5 تموز 2009

"لا تخف أيّها القطيع الصغير"
لو 12: 32

       الإنسان، بعيدًا عن الله، يخاف. لا أمان في النفس ولا طمأنينة ولا استقرار حيث الكيان في غربة عن الله. يوحنّا اتّكأ على صدر يسوع (يو13: 25). وقد تركه يسوع يفعل ذلك. وهو يشاء أن يفعل الكلّ ذلك لأنّه يحبّهم ولأنّه يعرفهم أنّهم كُتَلُ قلق وخوف وجبٌّ من التّساؤلات المُقضّة. على صدرك، يا معلّم، يغفو الطّفل الإنسان كما على صدر أمّه لأنّه يشعر بالأمان. لا حاجة إلى شيء بعدُ ولا مشكلات متى كنّا إليك.الجواب حتّى قبل أن تسأل والسّلام حتّى قبل أن تضطرب نفسُك هو الكلمة. هو الجواب لكلّ سؤال. ليس الجواب فكرة بل حضرة. وهو المشوق إليه الّذي بإزائه لا تشويش يقضّ النّفس. "إن لم تؤمنوا فلا تأمنوا". لم يُطَمْئِن يسوع تلاميذه وحسب. ولا يهدّئ من روعهم بكلامه الواثق فقط. يعطيهم، يبثّ فيهم روح عدم الخوف. يمدّهم بالأمان. يشدّد بالإيمان الرّكب المخلّعة. يمتدّ صوبهم بالسّلام. يستقرّ فيهم بالأمان. يسكن فيهم لأنّه يحبّهم. يجعلهم في سكون عميق. "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش5: 2). أحلّفكنّ يا بنات أورشليم ألاّ تيقظن ولا تنبّهن الحبيب حتّى يشاء" (نش8: 4)!

       "مَن ينقذني من جسد الموت هذا" (رو7: 24)؟ الإنسان كتلة عقد من خوف. كلّ الحضارة في هذا الدّهر ردّ فعل على ما في القلب من أغوار الخوف. السّكون من دون الله موت. لذا يتكلّم الإنسان. ليشعر بأنّه موجود، بأنّه حيّ. يفتعل الحياة. سيرة الإنسان الوهم. "كلّ ما تحت الشّمس باطل". لا يشاء أن يقيم وحيدًا. الوحدة تُدنيه من الموت. لذا يثرثر! يحاول أن يتناسى. الحضارة ثرثرات ملوّنة! ينشغل الإنسان بما أوتي. يتلهّى. كلّ شيء بين يدي الإنسان مادّة لهو. حتّى الخطيئة لهو ومُسكر. يسعى الإنسان، في كلّ آن، لأن يهرب من واقعه الكيانيّ المأسويّ العميق. تمسي الخطيئة حاجة، ضرورة. تُعين على بناء عالم الوهم، على الحياة الواهمة. تَعِدُ، ولو كَذِباً، بما لا يعد به شيء آخر ونصدّقها لنعيش. تعزّي ولو في الباطل. الخاطئ مسكين لأنّه مُقْفَل عليه. "داوني بالتي كانت هي الداء". فلا عَجَب إن رحمه السيّد. ليس إنسان في عمق نفسه عاشق خطيئة. الخطيئة كأس حلوة المذاق، مرّة في الأحشاء تشربها لتنسى. في مقابل خطايا البشريّة بحر من الدموع! يعلم الله أنّ الدافع إلى الخطيئة لدى الخاطئ حزنه العميق أنّه يموت. بعد ذلك لا قبله يأتي الضلال والتضليل. لو كان في القلب سلام عميق ما كان أحدٌ يضلّ. يكون كلّه نوراً ومعرفة. فقط الذين في الظلمة يضلّون. الخطأة هم الذين جاء السيّد من أجلهم وضمّهم إلى صدره.  "ما جئت لأدعو صدّيقين بل خطأة إلى التوبة". "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم".

       "أُريد رحمة لا ذبيحة". كيف لا ترحم الخائف ولو عَنُفَ وحطّم؟ هذا بحاجة إلى صدر يتّكئ عليه. قِبْلتُه صدر يسوع ولمّا يعِ. لذا طبيعي أن تكون الوصيّة: "أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، صلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم". "إغفر لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون". "أحَبَّ خاصته إلى المنتهى". الكلّ خاصته إن استجابوا. "مَن له أذنان للسمع فليسمع".

       ونحن قطيع صغير. صغير لا، بالضرورة، بمعنى أنّه قليل عددنا. هذا كان صحيحاً في أوّل المسيحيّة، وهذا يمكن أن يبقى صحيحاً في أيّ وقت، هنا وثمّة. ولكنْ صغيرٌ، في كلّ حال، بمعنى الضعف بحسب هذا الدهر. الكلّ في الحقيقة ضعيف. ليس لحم ودم قويّاً. وحده الله القويّ "الشداي". ولكنْ هناك ضعيف يُقرّ بضعفه ويقبل به وحتى يفتخر به، على غرار بولس الرسول، وهناك ضعيف يوهم نفسه بأنّه قويّ ويتظاهر بالقوّة ويقيم، في سرّ نفسه، في قلق وخوف وكذب. الأوّل زاهد بمظاهر القوّة والعظمة هنا. القوّة، بشريّاً، لديه، هي قوّة الاقرار بواقعه. مكشوف في ضعفه. يبدو، بشريّاً، سهلاً سَحْقُه. لا السلطة تعنيه ولا يتمنطق بها ليردّ عن نفسه. ولا المال يغويه. يكتفي بقضاء الحاجة. عينه على شيء آخر. رحّالة. "وجهك يا ربّ أنا ألتمس". ومع ذلك تلقاه ينمّ عن أمان. مُطْمَئِن. واثق. في سلام. ينضح نوراً وحياة. ضعيف على قوّة في النفس. غنيّ على فقر ويغني كثيرين. لا موقع له بين المتسلِّطين في هذا الدهر، ومع ذلك يتكلّم بسلطان، ويُصغون إليه كَمَن له سلطان. جذّاب بقوّة غير منظورة رغم كونه لا هيئة له ولا جمال. من أين يستمدد هذه الهالة؟ من فوق! "قوّتي من عند الربّ الذي صنع السماء والأرض". "الربّ يرعاني فلا شيء يعوزني". يستدعي الله، يستنزله بالإقرار بضعفه، بقبول ضعفه، بالتمسّك بضعفه، بجعل نفسه بين يَدَيّ الله. "في يديك أستودع روحي". ثمّة علاقة عكسيّة بين قوّة الله والقوّة التي بحسب هذا الدهر. كلّما كان المؤمن بيسوع ضعيفاً وفق البَشَرَة ولمّا يبالِ، كلّما حلّت عليه قوّة الله. وبالعكس، كلّما استزاد من القوّة والعظمة في هذا الدهر كلّما فرغ من حضرة الله. ليس القطيع الصغير مَن يجعله ربّه عديداً بل مَن يجعله قويّاً. الكنيسة التي الهمُّ فيها المال والسلطة والمؤسّسات هذه قلّما تجد لروح الربّ مطرحاً فيها. يكون مَن فيها ممتلئين من أنفسهم ويستغنون، وجوديّاً، عن الله. فتجد فيها طقوساً ولا تجد صلاة. تجد فيها ترتيباً وألبسة جميلة ومطرّزات ولا تجد حسّاً بالإلهيات. تجد فيها كلاماً منمّقاً ولا تجد الكلمة. كنيسة يغادرها المسيحّ! أَخبَروا عن دير بدأ فقيراً وكانت صلاة رهبانه حارّة. أخذ يغتني وأخذت صلاة الرهبان تفتر فيه. صار له الكثير ولكن سقط رهبانه في التواني وعدم الحسّ. بكى رئيسه وسأل رحمة ربّه. جاءه وحي. قام وأحرق الدير. قالوا: تخلّى الربّ عن الدير، وقال: هذا افتقاد يمين العليّ! الآن بات بإمكاننا أن نبدأ من جديد. عادت الروح إلى الشركة وعاد السهر والصلاة والصوم والدموع ونما الدير غير المنظور على الفقر والعوز والاعتماد على الله نموّاً عظيماً.

       هذا هو الضعيف المستقوي بالله، وغيره ضعيف يستقوي بما لنفسه إيهاماً. ذاك يستعلي في معارج البركات الإلهيّة، وهذا يتقلّب في عثرات أوهان النفس البشريّة. ذاك يمتلئ نوراً وهذا ظلمة. ذاك يسير قدماً في خصب الحياة الإلهيّة وهذا يَضمر بتواتر في عقم الواقع البشري.

       مسكين الإنسان! يخترع الكذب ويصدّقه. يلحس المبرد! يلعق دم نفسه! صعب على الإنسان أن يخرج من دوّامة الوهم والكذب بغير الحسرة والدموع. لا تُسأل في الدينونة كم ساعة صلّيت وكم مطانية صنعت وكم يوماً صمت، هذه بركات ولا شكّ، ولكن ليست هي ما تدان عليه. المعيار كم بكيت على نفسك والناس إذ عاينت ذاتك وسواك في القيود. لا تجد فكاكاً لنفسك بيسر من الخوف والقلق. عندما أُخرجتَ من الفردوس انحللتَ عن ربّك فبتّ طريد الأسى، شريد المسير. أخذت تتلوّى بين أشواك الضياع وتتجرّح نفسُك. خِفْتَ، أُصبت بالذعر، انكببت على أكل لحمك. مصصت إصبعك. اجتررت فكرك. انكفأت على نفسك. شيء فيك تشوّه. دخلتَ في دوّامة. الفساد دفعك إلى الخطيئة والخطيئة إلى الفساد. كلّما نظرتُ إلى نفسي والناس كلّما أيقنتُ أنّه لا إمكان تقويم لاعوجاج البشريّة! لا يصطلح القلب! الحاجة إلى قلب جديد. الإنسان برسم التجلّي والمجد الإلهي أو لا يكون من بعد: "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله". هؤلاء هم المدعوّون إلى فردوس الله، البرص والمشوّهون، الذين يحنّون أحدهم على الآخر ويأخذون كلٌّ بيد الآخر ويريح كلٌّ على صدره الآخر والدمعة تتدحرج من العين ويتبادلون العطف ولهم في قلوبهم أنّة وحسرة ورجاء، وهم نهاد إلى ربّهم، مكسورون. "لا تصرف وجهك عن عبدك فإنّي حزين. أنظر إلى نفسي وخلّصها". هكذا يقفون بالباب ويضمّهم ربّهم إليه. إذا لم يحنّ الفقير على الفقير فلا يدخلون. إما معاً، كقطيع صغير مضروب بالأوجاع، أو نبقى خارجاً. "إن غفرتَ خطيئتهم، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت" (خر 32: 32). ليس أحد منّا خيراً من أحد...

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما