26 نيسان 2009

الفقر والغنى

       منذ الدهر والإنسان فقير وغنيّ. الفقير، بعامة، في موقع الضعيف والغنيّ في موقع القويّ. ومنذ الدهر قام هذا على ذاك، وذاك على هذا فكانت السياسة. السياسة، عمليّاً، صراع. ولا قضيّة سياسيّة واحدة إلاّ أساسها تنازع المال والقوّة. الهيمنة هي للغنيّ طالما هو في موقع السلطة وديدنه قمع الفقير وحماية نفسه وامتيازاته منه واستغلاله بالأمن والنظام والقانون ولو بدا أنّ الأمن والنظام والقانون هو لخير الناس عامة. والغنيّ يتسلّط، أيضاً، على الفقير بالعِلم. فينشحن الفقير ويشعر بالغبن فيردّ بالعنف والثورة. هذه الحرب دائمة في التاريخ، باردة أو ساخنة، ظاهرة أو كامنة، على نطاق ضيِّق أو على نطاق واسع. ليست لإنسان ولا لحزب ولا لنظام، مهما كان نوعه، طاقة على وضع حدّ لهذه الحرب لأنّ أساسها، من جهة الغنيّ، الجشع والطمع، ومن جهة الفقير الحسد. قلب الإنسان مضروب، لذا ما يخرج من الإنسان، بعامة، معيوب. لذلك السياسة، في العمق، ولو بدت واعدة وحقّقت، أحياناً، بعض النجاح غير الثابت وغير المستمر، تبعاً لنزاهة السياسيّين وضمن نطاق الممكن، فإنّها حلّ فاشل وغير جذري لمعاناة البشريّة لأنّها لا تهتمّ، عمليّاً، بتغيير قلب الإنسان ولا تستطيع. ما تطعمه السياسة للشعوب إن هو في أكثره، سوى فتات تقع من موائد الأغنياء والأقوياء والباقي دوّامة صراعات وادّعاءات وشعارات خاوية. لا عدالة اجتماعيّة حقيقيّة ممكنة طالما عين السياسيّين في مصالحم جزئيّاً أو كليّاً. المصالح لا تلتقي والحقّ. وطالما هناك مصالح هناك محسوبيّة وتالياً ظلم. السياسيّون، واقعاً، أصغر من السياسة المرتجاة. لكي تكون السياسة في الحقّ، بمعنى الكلمة، ينبغي لها أن تكون باذلة إلى المنتهى، والسياسيّون لا يستطيعون أن يخرجوا من جلدهم، وإن خرجوا توقّفوا عن العمل السياسي كما يُتعاطى. بالعكس، السياسيّون مجرّبون بالنظر إلى أنفسهم كأنصاف آلهة يتحكّمون بمصائر الناس. لا يشاء الغنيّ، في قرارة نفسه، أن يكون الفقير شريكاً كاملاً له في خيرات الأرض إلاّ إذا كان قدّيساً، وهذا شواذ على القاعدة ولا يُبنى عليه المنحى السياسي. نفسية الغني ووجدانه لا يسمحان له بذلك. كذلك متى اغتصب الفقير ما للغنيّ حلّت به بسهولة لعنة الغنى. أخذ، من حيث لا يدري، يتلبّس نفسيّة الغنيّ. وله، طبعاً، استعداد لذلك لأنّه، بعامة، مائل إلى الحسد. هذا يجعله، تلقائيّاً، يتبنّى مقاصد مَن كان ثائراً عليه. في الظاهر والكلام يصير شيئاً وفي الداخل والحقّ شيئاً آخر. يبقى، إلى حين، في وضع مموَّه إلى أن يأتي فقراء جدد يكشفونه ويثورون عليه، هو أيضاً، ويأخذون مكانه عنوة ويرثون نفسيّته، ويقمعون، بدورهم، الفقراء ويستغلّونهم، وهكذا دواليك.

       لذا الفقر والغنى باقيان، بشريّاً، في نزاع، إلى قيام الساعة. ليس الإنسان قادراً، بنفسه، على حلّ قضاياه لأنّه يطلب، في العمق، ما لأهوائه ولأنانيّاته، فُراداً وجماعات، ويعتمد عليها لينجح. من هنا الحاجة إلى نظرة أخرى، وتالياً إلى طريقة أخرى في التعامل مع الفقر والغنى. ليكن واضحاً لدينا، مرّة وإلى الأبد، أنّ الفقر والغنى، وكذلك الضعف والقوّة، بشريّاً، واقع تفرضه نفسيّة البشر مهما حاولوا تمويهه ونكرانه. هذا واقع لا يمكن تغييره على صعيد ما للإنسان. والله، أيضاً، لا يغيِّره ولا يشاء ولو كان قادراً على كلّ شيء. السبب بسيط أنّه لا الفقر لديه قيمة ولا الغنى. لا الفقر من الله ولا الغنى بل من حسد الإنسان وجشعه. ومع ذلك يتعامل الله مع الفقراء والأغنياء. هنا علينا أن ندرك أمرَين: الأمر الأوّل أنّ ما يريده الله للناس هو القداسة، والأمر الثاني أنّ الله ينظر إلى الفقر والغنى كليهما كسياقَين أو وسطين موافقين لتحقيق هذا الهدف، ضمن شروط. ماذا يعني هذا الكلام تفصيلاً؟ ما هي القداسة أوّلاً؟ القداسة، بصورة أساسيّة، شيئان: شفاء النفس والغنى بالنعمة الإلهيّة. شفاء النفس يكون بالوصيّة الإلهيّة، والغنى الإلهي يكون باقتناء الروح القدس. إذا أطاع الإنسان الوصايا الإلهيّة وسلك فيها، إذا أضحت الوصايا، بالنسبة إليه، طريقة حياة جديدة فإنّه يصير أهلاً لاقتناء الروح القدس. واقتناء الروح القدس معناه أن يدخل الإنسان في علاقة محبّة مع الله، أن يصير ابناً لله، أن تكون له الحياة الأبديّة، أن يصير إلهاً بالتبنّي استناداً للقول الإلهي: "أنا قلت إنّكم آلهة". هذا هو الخلاص. هذه هي عطيّة الله للإنسان. هكذا تتجلّى محبّة الله للبشريّة من حيث إنّ "الله محبّة". الموضوع، إذاً، هو موضوع قداسة أوّلاً وأخيراً. إذا سلك الإنسان في القداسة تنحلّ كلّ قضاياه على الأرض وطبعاً ما بعد الموت. كيف لا والوصيّة الثانية العظمى هي: "أحبّ قريبك كنفسك؟" هذا يعني أنّ ثمّة شراكة تتحقّق هنا على الأرض بين الفقير والغنيّ. كلٌّ ينفتح بالكامل على الآخر. لا هذا تتكدّس خيراته على غير طائل ولا ذاك يعيش في العوز. لا القويّ يقمع الضعيف ولا الضعيف يثور على القويّ. لا هذا يخشى ذاك ولا ذاك يحقد على هذا. لا الفقير يحسد الغنيّ ولا الغنيّ يطمع بما للفقير. نفْس كلّ منهما تُشفى بالمحبّة. القلوب تتغيّر ومن ثمّ طبيعة العلاقة تتغيّر.

       ونعود فنؤكّد أنّ محبّة القريب كالنفس ليست هي الهدف بل هي نتيجة السلوك في القداسة، أي نتيجة السلوك في الوصيّة الأولى والعظمى وهي: "أحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قدرتك". الهدف أوّلاً وأخيراً هو محبّة الله. كلّ ما عدا ذلك، بعد ذلك، يتبع. وهذا تماماً هو معنى القول السيّدي: "اطلبوا أوّلاً ملكوت السموات وبرّه وكلّ ما عدا ذلك يزاد لكم". ما يزاد لنا هو كلّ ما له علاقة بحياتنا على الأرض. فقط إذا أحببنا الله حبّاً أصيلاً يصير بإمكاننا أن نحبّ قريبنا كأنفسنا حبّاً أصيلاً. وهذا معناه أيضاً أنّنا إذا لم نحبب قريبنا كأنفسنا لا نكون قد أحببنا الله حبّاً حقيقيّاً. محبّتنا بعضنا للبعض الآخر مؤشّر على محبّتنا لله. لا هذه تكون قد تحقّقت إذا لم تكن تلك ولا تلك تكون ممكنة من دون هذه.

       إذا فهمنا هذا الأمر يصير بإمكاننا أن نفهم أنّ الفقر والغنى البشريّين، عند الله، هما مجالان للقداسة. الإنسان يمكن أن يتقدّس وهو في حالة الفقر، كما يمكن أن يتقدّس وهو في حالة الغنى. الفقير يتقدّس بالصبر، بالاتكال على الله، بعدم التذمّر، بالرضى بما يقسمه الله له. لا يحمّله الله ما فوق طاقته. لا شكّ أنّ الله يعينه في شؤون هذا الدهر. لكن عون الله الأوّل له هو على القداسة، أي على اقتناء الغنى بالنعمة الإلهيّة كما فصّلنا أعلاه. الفقر بالنسبة لبعض الناس، في التدبير الإلهي، منصّة شهادة ومجال قداسة. ولو كان الله ليعطيهم فوق ما يحتاجون لكانوا ينفسدون. الفقر، للسالكين في الوصايا الإلهيّة، برَكَة، ولو كان امتحاناً. الفقير يمكن أن يتذمّر أو ييأس أو ينحرف. أمّا إذا سلك الفقير في الوصايا الإلهيّة فإنّ خيراً جزيلاً يخرج من فقره. الفقر تجربة؟ طبعاً! ولكن كلّ وضعيّة بشريّة تجربة! الغنى أيضاً تجربة وأقسى من تجربة الفقر. الغنيّ مجرّب بالبطر، بالظلم، بإطلاق العنان لأهوائه، وبكلّ مفسدة. لكن الغنى أيضاً مجال للمحبّة، مجال للرحمة، مجال للخدمة، مجال للبذل، مجال لتمجيد الله. الكلّ متوقّف على إيمان المرء بيسوع أو عدم إيمانه به، اقتباله الوصايا الإلهيّة أو عدم اقتباله لها، حرصه على حفظ الأمانة لله أو عدم حرصه عليها. الغنى والفقر يمكن أن يكون كلاهما للخير إذا ما كانت عين الإنسان في ما هو أبعد من هذا الدهر، في ما هو لله، في القداسة، في محبّة الله والخلاص والملكوت والحياة الأبديّة. وحده السلوك في القداسة ينظّم الحياة على الأرض...تلقائياً!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما