نحو الفرح
طالما الإنسان في الخوف، كلّ يوم، فإنّه لا يعرف الفرح. يبحث عن الفرح فلا يجده. لذا يصطنعه. اصطناع الفرح معناه الانكباب على مِتَع الحياة. المتعة، أصلاً، من طبيعة تعاطي الخليقة، وهي نكهة الوجود. هذه، إن اصطُنعت، فقدت قيمتَها الإنسانيّة. باتت كأنّها قيمة في ذاتها. فيما هي، في الأساس، ربيبة البركات التي مَنّ بها الربّ الإله على الإنسان. الطعام، مثلاً، إحدى هذه البركات. تأكل، متى جعت، فتستمتع. شيء من طلب صنوفٍ من الطعام لأنّه ممتع أمر طبيعي ومعزٍّ ومقبول. فإن بالغت انحرفتَ وسقطتَ في الشراهة. الشراهة تعاطٍ فاسد للطبيعة، وهي خلل في النظرة إلى خليقة الله ومساهمتها. هذا ما نقصده باصطناع الفرح، أن تستعمل ما هو طبيعي على نحو غير طبيعي ابتغاء الاستزادة من متع الحياة على نحو غير محدود وكأن بالمتعة معنى الوجود. هذا يلتمسه الإنسان كبديل عن الفرح الذي لا يجده. بالنسبة إليه هذا المسعى بات إيّاه الفرح فيما هو، في العمق، محاولة تتكرّر للهروب من الخوف وتالياً من الحزن الذي يستبدّ بالكيان. لِمَ من الحزن؟ لأنّ الإنسان يموت! الإحساس بالموت يجعل الإنسان في خوف متواتر من الآتي وفي أسًى عميق، تكلّم أو لم يتكلّم. كلّ ما يأتيه الإنسان ردّ فعل لما يستبدّ بكيانه من جهة الخوف والحزن هذين.
المتعة لا تُشبِع لأنّها تنبع من قلق وتصبّ في فراغ. تمدّك بنشوة لا تلبث أن تخبو فتعود إلى طلبها من جديد، بمقادير أكبر وبأشكال أوفر. المتعة استهلاكيّة الطابع. تجعل الإنسان، عمليّاً، آلة استهلاك إلى أن تتعطّل وتتوقّف، نهائيّاً، عن العمل. والنفس لا تشبع. إنسان المتعة واللذّة يتقدّم من جوع إلى جوع أعمق. دوّامة سخيفة! تجعل حياة الإنسان بلا معنى ولا قيمة!
لا كذلك الفرح. الفرح يأتي من روح الربّ. هو ثمر الروح (غلا 5: 22). وهو ربيب المحبّة. محبّة الله، إن استقرّت في القلب، تبعث على الفرح. عمليّاً لا شيء يفرِّح من الموت إلاّ الحياة، والمحبّة قوّة الحياة. المحبّة تذهب بالخوف. بكلام يوحنّا الحبيب: "لا خوف في المحبّة بل المحبّة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لأنّ الخوف له عذاب وأما مَن خاف فلم يتكمّل في المحبّة" (1 يو 4: 18). هذه، إذاً، هي العلامة أنّ المحبّة اكتمل عقدها أنّ الخوف ليس له بعد مطرح فينا. عطيّة الله، على هذا، نختبرها كمفارقات. طالما نحن في الجسد فنحن تحت علامة الموت. موت الجسد لم يُلْغِه يسوع. الموت الذي ألغاه هو الموت الروحي. لما أقام إلى الأبد، وهو الحياة، في بشرتنا، جعل حياته فينا فلم يعد هناك موت أي حرمان من الله. هذا جعل الحياة التي فينا بيسوع مقيمة في الموت في الجسد. لكن حياة الله ابتَلعت الموت الذي ورثناه من آدم وحوّاء. لذا قال الذهبيّ الفم: "لا يخافنّ أحد الموت لأنّ موت المخلّص قد حرّرنا. فإنّه قد أخمد الموت حين قبض الموت عليه" (عظة الفصح). نصرة الحياة على الموت فينا تتمّ وفق مراحل. ثمّة حياة نذوقها منذ الآن ولا تفارقنا من بعد. "مَن كان حيّاً وآمن بي فلن يرَ الموت إلى الأبد". هذه تنمو فينا بالإيمان بيسوع، بالثقة بيسوع، بالتسليم ليسوع، بالتوق، بالشوق، بالوصيّة، بمحبّة الحقّ، بالأمانة. وإلى الحياة هذه التي نذوقها حضوراً لروح الربّ يحدّث عن الكلمة، عن يسوع، يعترينا سلام لا كسلام العالم، سلام من فوق. "سلامي أُعطيكم لا كما يعطيكم العالم". وإلى السلام يكون لنا فرح لا ينزعه أحد منّا. لا السلام ولا الفرح يذهبان بالقلق والحزن في البَشرَة. هذان يبقيان بمقدار وكذلك الخوف. ما للبَشرَة، ما للطبيعة الساقطة لا يزول. يبقى إلى ما شاء الله. طالما كان وجوده نافعاً لانشداد الإنسان صوب ربّه بالإيمان، ثمّ لرسوخ السلام والفرح الإلهيَّين فينا. ما للبَشرَة من أوهان ينفع في اتجاهَين: يحفظ وعي الإنسان لضعفه ويثبِّته، فلا ينسى، كيانيّاً، واقعه أنّه من طين. هذا مهم لاتضاع القلب. لذا ما يعانيه رجل الله يكون مضبوطاً بنعمة الله فلا يزيد عن حدّه لينحفظ الإنسان من اليأس. هذه منفعة أولى لأوهان البَشرَة. في الاتجاه الآخر ينشدّ المؤمن إلى الصلاة. ثمّ الآلام التي يعبر بها، وكذا وجع الجسد، يُخرس لديه، وضعاً، كلَّ هوى، وكلَّ متعة غير موافقة. الأهواء لا تنطفئ واقعاً إلاّ بالحزن والألم والوجع. النفس، إذ ذاك، تتنقّى كما في آتون. على هذا شيء عجيب يحدث. الخوف المضبوط بالإيمان ونعمةِ الله يصير مستقَراً ليقين أكبر، لثقة أعظم بيسوع، لسلام أعمق. والحزن أيضاً يصير مسكناً لفرح يزيد. والآلام تُعين على عافية النفس فتُشفى. الجسد يكون في حركة انحلال والكيان في حركة بنيان. الإنسان، في كلّ ذلك، يجاهد، بدءاً، طلباً لعافية الجسد. ولا غرو فهو بحاجة إلى ما يجاهد من أجله مما يعرف ومما هو ملتصق به أي من أجل ما لجسده. لا يُسلِم الإنسان نفسه بسهولة لله. يبقى لنفسه، أضعف من أن يَخرج من نفسه. لكن حركة موج البحر، من خوف وحزن وألم ووجع إلى سلام وفرح وتسليم، تلك تشدّه إلى هذه وهذه إلى ربّه. في تلك الأثناء يختبر الإنسان ضعفاً يتزايد في البدن وقصوراً وخللاً تدريجيَّين فيدخل وعيَه شعورٌ يعمق بأنّ الجسد، في حاله الراهنة، يصير عبءً. إذ ذاك يدخل المرء، بين الوعي واللاوعي، مرحلة تخطّي الجسد في الحال التي آل إليها. وهكذا بعد أن تكون النعمة قد انبنت فيه وتكثّفت كما بنار يدلف إلى التسليم لله. تنسلخ القشور التي كانت تغطّي جهد الإنسان وجهاده إذ كان يمنّي النفس بما لهذه البَشرَة، ولا يبقى مما بذل غير "الأنا والأنت"، غير الإنسان عارياً في الكيان في محضر الله. "إن احترق عمل أحد فسيخسر وأما هو فسيخلص ولكن كما بنار" (1 كو 3: 15). هكذا تكون النار، أي بلوغ الإنسان ساعة الموت، قد امتحنت عمل كلّ واحد ما هو. بعض الناس يكون قد جمع ذهباً منذ الطفوليّة والشباب، أي أقام في الأمانة لله. هذا عملُه يتنقّى. وثمّة مَن يجمعون خشباً وعشباً وقشاً، أي ما لا ينفع من ترّهات هذا العمر، هؤلاء ترتحل أوهامهم لكنّهم، لمحبة الله، يُعطَون أن يتحرّروا ويقتبلوا النعمة الإلهيّة للخلاص. ذاك يكون التقاطع بين الحزن والفرح. يُدخلنا اللهُ محبّتَه على ذرّة الإيمان فتلقانا أخيراً نقول له: "في يديك أستودع روحي" ويقول هو لنا: "ادخل إلى فرح ربّك!"
الخراف التي تعلَم ما لربّها وتريد، تدخل إلى حظيرة ربّها بسلام وتذوق الفرح باكراً، والخراف التي تعلم وتريد ولا تريد يُدخلها الراعي الصالح إلى الحظيرة عنوة ويذيقها الفرح ولو تأخّرت لأنّه أحبّ هذه وتلك معاً وبذل نفسه عنها. هكذا شاء الربّ أن يخلّص العالم. يبحث الربّ الإله عن أقلّ الأسباب ليخلّص العالمين. بكلمةٍ خلُص لصّ اليمين وبحركة قلب طفيفة يخلُص الأكثرون. من قِبَل الربّ كان ذلك وهو عجيب في أعيننا!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



