21 آب 2005

قضايا راهنة

        أسقف بلا لوم (1 تيمو، تي) معناه أولاً وقبل كل شيء نسك كبير، إفراغ للنفس من ذاتيتها. كيف لا والأسقف في الكنيسة صورة المسيح المعلّم. المعلّم استبان على شفافية ما بعدها شفافية من جهة أبيه حتى قال: "مَن رآني فقد رأى الآب". أوليس الأسقف بيننا على خط هذه الشفافية من جهة ابن الله؟ في صدر المسيحية كان السعي لأن يكون الأسقف بلا لوم أي لأن يكون قدّيساً. صفة القداسة التي نسبغها على الأسقف في خدمنا الليتورجية أو صفة الملائكية التي نَسِمُه بها في مخاطبتنا إيّاه، مما كاد اليوم أن يصير محطّ كلام أجوف أو نسبةً إلى النعمة المُنْزلة عليه دون سعيه إلى شفافية المسرى وكأن النعمة تتفعّل فيه آلياً دون مساهمته، تلك الصفتان كانتا اسمين على مسمّى. لذا اختيار الأسقف من بين المشهود لهم بالتقى كان، من بين المعترفين الذين حملوا في جسدهم، بشكل أو بآخر، سمات الربّ يسوع (غلا 6: 17). وكان ذلك يتمّ بحرص كبير وامتحان. الامتحان أولاً كان داخلياً، في الروح حيث الروح وحده فاحص القلوب والكلى. هذا احتاج إلى صوم وصلاة من قلوب ملأتها الغيرة على بيت الله. الروح لا يتكلّم ولا يتنزّل على نفوس غمرتها ضبابية الخطيئة. ليس صوم وصلاة ينفعان شكلاً. ليس الروح صنماً ولا سِحْراً. الكلام التقوي من غير سيرة تقوية تمظهر سافر بالقداسة على حساب القداسة. يحرقك حرق الملح للجرح أن تطالع في انتخاب أسقف هنا أو هناك أقوالاً ونصوصاً تؤكّده اختياراً إلهياً وكأنّ الروح يعمل أوتوماتيكياً في اختيار الأساقفة له لتكتشف بعد سنين أنّه أدنى إلى سابق من سابقي ضدّ المسيح استبداداً بكنيسة الله وكأنّ الكنيسة جسده لا جسد السيّد، يحلّل ما يشاء ويحرّم ما يشاء ضارباً عرض الحائط ما أُودع من أمانات الشورى والإيمان القويم والقوانين الكنسيّة. تتساءل أين اختلّ الميزان بعد ذاك الخيار؟ أتراه نشط على الله بعد حين أم نُسب إليه الخيار الإلهي زوراً منذ البدء؟ ماذا تراك فاعلاً حين لا ترى فيه شيئاً من ملامح المعلّم وكأنّه استلم الكنيسة من دونه وباتت لديه مؤسّسة يحكم فيها باسم الله على نمط القيصرية البابوية التي ردّت الإله من حيث أتى وصادرت كنيسته؟ حسبك أن تقول حتى لا تخوض جدلاً إنّ الذين اختاروه فعلوا ذلك بخفّة وحرص ضئيل (1 تيم 5: 22)، وغلّبوا الظاهر فيه علماً أو لباقة أو طلّة أو منطقاً أو ما هو أدنى، فألقوا به الكنيسة في بلوى وساهموا، من حيث لا يدرون، في تعطيل عمل الله، وهم بما فعلوه مطالَبون. لذلك أَحرَصُ الحرص واجب على مَن يُعطون الكنيسة أسقفاً هنا أو هناك. ولنا في ذلك رأي.

        ما كان مفترضاً بالأسقف قديماً هو أن يكون رجلاً لله لا لنفسه، فاضلاً تقياً صالحاً للتعليم والرعاية. عزوبيته لم تكن شرطاً. عفّته كانت الشرط سيّان عازباً أو متزوّجاً. العفّة غير العزوبية. العفّة عفّ عن المنكر لا عما للطبيعة بالضرورة. والعفّة أيضاً نقاوة في محبّة الله. لذا لم يكن ثمّة مانع أن يكون للأسقف، أحياناً، امرأة وأولاد. طبعاً المناخ العام بين المسيحيّين كان أخروياً بامتياز وتالياً على أصالة فذّة. العذراوية، كفلسفة حياة، كانت ميلاً متنامياً، العذراوية كمِلء، حتى لا ينشغل أحد عن الله، طريقُ كمال. المعيار كان داخلياً بحتاً. هذا تمثّل، فيما بعد، بالرهبانية. الرهبانية أضحت مناخاً مؤاتياً وَفَّرَ استمرار مناخ المسيحية الأولى، مناخ الشهادة ولكن البيضاء. مذ ذاك صار الميل إلى اختيار الأساقفة من بين الرهبان. لا العزوبية ولا الزواج كان الهمّ بل السلوك في الأخروية منذ الآن. المرتجى كان أنّ الأسقف يُختار من بين الذين بلغوا اللاهوت، أي المعاينة. فقط، من هذه الزاوية، أضحت رهبانيته تلقائية بعدما انفتحت الكنيسة لجحافل المهتدين الجدد. هؤلاء حملوا نَفَساً جديداً كان بحاجة إلى تنقية واستيعاب. هذا هدّد مناخ الكنيسة بالفساد. الرهبانية كانت ردّة فعل صوناً للمناخ الأول والأخروية الراهنة. أن تمسي الكنيسة كلّها ذات سمة رهبانية كان حركة طبيعية فيها انسجاماً مع التراث المنحدر منذ البدء وإحياء له.

