5 نيسان 2009

الخاطئ الحكيم

       في بستان الرهبان قصّة جميلة تنفعنا. أحد الرهبان وُجد متهاوناً في خلاص نفسه. لا يحفظ نظام الصلوات والأصوام. كسولاً في عمل الطاعة. كان الجميع يحثّونه على التوبة ورؤساؤه ينهرونه ولكن عبثاً. بقي كذلك إلى أن حضرته ساعة الوفاة. فتحلّق حوله الرهبان حزانى على مصيره الأسود من حيث إنّه ليس له ما يقتني به خلاصه. وكان هو غائباً عن الوعي. وإذا به يُشرق وجهه ويفتح عينيه ويجيلهما في وجوه الرهبان. عَجِب الحاضرون لإشراق محيّاه فسألوه: نحن نعلم يا أخانا أنّك كنت متهاوناً في سيرتك الرهبانيّة، فمن أين لك هذا البهاء؟ كيف تبدو فرحاً وأنت بإزاء الحساب العسير؟! فأجابهم: الآن حضرني ملاك الربّ وأراني صكّاً، ثمّ قال لي: أتعلم ما هذا؟ فقلت: أجل، هذه لائحة خطاياي وأنا عارف بها. لكنّي أعرف أيضاً أنّ السيّد قال: لا تدينوا لكي لا تدانوا. فأنا لم أَدِنْ أحداً في حياتي، فمن حقّي لدى ربّي الآن ألاّ أُدان. للحال مزّق الملاك صكّ خطاياي وسومحت. لهذا أنا أفرح!

       نفهم من هذه القصّة أنّ كلّ أعمال النسك والصلاة، وإن كانت نافعة طبعاً، فليست بضروريّة، ليست شرطاً للخلاص. الخاطئ يمكن أن يخلص من دونها. أعمال النسك والصلاة ترمي إلى أمر محدّد. الغاية منها، من جهتنا، معرفة الذات وتواضع القلب والرأفة بالناس. هذه هي التي تقرّبنا إلى الله. هذه هي الثمار الحقّانيّة للنسك والصلاة وإلاّ يكون نسكنا وصلاتنا عقيمَين. أهميّة قصّة الراهب التي ذكرناها أعلاه تكمن في أنّ للمرء أن يخلص بالصوم والصلاة ومن دونهما أيضاً، إذا عرف، في روحه، أن يحسّ بخطاياه ويتّضع ويرحم. وهذا ممكن بنعمة الله والإرادة الطيّبة للإنسان.

       قد يخطر بالبال أنّ في مسرى الراهب اختصاراً للدرب. يمتنع المرء عن إدانة الآخرين ويحيا، بعد ذلك، كما يشاء فيخلص. الموضوع ليس بهذه البساطة. عدم إدانة الآخرين قائم أوّلاً على معرفة عميقة للنفس، على إحساس قويّ بشوكة الخطيئة. ومَن يحسّ بخطاياه لا يمكنه أن يعيش عبثيّاً. الخطيئة تعني له وجعاً. الاسترسال بالخطيئة يقتل الإحساس بها. إذا كان الصوم والصلاة يستلزمان جهداً، وجهداً كبيراً، فإنّ عدم إدانة الآخرين يستلزم نسكاً داخليّاً وصلاة ليسا بقليلَين. أن تجعل خطيئتك أمامك في كلّ حين ليس بالأمر السهل. الادّعاء والتنظير هنا لا ينفعان. الموضوع لا علاقة له بالقناعات الفكريّة. هذا موقف كياني يكون فيك أو لا يكون.

       ثمّ معرفة النفس تجعل لك موقفاً آخر ممَّن هم بإزائك. تصبح أكثر واقعيّة في تعاملك معهم. تفهمهم أكثر لأنّك تعرف نفسك أكثر. كلّما عرفت في نفسك زئبقيّة الخطيئة وصعوبة التخلّص منها كلّما صرت أكثر صبراً في تعاملك مع الآخرين. كلّما فطنت إلى مضاعفات الخطيئة في نفسك كلّما رحمت الآخرين أكثر. مَن عرف مقدار ما تُذِلّ الخطيئة الإنسان امتنع عن تعيير الآخرين على خطاياهم. وكلّما شعر المرء في عمق نفسه بأنّه لا خلاص له من خطاياه إلاّ برحمة الله كلّما مال إلى اللطف بالآخرين مهما كانت وطأة خطاياهم قاسية عليه لأنّه "بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم".

       هناك، إذاً، ما هو أعمق من الصوم والصلاة كجملة فروض. هذا حتّى لا يظنّ أحد منّا أنّ الخلاص بالفروض. الخلاص بتغيير القلب أوّلاً وأخيراً.

