31 أيار 2009

الانتخابات المقبلة!

       مَن تنتخب؟ هذا شأنك ولستُ أشير عليك بشيء، ولا أُلمِّح لك لا من قريب ولا من بعيد مَن تنتخب. حكِّم ضميرك! كن عارفاً! كن مشاركاً! كن مسؤولاً! في كلّ حال لا بدّ لك من أن تقترع. أنت مواطن! قم بواجبك! لا تكن غير مبال! "أعطِ ما لقيصر لقيصر...". لا حقّ لك في أن تجعل نفسك خارج الصورة! ولكن ما تعطيه لقيصر أعطه بضمير. لذا أعطِ أوّلاً ما لله لله. وما تعطيه لله في شأن قيصر هو التزام واجبك تجاهه وأن تتعاطى ما لقيصر وفق ما توحي لك به أمانتك لله. فلأنّك لله لا يمكنك أن تتصرّف كأنّك لست له!

       على أنّ في موضوع الاقتراع مسائل عديدة عليك أخذها في الاعتبار.

       أوّلاً  .  أن تقترع معناه أن تطّلع. الموضوع جدّي. عليك بالدّرس. بالاستطلاع. لا تتعاطى المسؤوليّة بخفّة. اطّلع قدر طاقتك. ولكنْ لكي يكون اطّلاعك مفيداً ابتعد، قدر الإمكان، عن الانفعال. هذا يعطّل عمل عقلك وقيمة اطّلاعك. افهم جيِّداً ما يقولون وقيّمه في ضوء ما فيه خير الوطن ومجد الله. هل هو معقول؟ هل هو واقعي؟ إلامَ يؤدّي؟ لا تقف عند حدود الشعارات. هذه، في أكثر الأحيان، معميات مشحونة بالالتباسات. أعطِ الرأي والرأي المخالف فرصاً متكافئة في نفسك. افعل ذلك بهدوء نفس. صفحة من تاريخ هذا المرشّح أو ذاك تنفعك. وصفحة أخرى من أفكاره وآرائه وإنجازاته بالأمس تنفعك أيضاً. كثيراً ما يلجأ المرشّحون، هذه الأيّام، إلى أسلوب التخويف من المرشّح الخصم. لا تأخذ بأساليبهم. احذر أن يتسلّل إلى قلبك الخوف الذي يحاول الآخرون أن يبثّوه فيك لئلا تقع ضحيّة الإرهاب الفكري الذي يمارسونه. شهادة الخصم عن خصمه مغروضة.

       ثانياً .  أن تقترع معناه أن تختار أشخاصاً لا لوائح ولا تيّارات سياسيّة. اللوائح غالباً ما تكون مرتهنة لشخص يهيمن عليها وتتكوّن وفق مصالح غير نقيّة تعطّل حرّيّة الضمير. والأمر صحيح أيضاً بالنسبة للتيّارات السياسيّة. هذه يسيطر عليها شخص الزعيم. العقائديّون السياسيّون عندنا قلّة عزيزة. وما يتحكّم بالخطوط السياسيّة، بعامة، حسابات شخصيّة ومصالح خاصة محليّة وإقليميّة ودوليّة. لذا لا تختر مَن لا تعرف، مَن لست مقتنعاً به شخصيّاً، فقد تختار مَن همّه إرضاء مَن ضمّه إلى لائحته أو تيّاره لقاء مكاسب خاصة لا خير البلد. كذلك لا تختر الأشخاص على أساس سلالتهم السياسيّة، أن فلاناً ابن فلان ابن فلان. طبعاً ليس ما يمنع أن يُنتج الآباء السياسيّون أبناء وأحفاداً جيّدين أحياناً، لكنْ يبقى المقياس شخصيّاً لا كون هذا أو ذاك ابن سلالة سياسيّة. طبعاً ليس ما يمنع أن تكون هناك تحالفات بين المرشّحين وأن ينتموا إلى تيّارات سياسيّة مختلفة. المهم أن يوحي لك مَن تنتخبه بأنّه مستعد لتعاطي السياسة بحرّيّة ضمير. يقول الـ "نعم" ويقول الـ "لا". يقدّم خير الوطن على ما لنفسه وما للذين ينتمي إليهم لأنّ انتماءه، أوّلاً وأخيراً، هو إلى الحقّ وإلى الاستقامة. اختر، إذاً، مَن يؤدّي دوره بإيجابيّة وفاعليّة ومسؤوليّة. لا تختر مَن هم نكرة!

       ثالثاً  .  أن تقترع معناه أن تختار مشرّعين ذوي علم ونزاهة للبلد. النائب، بالدرجة الأولى، هو المشرّع. ثمّة، إذاً، جانب علمي في شخص النائب العتيد لا حقّ لك في إغفاله. نائب جاهل أو رجل شعارات يساهم في إفساد البلد ومَن فيه!
رابعاً .  أن تقترع معناه أن تلاحظ سلوك المرشّحين. هل يحترمون خصومهم أم لا؟ طبيعي أن يكون هناك خلاف في الرأي والنهج بين هذا وذاك. ولكنْ لا حقّ لأحد أن يكون صفيقاً، وأن يسخر من الآخرين ويتهجّم عليهم ويرميهم بشتّى النعوت ويلقي عليهم شتّى الاتّهامات. علينا دائماً أن نميِّز بين الشخص وموقفه. موقفه نقبله أو لا نقبله بالكثير من العلميّة والرصانة والتحليل الهادئ. أمّا شخصه فلا نتعرّض  له بحال. مَن يوحي لك بأنّ همّه أن يحطّم خصمه ويريد أن يجيِّش فيك الروح الغضبيّة والتحدّيات لتعينه على ذلك، فهذا لا تختره لأنّه غير ناضج ويشكِّل خطراً على الوطن ويتهدّده بالتصادم والقسمة. اختر مَن يعطيك الانطباع بأنّه مستعد للتعاون مع الجميع من أجل ما فيه خير البلد. سياسة الكتف إلى الكتف، ولو بين مختلفين، هي السياسة المقبولة في بلد تعدّدي كلبنان. أمّا سياسة إلغاء الآخرين والاستئثار والأحديّة فتُفكّك البلد عاجلاً أم آجلاً. مَن ترى فيه استعداداً وقدرة على فهم الهموم الكامنة وراء توجّهات خصمه، بإيجابيّة ورصانة، وإن كان لا يتّفق وإيّاه في كيفيّة مواجهتها، فهذا هو الذي يستحقّ أن تدفعه إلى المنبر النيابي لأنّه قادر على أن يكون رجل حوار إيجابي وتعاون مع الذين لا يوافقونه الرأي.

       خامساً .  أن تقترع معناه أن تختار إنساناً يلاحظ نفسه. مَن يعطيك الانطباع بأنّه ملاك نازل من فوق وأنّ خصمه شيطان رجيم، هذا اجتنبه لأنّه لا يعرف نفسه أو الآخرين أو يتجلبب بثياب الحمل وهو ذئب. المرشّح اللائق هو مَن كان مستعدّاً لأن يعترف بخطئه متى أخطأ وأن يعطي خصمه حقّه متى كان على حقّ.

       هذا الذي أقترحُه عليك يحمّلك أعباء لا طاقة لك عليها؟ ربما! وربما صحيح أيضاً أنّ نظرتك إلى الانتخابات تعتورها الخفّة ويتحكّم فيها الارتجال. هذا لا يليق بك، في كلّ حال، إذا كنت لتساهم في بناء وطن إيقونةٍ لله. الاقتراع، أساساً، للمؤمن، تعبير إيماني في مجال الديمقراطيّة السياسيّة. الديمقراطيّة يحقّقها مواطنون ذوو نضج ويقوِّضها مَن يرتعون في الجهل ويتصرّفون بانفعال وغوغائيّة وعشائريّة. هذا مشروع يُشاد بروح المعرفة والمسؤوليّة والتعاون، وإلاّ كنّا قوماً جاهليّين نتكلّم بما لا نعمل ونعمل بما لا نقول. الاقتراع، إذ ذاك، لا معنى له ولا قيمة! لا أسوأ من الاوتوقراطيّة الإستبداديّة سوى الديمقراطيّة الكاريكاتوريّة!

       غداً متى توجّهتَ إلى صندوق الاقتراع قلْ ضميرك وحسَّك وإيمانك بالله وبحقّ الوطن عليك. اختر شخصاً أو أكثر أو ضع ورقة بيضاء لتقول إنّنا لم نصل بعد إلى عتبات الديمقراطيّة فأنّى لنا أن ندخل إلى ربوعها! في كلّ حال لا تبقَ قعيد البيت لئلا تكون مساهماً في نحر مشروع الوطن!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما