبّة، كلمته تلد. لذا الابن مولود من الأزل، من قبل كلّ الدّهور، لأنّ الله، مذ ذاك، كائن، ومذ ذاك، محبّة، ومذ ذاك، كلمة. فإن قيل عن الابن إنّه الكلمة فلأنّ المحبّة لا تظهر في ذاتها، بل في مَن تنسكب فيه. الله سَكبَ نفسه في كلمته فاستبان الله آبًا والكلمة ابنًا!. هذا لم نعرفه قبل أن يكشفه لنا الآب في الصّوت النّازل من السّماء على يسوع له المجد: "هذا هو ابني الحبيب الّذي به سُررتُ". ليس أنّه الإنسان الجديد البارّ وحسب، بل، بالأَولى، مَن سكب الله فيه ذاته، منذ الأزل، لأنّه محبّة. الابن الّذي في حضن الآب، منذ الأزل، هو خبّر. مَن رآني فقد رأى الآب. إله حقّ من إله حقّ. نور من نور. كما أنّ الآب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن، أيضًا، أن تكون له حياة في ذاته. أنا والآب واحد. الآب كلمة الابن، والابن كلمة الآب. لا فقط الابن شهد للآب، بل الآب، أيضًا، شهد للابن في الأردن وفي الجبل (ثابور)!. فإن قلتُ، الكلمة من الصّورة، فلأنّ ابن آدم معطى أن يكون محبّة من الله المحبّة، إذا أراد. إذًا كلمة من الله الكلمة يشاؤه. كلُّ كلمةٍ محبَّةً تكون أو تستحيل أداة موت وتشتهي العدم، عن وعي وعن غير وعي!.

    قال الرّبّ لتلاميذه، في يوحنّا (14): "الكلام الّذي أُكلِّمكم به لا أتكلّم به من عندي، لكن الآب المقيم فيّ هو يعمل الأعمال". الكلمة فعل لأنّها محبّة. لا مسافة، عند ربّك، بين الكلمة والفعل. "قال فكانت. أمر فخُلِقت". لا فقط، في البدء، قال الله: ليكن نور، فكان نور، بل الإنسان، أيضًا، معطًى، أن يكون كلمةَ نور وأن يتكلّم بالنّور!. الكلام الّذي أُكلِّمكم به هو روح وحياة. كان ناسك بجبل يقرأ الإنجيل. فلمّا بلغ الموضع الّذي فيه: "مَن قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فإنّه يكون له" (متّى 21:21)، شرع الجبل يتحرّك من مكانه. الكلمة، مفترض بها أن تُتعاطى كصلاة وأن تكون صلاة. يساهمها المرء كقدسات. لذا الكلمة الإلهيّة، بالمعنى الدّاخليّ العميق للكلمة، لا تُقرأ كما يَستشفّ القارئ المعنى، بل الحضور. الكلمة وصال، محبّة، التماس وجه، لذا إطارها العبادة. عقلنة الكلمة إصنام لها وفتكٌ بروحها وإفراغٌ لها من قوّة الحياة الّتي فيها. عالم العقل عالم تتكدّس فيه المعاني الّتي لا معنى لها ولا قيمة!. ليست الكلمة من اختصاص العقل بل العقل من اختصاص الكلمة، والكلمة من اختصاص القلب!. قراءة القدّيس سيرافيم ساروفسكي للكلمة الإلهيّة كانت فعل عبادة. يحمل الكتاب المقدّس بين يديه. يضيء شمعة. ينحني في خشوع كامل كأنّه في سجود وتسبيح!.

    اسم الرّبّ يسوع هو قوّته مقيمة في اسمه. اليهود، قديمًا، كانوا يتعاطون اسم الله مستيكيًّا. ما كانوا يجرؤون على التّلفّظ به. إسمي رهيب!. النّسّاخ، عندما كانوا يبلغون الاسم الحسن، كانوا يلفّون يمينهم بقماشة خاصّة، ويستعملون ريشة خاصّة لكتابة الاسم. ومتى أعدّوا العدّة لكتابة الإسم يكتبونه وعيونهم مغمَضة!. كلّ الكلام الإلهيّ يُفترَض تعاطيه بخوف ورعدة. وكلّ كلمة، ننطق بها، ما لم تكن مدًّا للكلمة الإلهيّة، نلتمسها مملّحة بروح الله، فإنّها تكون لنا لعنة، تلوّثنا بالإثم وتلوِّث النّاس والحيوانات والزّحّافات والطّيور والأشجار والهواء... لا حياد في الكلمة!. فلأنّ الكلمة حمّالة روح، والرّوح فينا من روح الله، فإنّها، منطوقةً وغيرَ منطوقة، تنفث روح الحياة في كلّ حيّ، وإن كذبتْ تبثّ سمًّا وموتًا!.

    الكلمة لا تتعاطاها لذاتها. صورة الماء لا تروي عطشًا. تزيده!. والكلمة لا تتعاطاها لذاتك. هذه لغة الشّيطان!. ليس أن تعبِّر عمّا يجول في خاطرك بل أن تبني سواك!. متى صار أخوك قبلةَ عينك، إذ ذاك تحقّق نفسك، تجد راحتك. الغبطة في العطاء، في الامتداد، لا في الأخذ والانكماش. في التماس شفاء الإخوة نُشفى، وفي التّمحور في ما للذّات نمرض!. هذه خِلقة الإنسان: في الخروج من ذاته يجد ذاته!. الكلمة مَركبة تحملك خارج ذاتك لتحقّق ذاتك!. الحجر الّذي رذله البنّاؤون هو صار رأسًا للزّاوية. من قِبل الرّبّ كان هذا وهو عجيب في أعيننا!.

    لقد ملأنا العالم، اليوم، كلامًا في الكتب والهواء، وأكثره ليُرضي الإنسانُ غرورَ نفسه، ولا روح!. كان الكلام، في البدء، ليوحِّد، ليجمع، فصار ليفرِّق ويبعثر!. قل لي كلمة أقُل لك مَن أنت!. المبتغاة كلمة الكيان، كلمة الذّهن، النّابعة من القلب الخاشع المتواضع: "في الكنيسة، أريد أن أتكلّم خمس كلمات بذهني لكي أُعلِّم آخرين، أيضًا، أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان" (1 كورنثوس 14)!.

    في بابل الحاصلة، اليوم، في العالم بأسره، كما بين أهل البيت، الصّمت أجدى وأبلغ، إلى أن تَسري، نمطًا، العودةُ، كلٌّ إلى ذاته، ليعمل على تنقية قلبه. قبل أن نندرج في سبل التّوبة ليس لنا ما نقوله، ولا حقّ لنا فيه، ولو كان كلامًا إلهيًّا، لئلّا يستحيل مسيح الرّبّ، فيما بيننا، لغوًا وإنجيلُه تمسرحًا!.

    قبل أن تقول كلمة، أن تصير كلمة من الكلمة!.

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

18 حزيران 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share