القيامة الآتية الحاضرة
العالم كان ولا زال ينتظر القيامة. الدنيا إرث ألم أنّ الإنسان يموت. وراء كلّ باب ألم وفي كلّ قلب مهابة ورجاء. لا يمكن الحياة على الأرض أن تستمرّ بلا قدْر من تشوّف إلى القيامة. الإحباط كبير! رغم ذلك القيامة وعد محقّق وآتية بالصبر. زرعها الله، بدءاً، في الشوق ليشدّنا إليه ثمّ أعطاها في يسوع واقعاً فأضحى مسيحُ الربّ تجسيداً لكلّ شوق ولو كان ثمّة مَن لا يؤمنون.
القيامة حتميّة كيانيّة لأنّ الله محبّة. قيامة كلّ أحد حاصلة لا محالة إن ارتجاها إلى المنتهى. ليست القيامة أن ينال الموجوعون ما تشتهيه نفوسهم. ما يشتاقون إليه، في الحال التي هم فيها، دون وغير ما أعدّه الله لهم. قبل أن يعطيهم الربّ الإله ما يرغبون فيه يعطيهم، من خلال خطابه في حياتهم، أن يرغبوا في ما يشتهيه لهم وهو الأوفق لو كانوا يعلمون. المسيح إيّانا أكثر من ذواتنا كما تتراءى لنا. لمّا اتّخذ ابن الله بشرتنا اتّحد بنا. صار واحداً وكلِّ واحد منّا. لو كانت عيوننا لترى قويماً لأضحى مسيحُ الربّ، لكلّ منّا، ذاتَه الأصيلة ولوجد كلّ منّا نفسه، على ما هي عليه، دون ذاته في المسيح أصالةً وعلى تشويه كبير. لا يتّحد المسيح بنا كغريب بل يأتينا على الصورة والمثال اللذين شاءنا أن نكون عليهما. متى عرفتَه عرفتَ أنّه آخر ولكنّك عرفتَه أيضاً إيّاك، توأمك في الروح بمعنى. أجل، بهذا المعنى هو واحد وإيّاك.
عندما قال السيّد: "جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريباً فآويتموني، عرياناً فكسوتموني، مريضاً فزرتموني، محبوساً فأتيتم إليّ" (مت 25: 35 – 36)، لم يقصد وحسب أنّ ما يُعمل لنا يُرَدّ إليه لأنّنا نخصّه، بل بالضبط أنّ ما يُجرَى لنا يُجرى له هو في الروح كصنو لنا لأنّه اتّحد بنا اتّحاداً كاملاً كلّياً حتى صار إيّانا ولو بقي، كشخص، مميَّزاً عنّا.
غير أنّ يسوع وإن صار إيّانا بقي فينا غريباً عن أهوائنا. كلّ منّا إنسان أهواء. صورته عن نفسه صورة أهوائيّة. كلّ منّا غريب عن نفسه بالضبط بسبب سيطرة أهوائه عليه. ليس عن عبث قال المرنّم في المزمور 119: "ويح لي طال اغترابي مذ سكنت في خيام قيدار. طالت غربتي على نفسي. سالمت مبغضي السلام. ولمّا كلّمتهم به ناهضوني بلا سبب". خيام قيدار خيام سود. لا ينفذ النور إليها. غربتي كانت عن النور. نفسي كانت مقيمة في الظلمة. ومبغضو السلام الذين سالمتُهم هم أهوائي وأعدائي معاً. بين أهوائي وسلام القلب بُعاد. وقد كلّمتُ أهوائي بالسلام، منَّيت نفسي أن يكون لي بها سلام فكان أنّ أهوائي ناهضتني، وبلا سبب لأنّه لا سلام فيها ولا فرح. أهوائي باعتني للقلق وللمرض وللموت. يسوع استغرب عمّن غرّبني، أي عن أهوائي، ليعيدني إلى ذاتي، إلى أصالتي. لذا كانت وصيّتُه أدنى إلى كياني من أهوائي وأصدق وآمن ولو كان فيها ما يؤلمني. في الحقيقة، ليست الوصيّة هي ما يؤلمني بل أهوائي كلّما التمستُ الوصيّة لأنّي في غربة عن نفسي.