       الآخر مرآة. تصرّفك بإزائه يكشف حقيقة ما في داخلك. إن لُمت فلأنّك خال من المحبّة. المحبّة يضخّها ربّك فيك إذا ما لمتَ نفسك. أنت لم تُعطى، بصورة تلقائيّة، أن تعرف الآخرين بل نفسك. فإن عرفت نفسك وفطنت إلى ما فيها من خَبَث ولمت ذاتك فإنّك، إذ ذاك، تكون مهيَّئاً لاقتبال نعمة الله. ربّك يعطيك المحبّة وأن تعرف الآخر كما هو وتنعطف صوبه بحنان. قبل ذلك أنت لا تعرف شيئاً. مَن لا يعرف نفسه لا يُعطى أن يعرف الآخرين. لذا دائماً ما يوجد ظالماً وعلى خطأ في التقدير في أحكامه.

       يشاؤك مسيحُك أن تخلص بكثير أو بقليل. المهم أن تخلص. هناك حنّة النبيّة التي لم تفارق الهيكل عابدة بأصوام وصلوات ليلاً ونهاراً. هذه كان الخلاص لها. ولكنّه كان أيضاً للصّ اليمين الذي أدان نفسه وبرّر الله وسأل الرحمة. هذا أيضاً صار له نصيب في الخلاص. ليست القيمة لمَن يتعب ويحتمل ثقل الجهاد. هذا لا يأخذ أكثر بالضرورة. بل القيمة لمَن يعطي، للإله الجوّاد الذي يشاء الجميعَ أن يخلصوا وإلى معرفة الحقّ يُقبلوا. المجد للذي يَقبل القادمين من الساعة الأولى والمقبلين عند الساعة الحادية عشرة أيضاً. مَن ظنّ أنّه يأخذ أكثر لأنّ السيّد قَبِل الذين تعبوا أقلّ منه، هذا يدلّ على أنّه لا يستأهل حتّى ما يظنّه له لأنّ له نَفْسَ أجير. أبناء البيت يتخلّقون بأخلاق سيّد البيت. يتعبون أكثر لا لأنّهم يطلبون أجراً مضاعفاً بل لأنّهم يحبّون ربّ البيت أكثر. إذ ذاك يعطيهم ربّ البيت أكثر كثيراً لا لأنّهم عملوا أكثر بل لأنّهم أحبّوه أكثر. على قدر المحبّة تكون العطيّة. كل التعب كائن لنصير أبناءَ وأهلَ بيت الله لا ليكون لنا النصيب الأكبر في خيراته. نطلب المعطي لا العطيّة لأنّ المعطي، في المسيح، هو العطيّة. ليس شيء يعطيه الله خارجاً عنه.

       ثمّ تواضع القلب يشدّك إلى الإحساس بترابيّتك وبما فيك من قصور فيما تميل، تلقاءً، إلى معاينة إصبع الله في الآخرين وملاحظة ما فيهم من إشعاعات سمائيّة، وتخبو فيك الرغبة في رصد ما فيهم من سيّئات. الآخر، إليك، يصير عبقاً إلهيّاً مفرحاً. تلقاه تعزية من ربّك رغم كلّ شيء. لذا يفيض تواضع القلب فيك رأفة. ينبعث منك الحنان بيسر. تستيقظ أحاسيسك حياله. تلقاه أخاً عزيزاً وشريكاً في بركات الله. ترى فيه نَفَس ربّك. لا يعود غريباً. يصير لك قريباً. ينتابك فرح لفرحه وحزن لحزنه. تختبر فيه امتداد نفسك ولا يسعك إلاّ أن تكون له امتداداً ولأوجاعه بخاصة.

       متى بلغت معاينة أخيك في نور ربّك، إذ ذاك يكون حشاك قد تنقّى. تكون قد بلغت المدى في صوم نفسك والصلاة إلى ربّك.

       كلّ مسعى الإنسان هو إلى صوم عن نوايا الخباثة في القلب. صلاتك، إذ ذاك، استشراق دائم لبهاء ربّك في نفْس لم تعد تستعذب إلاّ الحضور لديه وحضوره في حياتك. ومتى بلغت المنى في هذا المسار تتجمّل نفسك بالنور فتلقى ذاتك في الصفاء وأخاك امتداد بهاء. لا أقول لستَ تدين بعد أخاك بل تحببه كنفسك بعدما جعلك ربّك وإيّاه أخوَين.

       أما بعد فغاية الصوم والصلاة في العمق ألاّ تدين غير نفسك، فإن بلغت المرام يصير كلّ شيء وكلّ أحد إليك جديداً وتغمرك محبّة العليّ وبمحبّة الله تغمر العالم، تضمّه إلى صدرك.

                     تبارَك اسمه

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما