"هيّا بنا نحن أيضاً
لنموت معه!"
(يو 11: 16)
جاء، بعد سنوات، ليردّ مالاً كنتُ قد ساعدتُه به لقضاء حاجة. هو حسبه، كلّ هذه المدّة، دَيناً عليه. قال: "الربّ الإله سهّل أمري فجئت أفي ما عليّ من واجب". ثمّ شكر، فرِحاً، وانصرف. هو لم يطلب أصلاً يومها. أنا شعرت بأنّه كان في ضيق فعرضت عليه مبلغاً ليس بكبير، فقال همَّه وقَبِل المساعدة ممتناً.
شيء جميل أن تطلب حين تكون محتاجاً. هذا فعل تواضع مبارَك. وأجمل منه أن توكل أمرك لربّك وتسكت متيقّناً أنّ مَن يسمع صوت الصامت هو يرى لحاجاتك في أوانها. ثمّ جميل أن تشكر ربّك على عطيّة ييسّرها لك عبر أحد عبيده، وأجمل منه أن تضيف إلى الشكر اعتبارَك أنّ ما أخذتَه دينٌ عليك تفيه متى فتح لك ربّك باب الرزق. الأمانة والشكران من زينة التعامل مع الله وعبيده ومن مثبّتات السلوك في الوصايا.
أن يُعين المؤمنون المؤمنين متى كانوا في حاجة يفرِّح القلب ويحيي الإنجيل ويمجِّد الله، وأن يقابل الآخذُ المعطي على النحو الذي بدر من صاحبنا يثبِّت المعطي في عطائه ويزيده فرحاً بنعمة الله ويرسِّخ فيه القناعة أنّه ولو كان ثمّة مَن يستغلّون مشاعر العطاء لدى سواهم باسم الله لينعموا بخيرات لا يشاؤون أن يتعبوا فيها ولا أن يردّوها، فإنّ ثمّة نفوساً تحفظ المودّات وتردّ الخير الذي تلقاه خيرات، لئلا يخيب ظنّ المعطي ويمسك عن العطاء مجرَّباً بالذين يأخذون شيئاً لينفقوا في إمتاعهم ولا يشكرون، ولئلا يخيب محتاج يطلب ولا يُعطَى أو يتحفّظ القادرون على العطاء حياله من كثرة الذين يتمسكنون ويتاجرون بذكر الله ليحصلوا بيسر على ما ترغب به شهوات نفوسهم باطلاً.
طبعاً، العطيّة عند الله عطيّة تُحسَبُ لك سواءٌ سدّدتَها لمَن يستحقّها أو لمَن لا يستحقّها. والربّ يحسب الأجر كبيراً لمَن يُسأل ويعطي رغم شكٍّ يراوده في إمكان مراوغةٍ يأتيها السائل، على النحو الذي أبداه القدّيس يوحنّا الرحيم لمّا غيّر سائلٌ حلّته ثلاثاً ليأخذ من القدّيس المزيد. فلما أشار الشمّاس بما السائل فاعلُه قال رجلُ الله: "أعطه الآن العطيّة مضاعفة لئلا يكون هذا ملاكَ الله جاء يمتحننا إن كنّا ثابتين في عطائنا باسم الله". جميل أن تكون بيننا قامات على هذا القدر من الرقيّ الروحيّ. لكن يبقى أنّ زماننا اليوم رديء ولكثرة الإثم تبرد المحبّة. ولعلّ الناس لا تتحرّك نفوسهم كما يليق بالإنجيل إذا ما اكتفينا بأمثلة من قدّيسي الأزمنة الغابرة. جلّهم بحاجة إلى أمثلة من هذا الزمان بخاصة. هذا، لعمري، يؤثّر في النفوس، اليوم، أكثر مما تؤثّر أخبار الأقدمين، ولا يُجرَّب الكثيرون بالظنّ أنّ الإنجيل لم يعد حيّاً اليوم وما فات مات وما كان يصحّ بالأمس لم يعد واقعيّاً اليوم. من هنا الحاجةُ إلى حُسْن العطاء وحُسْن الأخذ ماسةٌ لتروج البرَكَةُ بين الناس في تعامل القادرين والعاجزين ومَن فاضت الخيرات لديهم ومَن شحَّت.
وتحضرني، وأنا في معرض الكلام على العطاء والمعطين والأخذ والآخذين، مشاهدُ مَن تشوّهوا أو بُتروا في يد أو رجل أو فُقِئوا في عين، ومَن عجزوا، وأولادٍ، صبيةً وبنات، ونسوةٍ يحملن أطفالاً يطالعونك على بعض تقاطع الطرقات في العاصمة أو في الأماكن التي يزدحم فيها السير. بعضهم يدنو منك وأنت في سيّارتك بشيء من الخفر وأكثرهم بإلحاح ودبق، وجلّهم يستعين بالله إليك وعليك ليسبّب لك أزمة ضمير ويعمل بالصوت والصورة على تحريك مشاعرك. والمشاهد تتكرّر هي إيّاها يوماً بعد يوم وكأنّك بإزاء نفوس بات كلُّ همّها أن تقتنص منك ما أمكنها لتتحوّل إلى سواك في صناعة التسوّل أو ما يشبه الصناعة. هؤلاء تخطّوا واقع الفقر، في أكثرهم، إلى مظهرٍ يثير الشفقة وإلى مواهب ولباقات خاصة بهم يتعاطونها بدرجات من الاتقان ليحصّلوا معيشتهم وأكثر من معيشتهم، وربما ليحقّقوا لمَن هم وراءهم وقدّامهم مكاسب ليست بقليلة. هؤلاء الذين تلقاهم يستهدفونك كصيد كلّما وقفتْ سيّارتُك قصراً من الازدحام لا يسعُك إلا أن تشعر بأنّ فيهم الكثير من التمثيل والتمسكن. ومن كثرة ما تراهم، وإيّاهم، أحياناً، في ذات الأماكن "الاستراتيجيّة"، يوماً بعد يوم، يَضمر إحساسُك بشقاء العديدين. تعتاد منظرهم وتتردّد أكثر في نفحهم ما تيسّر. الكذب يقسّي القلب إلاّ ما قلّ ويصيبك باللاحسّ.
وإنْ تفاقَم حولك الكذب وعظُم الإثم وفاق استغلالُ الإلهيّات كلَّ حدٍّ فما يسعك إلاّ أن تصرّ على عطاء تتخطّى فيه الحواجز في نفسك وكلَّ مكيدة من عدوّ الخير ابتغاء إفساد العطاء وكلِّ صالحة يمكن أن تبدر عن أحبّة الله. الصراع قائم، كان ولا زال، واليوم أكثر من أيّ وقت مضى، بين بثِّ القداسة والنجاسة في العالم، بين إشاعة البَرَكة، ومن ثمّ الحضرة الإلهيّة، وإشاعة الفساد، ومن ثمّ الترويج لمجيء ضدّ المسيح.
نحن داخلون إلى أورشليم التي ما فتئت الروح البابليّة مستوطنة فيها. لا غير ذلك كان لنا منذ صلب السيّد، ولا غير ذلك كائن لنا حتى المجيء الثاني. هناك أبداً بيلاطس الثعلب وهيرودس قاتول يوحنّا، صوتِ الحقّ في البرّيّة، وهناك رؤساء الكهنة المستعبِدون الناس باسم الله والكتبة المتاجرون بكلام الشريعة والفرّيسيّون الظواهريّون القاتلون للروح؛ هناك كلّ هؤلاء، ولكن هناك أيضاً الأطفال المنادون رغم كلّ شيء: "هوشعنا في الأعالي. مبارَك الآتي باسم الربّ". وهناك النساء اللواتي يمثّلن صوت الحقّ الصامت في خضمّ جلبة تجّار الإعلام المنادين باطلاً باسم الحقّ. وهناك الرسل والتلاميذ الذين لا يعرفهم غير ربّهم، وهم في معمعة هذا الدهر كالضائعين عن عيون الأكثرين. وهناك أيضاً الأشجار تشهد والحجارة تصرخ والأتان والجحش ابن الأتان يسيران بالوديع المتواضع القلب على الوداعة حتى إلى الصليب. المسير إلى الموت مستمرّ أبداً. ألا يُفترض بحَمَلة الله أن يحملوا سمات الربّ يسوع في أجسادهم أيضاً وأيضاً؟ ولو قام السيّد من بين الأموات فإنّ البقيّة تبقى معانيةَ رائحةَ نتن أورشليم وآثارَ المسامير والطعن في الجنب إلى حلول الساعة. ها نحن معك أيّها السيّد داخلون مرّة أخرى إلى أورشليم على العهد، ولن نغادرك بإذنك في ما لحقك من جَلْد وبصق وموت. عرفناك قمت فأرنا اليوم، أيضاً، قيامتك المجيدة!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