من هنا كون قيامة السيّد إليّ قيامتان: قيامة من أهوائي وقيامة إلى نوره. إن لم أقم من أهوائي لا يكون في طاقتي أن أقرأ مسيح الربّ قراءة نورانيّة حقّانيّة. أقرأه أهوائيّاً. يصير لي وثناً كما قرأه اليهود وكما نقرأه كلُّنا ما دمنا مصرّين على التمسّك بأهوائنا، بما هو لنا، بما يمتّ إلى إرادتنا الذاتيّة. ليس الموضوع فقط: "ماذا تقرأ؟" بل أيضاً "كيف تقرأ؟" (لو 10: 26). الوصيّة تقيمنا من أهوائنا. "أحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك...". هذا تغيير فلكي. أن لا يدور الإنسان، من بعد، حول نفسه، بل حول ما هو لله. الدعوة هي لأن يخرج من فلكه الخاص ليدور في فلك ربّه. أن ينبذ أهواءه الذاتيّة وعبادته لذاته ليقتبل هوى الله المبارَك، أي الوصيّة، أن تصير الوصيّة إليه الـ "هوى" ومن ثمّ أن يدخل في عبادة ربّه في الروح والحقّ. هنا يطالعنا المزمور 118 قبساً من نور الله وكلامُه على الوصايا كشهوة جديدة سمائيّة أصيلة. "اشتهيت وصاياك" (40). "حبّه قد شغفني" (35). "يا ليت طرقي تُسدَّد إلى حفظ وصاياك" (5). "بكلّ قلبي طلبتك" (10). "فرحت بطريق شهاداتك فرحي بكلّ غنى" (14). القيامة من الأهواء تحتاج إلى شوق إلى الله كبير، إلى أحكامه، إلى مراميه. لكن هذا متعذَّر على الإنسان من دون الله. لذا الله هو الذي يعين ويحقّق فينا ما يرغب به إن كنّا نريده. قوّة القيامة تعمل في الذين يرومون القيامة لا في الذين يرتعون في الموت، في الأهواء. "استيقظ أيّها النائم وقم من بين الأموات فيضيءَ لك المسيح" (أف 5: 14).
بعد ذلك يتسنّى لنا أن نقيم في النور. النور لا يأتي وكأنّه ليس كائناً. حياتنا تسبح في النور الدافق أبداً من وجه يسوع. الموضوع أنّنا في أهوائنا نكون، روحيّاً، كالعميان. هذا تمثّل في الغشاء الذي نزل على عينيّ بولس الرسول لمّا فقد نور عينيه. عماه الخارجي كان صورة عن عماه الداخلي. "نور المسيح مضيء للجميع". المهم، يا إنسان، أن تُبصر. المهم أن تطهر. يسوع أعلنها لك مرّة وإلى الأبد: "أُريد فاطهر" (مت 8: 3). يبقى السؤال لك أنت المخلّع: "أتريد أن تبرأ؟" (يو 5: 6).
في سعينا إلى القيامة لا نخترع جديداً ولا يأتينا جديد. كلّ شيء أُعطي لنا مرّة وإلى الأبد. لا نصوم ولا نصلّي لنُعطَى ما لم نأخذه بل لندحرج الحجر عن باب القبر، لنخرج من عنادنا، من عشقنا لذواتنا، من تمسّكنا بمشيئتنا، من استغراقنا في أهوائنا. المسيح قام. قيامته ملء كلّ ذرّة في الوجود. ما بقي بقي للإنسان أن يقتبله. هذا رهن بمشيئته. الألم الأكبر أن يبقى المرء قعيد نفسه. الموت أن يظنّ أنّ له في نفسه، بعدُ، حياة. حياته أن يخرج من نفسه، أن يمتدّ إلى ربّه، أن يدخل في فَلك إلهه لأنّه الطبيب الشافي.
اليوم يوم القيامة. السماء والأرض يصرخان الحياة. مَن له أذنان للسمع فليسمع. مائدة الفرح مُدَّت. سلام وفرح للجميع. الحياة تدفق كنبع فيّاض من نور. الكلّ مدعو. لا يبقينّ أحد خارجاً.
"يا حارس ما من الليل. يا حارس ما من الليل. قال الحارس أتى صباح وأيضاً ليل. إن كنتم تطلبون فاطلبوا. ارجعوا تعالوا" (إشعياء 20: 11 – 12).
كلّ ما هو آتٍ حضر. كلّ ما هو شوق تجسّد. نَفَس أنوفنا مسيح الربّ مقيم بيننا إلى الدهر!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