        إنّه لأمر بالغ الأهمية أن يبقى الأسقف، في الوجدان، مرتبطاً بمضمون التراث القديم الممتدّ في الرهبانية إلى اليوم. أن تتحوّل الرهبانية، في الأذهان، إلى كهنوت عازب شُرُود. وشُرود أيضاً أن نتمسّك برهبانية شكلية إطاراً. الموضوع موضوع رهبانيةِ قلبٍ تتجلّى فيها النزعة الأخروية لاهوتاً يحكي نور الله فضيلة وتقوى ورعاية ومعاينة. وخطأ أيضاً أن نقتبل، في زمن العقلانية، لاهوتاً مدرسياً بديلاً عن لاهوت المعاينة. أنّى للكنيسة أن تأتي بأساقفة رهابين تمرّسوا في معاينة الله؟ هذا إذا لم يكن ميسوراً، في الوقت الحاضر، فليس الحلّ في كهنة عازبين يسمّونهم رهباناً، ولا تليق بهم التسمية. هذا تشويه! الحلّ، إلى أن يُستعاد المناخ الرهباني الأصيل، هو في اختيار مَن تنطبق عليه صفة الاستنارة ويسلك في أخروية حقّانية ولو كان متزوّجاً، انسجاماً مع التراث، أإكليريكياً كان أو حتى من عامة الشعب (نظير القدّيسين نيقولاوس وأمبروسيوس وفوتيوس). لا يسعنا أن نصدّق خلوّ الكنيسة من أمثال هؤلاء وإلاّ لا تعود الكنيسة كنيسة. رهط الكهنة العازبين الممنّين النفس الهاجسين، ليل نهار، بأسقفية تُصيبهم ولو عرضاً احتقارٌ لكنيسة المسيح وانحراف. لو كانوا غيارى على الكنيسة حقّاً لخاضوا نسكاً عظيماً حتى يتقدّسوا، وما طلبوا ولا منّوا النفس بأن يتسيّدوا ويتزينوا خارجياً، بل داخلياً، بدم السيّد. وليخترهم الله، إذ ذاك، لا أهواء الناس. أكثر هؤلاء، كما يشير الواقع، قوم احتشدت فيهم الأهواء والعِقَد أسقطوها على الله. لذلك عبثٌ تسليم زمام الأسقفية إلى مَن يعبدون أنفسهم أهواءً ويماهونها بالله. لا شكّ أنّ في ذلك ضلالاً مبيناً.

        بتاريخ الرابع من شهر آب الجاري اجتمع أكثر كهنة أبرشية طرابلس، ببركة سيادة راعي الأبرشية، في دار المطرانية، وتدارسوا بعض تعاليم قدس الأب بولس طرزي عبر كتابه "مدخل إلى العهد الجديد". إثر ذلك خلصوا إلى النتيجة التالية: "وجدنا بحسب الإيمان الأرثوذكسي أنها تعاليم مغلوطة استناداً إلى معرفتنا بالكتاب المقدّس، وتعاليم كنيستنا الأرثوذكسية". بناء عليه رفعوا إلى سيادة راعي الأبرشية الاقتراحَين التاليين:

        1. "إيقاف الأب بولس طرزي ابتداء من هذا اليوم عن التعليم في رعايا أبرشيتنا وخاصة في رعيّة أنفة الآن، ريثما يُصار إلى دراسة وتقييم تعليمه من قِبل السلطة الكنسية العليا".

        2. أن تتفضّلوا برفع هواجسنا عن تعليمه إلى المجمع الأنطاكي المقدّس في أول دورة له لاتخاذ القرار المناسب بهذا الشأن".

        وختم محضر اللقاء بالقول:

                "علماً أنّ هاتَين التوصيتين قد اتخذتا بإجماع الآباء الحاضرين".

        منذ سنوات والمجمع المقدّس لا يجد ضرورة، ولا كتب أيٌّ من السادة الأساقفة الأجلاّء كلمة واحدة تقييمية في شأن تعليم قدس الأب بولس طرزي. هذا مع أنّ بعضاً منهم عبّر، شفاهاً، عن تحفّظه وحتى عن رفضه بعض طروحاته في محافل عدّة. وإلى اليوم يمنع بعض السادة الأساقفة قدس الأب بولس طرزي من التعليم في أبرشيته. وقد أثار بعضُ أفكاره جدلاً وانقساماً بين المؤمنين، لا سيما الشباب. ألم يحن الوقت أن يوافينا المؤتَمَنون على القويم من التعليم في الكنيسة بكلمة تحسم أو، أقلّه، توضح الأمور؟ في يقيننا أنّ دحض بعض أفكار قدس الأب بولس طرزي لا يحتاج إلى اختصاص في دراسة الكتاب المقدّس بقدر ما يحتاج إلى دراية بأساسيات التعليم القويم في الكنيسة. هذا كاف لتبيِّن الالتباس، إن لم يكن الشطط وتالياً الفساد، الذي يعتور فكر قدس الأب بولس طرزي. خشيتنا أن بعض السادة الأساقفة، إلى تركهم الساحة مسيَّبَة للجدل الجارح، وهم المرجع الأول المطالَب بجلاء الحقائق، لم يقرأوا بعض ما كَتبَ. لو كانوا قد قرأوا، كما فعل كهنة أبرشية طرابلس، لكان لهم موقف ولكان حاسماً. سؤالنا: إذا عفّ السادة الأساقفة عمّا هو من اختصاصهم أولاً فإلى مَن نعود؟!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما