7 حزيران 2009

أؤمن يا سيّد فأعنْ
عدم إيماني!

       هذا قول من مرقس البشير، الإصحاح التاسع، الآية الرابعة والعشرون. وهو لرجل بابنه روح أخرس. فلمّا وصف حال ابنه وسأل يسوع: "إن كنتَ تستطيع شيئاً فتحنّن علينا وأعنّا"، قال له يسوع: "إن كنتَ تستطيع أن تؤمن. كلّ شيء مستطاع للمؤمن". للوقت صاح أبو الولد بدموع وقال: "أؤمن يا سيّد فأعن عدم إيماني". فأمسكه يسوع بيده وأقامه فقام.

       في أكثر من مناسبة، سؤال يسوع للمُقبل (المقبلين) إليه كان: أتؤمن؟ أتؤمنان؟ أتؤمنون؟ بابن الله، بأنّي أقدر أن أفعل هذا، الخ... مثل ذلك حواره والأعميَين وشفاؤه إيّاهما (مت 9: 27 – 31). هنا، في كلام يسوع إلى الأب ذي الابن الذي به روح أخرس، سؤال يسوع فذّ: "إن كنتَ تستطيع أن تؤمن..." بموازاة طلب الرجل: "إن كنتَ تستطيع شيئاً..." ليس السؤال الموافق ما إذا كان يسوع يستطيع شيئاً. "كلّ شيء مستطاع عند الله". السؤال الموافق هو – كما صاغه يسوع – ما إذا كان باستطاعة المتقدِّم إلى يسوع أن يؤمن. ثمّة فرق بين القول: "أن تؤمن" والقول: "إن كنتَ تستطيع أن تؤمن". "أن تؤمن" قد يوحي بأن تكون أنت مصدر الإيمان، أن يكون الإيمان بيسوع صادراً منك. أما أن تقول: "إن كنتَ تستطيع أن تؤمن" فيعني شيئاً آخر. يعني أنّ الإيمان بيسوع لا يأتي منك. لست أنت مصدرَه. له مصدر آخر. جلّ ما يخصّك هو أن تستطيع أو لا تستطيع. الحقيقة أنّ الاستطاعة وحدها هي من الإنسان، فيما الإيمان من الله. لذا ورد في الرسالة إلى غلاطية أنّ الإيمان من ثمار الروح (5: 22). الله هو المصدر. والإنسان يقتبل الإيمان المعطى له من فوق إذا ما توفّرت فيه شروط محدّدة تجعله مهيّئاً، قابلاً، في الاستطاعة، لاتّخاذ الإيمان بالله. ليس مطروحاً ما إذا كان يسوع يعطينا أن نؤمن به أم لا. وجوده، فيما بيننا، دليل ساطع على ذلك إذ إنّ ابن الإنسان جاء ليخلِّص ما قد هلك (مت 18: 11). يسوع هو المعطي ويريد. لذا كانت شيمة الإنسان، في ذاته، عدم الإيمان. لا يمكننا أن نتكلّم على ضعف إيمان الإنسان بالله. من دون ما يأتي عليه من فوق، في هذا الشأن، ليس إنسان واحدٌ مؤمناً! أب الولد الممسوس، إذاً، عبّر عن واقع البشريّة، في ذاتها، برمّتها. "أَعِن عدم إيماني". وقوله "أؤمن يا سيّد" هو من باب الشوق، شوق الرجل، والبشريّة من خلاله، إلى ما لا طاقة لها عليه. لذا لمّا طلب التلاميذ من يسوع أن "زد إيماننا" أجابهم: "لو كان لكم إيمان مثل حبّة خردل لكنتم تقولون لهذه الجمّيزة انقلعي وانغرسي في البحر فتطيعكم" (لو 17: 5 – 6). هذا معناه أنّه لم يكن لهم إيمان بالمرّة. لذا لمّا سأل التلاميذ يسوع لماذا لم يقدروا على إخراج الشيطان من الغلام في إنجيل متّى، الإصحاح السابع عشر، أجابهم بصراحة: "لعدم إيمانكم" (مت 17: 20) لا لقلّة إيمانكم. قلّة الإيمان، كما في متّى 14: 31، تعني، في خلفيّة حبّة الخردل، عدم الإيمان. الإيمان عند الإنسان، إذا لم يعطه الربّ الإله إيّاه كنعمة من عنده، هو مجرد موقف أو قناعة ذاتيّة. الإيمان بالله لا يتوقّف عند حدود المواقف والقناعات. هذه تبقى اتّجاهات فكريّة وأو انفعاليّة لا تنفع في العلاقة مع الله ولا تُبلِّغ إليها. هذا إيمان نفساني. الإيمان بالله روحاني الطابع. لا هو فكري ولا نفساني. بكلام كاتب الرسالة إلى العبرانيّين: "الإيمان هو الثّقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى" (11: 1). وهذا ليس في متناول الإنسان إذا ما انحدّ بما هو للبشَرَة. الإيمان بالله، إذاً، من روح الله ويُعطَى لنا كنعمة.

       ونعود إلى قول يسوع لوالد الصبيّ: "إن كنتَ تستطيع أن تؤمن. كلّ شيء مستطاع للمؤمن". السؤال هنا هو: ماذا على الإنسان أن يعمل أو ما الحالة التي ينبغي أن يكون عليها ليستطيع أن يؤمن؟ واضح أنّ هناك أموراً على الإنسان أن يقوم بها عن إرادة ليتهيّأ لاقتبال عطيّة الإيمان، وهناك أمور يَعبُر بها عن غير إرادة منه أيضاً. الأمور الأولى تهيّئه، بخاصة، فكريّاً والأمور الأخيرة تهيِّئه كيانيّاً. فكريّاً يتهيّأ بالقراءة، بالسّماع، بالتأمّل الفكري... الشرط أن يكون محبّاً للحقّ، شفّافاً له، باحثاً عنه بلهف، شاهداً له. السائرون وراء الباطل بإصرار مستحيل عليهم أن يؤمنوا. وكيانيّاً يتهيَّأ الإنسان بخبرات يعبر بها أو يعاينها في سواه وتهزّه من الأعماق. مثل ذلك المحبّة التي فيها بذل غير مألوف بين الناس. ظلم البريء. محبّة الأعداء. عدم مقابلة الشرّ بالشرّ بل بالخير. ذِكر الموت. الزهد. الخوف والضيق... هذه تطيح الغرور وتعطي الإنسان الشعور عميقاً بضعفه وترابيّته وتساعده على تواضع القلب. ليس من الضرورة أن تجتمع هذه الخبرات معاً. واحدة، أحياناً، قد تكون كافية لإحداث تغيير كيانيّ عميق في الإنسان يدفعه إلى الإيمان الفعلي بالله. إذ ذاك، متى أضحى الإنسان في مثل هذه الحال الكيانيّة الفكريّة يزول منه رَطَبُ عبادة الذات ويمسي مهيَّأً للإيمان بالله متى انقدحت فيه نار الروح القدس. هذا يُحدث فيه تغييراً كيانيّاً عميقاً. يصير مؤمناً بالله ويصير كلّه، نفساً وفكراً وجسداً، مطرحاً لحضور نعمة الله وعملها. وهكذا ما يكون قد تبعثر في الإنسان بالخطيئة يوحِّده روحُ الربّ، من جديد، بالإيمان. على هذا النحو ينتقل الإنسان، عمليّاً، من حال عدم الإيمان إلى حال الإيمان.

       إنّ العبور الكياني للإنسان من عدم الإيمان إلى الإيمان رهن بما يجري في نفسه من جرّاء مواجهته تموّجات العمر. ليس كلّ مَن ظنّ نفسه مؤمناً بيسوع هو مؤمن به بالفعل. هناك ناس نفسانيّون جسدانيّون وهناك ناس روحانيّون. النفسانيّون ذوو إيمان نفساني، والروحانيّون ذوو إيمان روحاني. أولئك يستعملون اسم المسيح تحرّكهم أهواؤهم ولا يحرّكهم روح الربّ، وهؤلاء يقيم فيهم الروح القدس تحرّكهم نعمة الله وليسوا مستعبَدين لأهوائهم. كِلا الفريقَين نمطُ حياته يدلّ عليه وفكرُه ومقاصدُه. كلّ إناء ينضح بما فيه. الروحانيّون يُفرغون أنفسهم من كلّ مجد، في كلّ حال، ويمجّدون الله وفقاً للموصَى به: "مجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1 كو 6: 20). والنفسانيّون يطلبون مجد أنفسهم في كلّ أمر، فإن قالوا: آمنّا! كذبوا لأنّ القول الإلهيّ هو: "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض..." (يو 5: 14).

       فلأنّ الإيمان حقيقة كيانيّة لا تأتي الإنسانَ إلاّ بشعوره العميق بالضعف والعجز، كانت الضيقات والحروب والكوارث والآلام، على إيلامها، أحياناً، لا دائماً، معينة على تهيئة الإنسان للدخول في علاقة إيمانيّة كيانيّة عميقة مع الله، وتالياً في مسرى النعمة. "بضيقات كثيرة"، كما قيل، "ينبغي أن ندخل ملكوت السموات" (أع 14: 22). هذا معطى للجميع، للرهبان الذين يضيِّقون، بخاصة، على أنفسهم، وللعامّة الذين تضيِّق عليهم ظروفُ الحياة وارتجاجاتها. الرهبان، إن تضيّقوا ذاتيّاً، تحرّروا من ربقة أهوائهم عليهم وفعّلوا، بالإيمان، نعمة الله فيهم. والعامّة، إن أطلقوا العنان لأهوائهم، استدعوا الآلام على أنفسهم، من حيث إنّ الآلام هي قفا الأهواء في مسراهم، فتسنّى لهم بهذه الآلام أن يتحرّروا، هم أيضاً، من أهوائهم إن اعتبروا. هذا يسمح به الربّ الإله لا حبّاً بالتضييق على الناس بل ليتيح للذين لم يأتوا إلى خلاصه بلطف وصيّة المحبّة أن يخلصوا بالتوبة والمعاناة التي يحتّمها سلوكهم في أهواء النفس والجسد.

       في كلّ حال محبّة الله باقية للناس أجمعين فاعلة فيهم لأنّ الله محبّة. هي محبّة الله عينها تكون فردوساً، بالإيمان، للذين يؤمنون وجحيماً، بأهواء النفس، للذين لا يؤمنون. أمّا الإيمان فليس للجميع (2 تسا 3: 2). لكن الذين يؤمنون يرتشفون الروح ويعرفون العنصرة بالسلوك الدائم في الروح. لهؤلاء اليوم شركة حقّانيّة في عيد الأعياد وموسم المواسم! تبارَك الله!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما