المؤامرة المستمرّة!
ليس الحقّ الإنجيلي أن تكون على صواب. ليس الحقّ موقفاً أو فكرة. الحقّ، كما كشفه الله لنا، شخص. الحقّ هو يسوع! لا بمعنى أنّ ما يقوله يسوع صحيح، بل بمعنى أنّ الحقّ هو سرّ الحضرة الإلهيّة، سرّ حضرة يسوع. لذا لا نقول عن إنسان، إيّ إنسان، إنجيليّاً، إنّه على حقّ – الحقّ بالمعنى الصارم للكلمة – بل نقول إنّه في الحقّ أو إنّ الحقّ فيه، ونريد بذلك أنّه في يسوع أو أنّ يسوع فيه، أنّه يحبّ يسوع ويقيم فيه أو أنّ يسوع يحبّه ويقيم فيه. على هذا كثيراً ما نجد، هنا وثمّة، لا سيما في إنجيل يوحنّا ورسائله، أقوالاً كهذه: "أنا هو الطريق والحقّ والحياة" (يو 14: 6)، "ونعلم أنّ ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحقّ. ونحن في الحقّ في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحقّ والحياة الأبديّة" (1 يو 5: 20). "إن قلنا إنّه ليس لنا خطيّة نُضلّ أنفسنا وليس الحقّ فينا" (1 يو 1: 8).
وإذا كان يسوع هو الحقّ فالروح هو الحقّ أيضاً ويشهد (1 يو 5: 6) وفيه نعرف الحقّ. هذا يجعلنا نتكلّم على الحقّ في مستوى روح الحقّ. مَن يعرف الله كان روح الحقّ فيه. هذا يسمع لمَن هو من الله. أما مَن لا يسمع لمَن هو من الله فليس فيه روح الحقّ بل روح الضلال. ومَن ليس فيه روح الحقّ فليس من الله. لذا هكذا تكلّم يوحنّا: "نحن من الله فمَن يعرف الله يسمع لنا ومَن ليس من الله لا يسمع لنا. من هذا نعرف روح الحقّ وروح الضلال" (1 يو 4: 6). الضلال عكس الحقّ ومَن ليس فيه روح الحقّ فيه روح الضلال لا محالة. الضلال، في هذا السياق، هو روح يستحكم بالنفس قبل أن يكون شططاً فكريّاً. والضلال هو الخطيئة. ضلَّ وسلك خطأً واحد. إذاً الخطيئة هي خلاف الحقّ. فحيث لا حقّ هناك خطيئة. ومَن لا يقيم في الحقّ يقيم في الخطيئة. إذاً الخطيئة حالة كيانيّة تخلو من سرّ حضرة يسوع المحبّية الفاعلة. الخطايا، بهذا المعنى، ظواهر الخطيئة. فإذا كان يسوعُ النورَ والحقُّ النورَ فالضلالُ هو الظلمة والخطيئة هي الظلمة. لذا قيل: "وهذه هي الدينونة أنّ النور قد جاء إلى العالم وأحبّ الناس الظلمة أكثر من النور لأنّ أعمالهم كانت شرّيرة" (يو 3: 19).
إذاً بروح الحقّ وحده نعرف الحقّ وإلاّ لا نعرفه. الحقّ لا يُعرف بالتحليل الفكري والاستدلال المنطقي. الكتب، حتى الإلهيّة، لا نعرف الحقّ فيها، ولو كانت إيقونة للحقّ، ما لم تُقرأ بروح الحقّ. بغير روح الحقّ نقرأها بروح الضلال، في الخطيئة. مهما أعملنا العقل وأرهفنا أساليب الفكر في مقاربتنا لها فإنّها لا تأتي بنا إلى الحقّ. وبالعكس إنّ حلّ فينا روح الحقّ فإنّنا نقرأها في الحقّ ولو لم تكن لنا حكمة بشريّة سامية. من هنا قول بولس الرسول لأهل كورنثوس: "لما أتيت إليكم أيّها الإخوة أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة منادياً لكم بشهادة الله... وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانيّة المقنِع بل ببرهان الروح والقوّة، لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوّة الله" (1 كو 2: 1، 4).
الموضوع، إذاً، هو اقتناء محبّة يسوع أوّلاً وأخيراً وإلاّ كنّا مقيمين في الضلال. إما أن نحبّ يسوع فيكون الله الآب أبانا أو نقيم في الضلال فيكون إبليس أبانا. لذا قال يسوع لليهود: "لو كان الله أباكم لكنتم تحبّونني لأنّي خرجت من قِبَل الله وأتيت... أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك... لم يثبت في الحقّ لأنّه ليس فيه حقّ" (يو 8: 42، 44).
استناداً إلى ما سبق، كُلّف التلامذة بتلمذة كلّ الأمم (مت 28: 19). هناك قوم عرفوا يسوع وأحبّوا يسوع وأُعطوا كلمة حقّ يسوع وسكنت فيهم روح حكمة يسوع، هؤلاء كُلِّفوا بالكرازة، بالبشارة في كلّ العالم بأسلوب التلمذة أي بتعليم الآخرين ما اختبروه وعرفوه. وهناك مَن لا يعرفون وهم بحاجة إلى البشارة بالإنجيل وإلاّ لا يعرفون الإيمان. "كيف يؤمنون بمَن لم يسمعوا به وكيف يسمعون بلا كارز" (رو 10: 14)؟ هذا لا يمنع، طبعاً، أن تكون عند هؤلاء القوم وأولئك بذور من الحقيقة الإلهيّة، في تراثهم، في كتبهم، في عاداتهم، بثّها روح الربّ فيهم، منذ القدم، إذ إنّه لم يترك نفسه بلا شاهد في جميع الأمم (أع 14: 16 – 17). ولكن هذا الذي أنبثّ من حقّ الله في شعوب الأرض لا يُعرف معناه ولا مرماه ولا غايته إلاّ في إطار الكرازة بيسوع المسيح. لهذا السبب لما وُجد بولس الرسول في الآريوس باغوس في أثينا ووَجد مذبحاً مكتوباً عليه: "لإله مجهول" قال للناس هناك: "الذي تتّقونه وأنتم تجهلونه هذا أُنادي لكم به... لأنّنا به نحيا ونتحرّك ونوجد. كما قال بعض شعرائكم أيضاً لأنّنا أيضاً ذريّته... وقد أقام يوماً هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل عيَّنه مقدِّماً للجميع إيماناً إذ أقامه من الأموات" (أع 17: 23، 28، 31). إذاً نحن، إن عرفنا يسوع كشخص، لا نأتي الذين لا يعرفونه كمحاورين بل ككارزين بكلمة الله، كمُتلمِذين. وما يُعرف بـ "الحوار بين الديانات" ليس، أبداً، أسلوباً إنجيليّاً مقبولاً وناجعاً للإتيان بالذين لا يعرفون يسوع وليس فيهم روح الحقّ إلى معرفة يسوع واقتناء روح الحقّ. الحوار أسلوب بشري يستعين بالحكمة البشريّة لبلوغ المتحاورين تفاهماً فيما بينهم. وإذا قلتَ تفاهماً قلتَ قواسم مشتركة ونقاط التقاء. ولكن أيّ قواسم مشتركة يمكن أن تكون بين النور والظلمة، بين الذين يعرفون يسوع والذين لا يعرفونه؟ الحوار، في أحسن الحالات، يأتي بنا إلى أفكار جديدة وإلى صيغ توفيقيّة بين الناس، ولا يمكن أن يأتي بهم إلى الإيمان بشخص يسوع. لذلك الحوار بين الديانات ليس من الله ولا يبلِّغ إلى الحقّ. هو أسلوب بشري يتوخّى طرح القضايا الإلهيّة وغير الإلهيّة، بطريقة تؤمّن التعايش بين الشعوب. إذاً الغرض منه سياسيّ اجتماعيّ اقتصادي. الحوار لا يبتغي الحقّ الإلهي وشخص يسوع بل الوصول إلى صيغة تآلف بين الشعوب. الحوار يأتي، عمليّاً، كبديل عن الكرازة وكمحاولة لطمس التلمذة بالإنجيل. فلا عَجَب إذا أصدر العديد من الكاثوليك والبروتستانت في العالم بيانات قالوا فيها إنّه لا حاجة بعد لتبشير اليهود لأنّ الله موجود عندهم. كذلك الذين يجدون أنفسهم، من المسيحيّين، مستغرقين في الحوار مع غير المسيحيّين من ديانات الأرض، أخذوا يميلون إلى وقف العمل البشاري بإزائهم. هذا، بلا شكّ، مسعى لتعطيل عمل الله الآيل إلى خلاص شعوب الأرض بيسوع حيث إنّه لا خلاص إلاّ به (أع 4: 12). وهو أيضاً مسعى إلى إفساد إيمان مسيحيي الأرض وحملهم على اقتبال فكر غريب عنهم مودّاه أنّ هناك خلاصاً بغير يسوع أيضاً، أو هناك خلاصٌ بالله، بالمعنى العام للكلمة، أو بمَن شاكله من الآلهة، عند الآخرين، من دون يسوع، أو بمَن يُعتبرون أنّهم يشبهون يسوع بشكل أو بآخر. هذا تلفيق، والتلفيق نهايته الفساد! هذه، عمليّاً، بداية القضاء على الإيمان القويم في العالم، وتالياً محاولة إبليسيّة لضرب كنيسة المسيح في الصميم!
ما يجري، الآن، في العالم، في ضوء ما تقدّم، هو مسعى لإفراغ الكنيسة من مضمونها الخلاصي وتحويلها إلى كنيسة دهريّة، وكذلك مسعى لترويض المسيحيّين، تارة بالإقناع وتارة بالتهويل، على غرار الإرهاب الفكري الصهيوني في حقّ الغرب المسيحي عامة والفاتيكان خاصة، مما رأينا صورة عنه في زيارة رأس الكثلكة إلى القدس مؤخّراً، أقول مسعى لترويض المسيحيّين، وجعلهم يذعنون بأنّهم دين بين الديانات ويعملون بغيرة وحماس لتزكية رؤية دينيّة تلفيقيّة، ظانّين أنّهم يقدّمون، بذلك، خدمة لله بشعارات مستعارة من الإنجيل!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



