الرعاية وأزمة السلطة!
في الكرسي الأنطاكي، في الوقت الحاضر، مواجهة وأزمة موقف وتبعات مؤلمة قد تلي. هل يُعتبر الأساقفة، ضمن الأبرشيّة التي يرأسها بطريرك أو متروبوليت كوحدة كنسية إدارية، أساقفة على أرض وشعب مؤمن أم أساقفة مساعدون؟
الموقف التراثي، في إطار الكنائسانية (الإكليزيولوجيا) الأرثوذكسية، يجعل الأساقفة، ضمن الأبرشية الواحدة، إخوةً، وملاكَ الأبرشية أولاً بين متساوين، وتالياً رئيساً لمجمع محلّي، تحكمه أصول وقوانين، يضمّ أساقفة تلك الأبرشيّة. هذا يتضمّن أنّ لكلّ منهم أرضاً وشعباً يتولاّه. وليس، في المبدأ، أساقفة إسميّون أو مساعدون تابعون للمتربوليت أو البطريرك.
ولكنْ طرأت ظروف تاريخيّة، في حقبات زمنيّة فائتة، فصلت ما بين بعض الأساقفة وأراضيهم ورعاياهم، كما حصل في الأمبراطوريّة البيزنطيّة، إثر تساقط مناطق منها في أيدي العثمانيّين. وقد كان يؤمَل، يومذاك، أن يعود الأساقفة المبعَدون أو المهاجرون إلى مناطقهم، في البداية، ولكنْ تعقّدت الأمور وساءت الأحوال ووَجد أمثالُ هؤلاء الأساقفة أنفسَهم مبعَدين عن شعوبهم بصورة نهائيّة، أو خَلَت الأسقفيات، التي وُلُّوا عليها أصلاً، من الشعب الأرثوذكسي.
هذا، بمرور الزمن، كرّس عادة سيامة أساقفة إسميِّين كانوا، بدءاً، يتشوَّفون إلى حدوث تغييرات عسكريّة وسياسيّة تعيدهم والوجودَ الأرثوذكسي إلى سابق عهدهم ومناطقهم. وإذ كرّت السنون ولم تجرِ الرياح كما تشتهي السفن تحوّلت الأماني إلى شبه أدب رؤيوي ورسخت عادة اختيارَ الأساقفة الإسميّين، الذين ما لبثوا أن استحالوا مساعدين أو معاونين لبعض ملائكة الأبرشيّات الفعليّة، تابعين للبطريرك. هذا أولد تقليداً طارئاً لا قوام كنائسانيّاً له، ولكنْ صار عرفاً وتكرّس بالممارسة، فيما مالت عندنا الممارسة التراثيّة القديمة، أن يكون كلّ أسقف أسقفاً على أرض وشعب، عمليّاً، إلى الأفول، ومعها انطوت صفحة المجامع المكانيّة ضمن الأبرشيّة الواحدة واكتُفي بالمجامع في مستوى البطريركيّات أو ما يعادلها.
بعض الجهات، اليوم، يتمسّك بالممارسة الطارئة على اللاهوت الكنائساني لأنّها شاعت واتُّبعت سنين طويلة. المؤقّت صار دائماً. والبعض الآخر يتمسّك بالأصول الفكريّة اللاهوتيّة الكنائسانيّة ويأمل بتقويم الانحراف التاريخي الحاصل، في هذا السياق، واستعادة الأسقفيّة بمضمونها التراثي، لا سيما وأنّ الحاجة قائمة، هنا وثمّة، لمزيد من الأساقفة على أرض وشعب، حتى لا نمعن في جعل الأسقفيّة، بعامة، وظيفة إداريّة طقوسيّة بحتة. الأسقف هو الراعي بامتياز ويجب أن يبقى، عمليّاً، كذلك.
بين المطالِبين باتّباع هذا الخطّ الفكري وذاك، اليوم، مواجهة وجدل، لا يبدو أنّه آيل إلى تفاهم سريع في المدى المنظور، ويُخشى أن يُبلِّغ إلى طريق مسدود، ومن ثمّ إلى ما لا تُحمد عقباه.
كيف الخروج من هذا المأزق؟
الجواب ليس سهلاً. ولكنْ إذا كان لنا أن نستعرض أسباب هذه الأزمة فلسنا نجدها كنائسانيّة أو قانونيّة الطابع وحسب بل تاريخيّة ومزاجيّة ونفسانيّة أيضاً. هكذا اعتدنا على مدى أجيال! الذين اعتادوا أحديّة السلطة في أبرشياتهم والتعامل مع الأساقفة الإسميِّين كأشباه شمامسة ليس سهلاً عليهم أن يكون لهم شركاء في السلطة في المدى الحيوي الذي يعملون فيه. لنقلها بصراحة: المشكلة مشكلة صراع على السلطة! قلّة مستعدّة لأن تتنازل عن بعض امتيازاتها! لا الموضوع، في العمق، كما يُطرح، موضوع لاهوتي ولا هو موضوع رعائي. ما يحكم الحجّة العرفيّة أو اللاهوتيّة الكنائسانيّة والقانونيّة، بالدرجة الأولى، هو، في العمق، تمسّك كلٍّ من الأفرقاء المعنيّين بالسلطة التي يحسبها حقّاً متوارثاً له دون سواه. كلٌّ يستدعي هذه الحجّة أو تلك، في الحقيقة، لأنّها تناسبه. لو كنّا لنتمسّك قويماً باللاهوت الكنائساني والقوانين التراثيّة، في الشأن المطروح، لكان علينا أن نجاهر بمواقف غير العديد من المواقف التي نتّخذها ضمناً أو نُسلِّم بها والتي ليست موافقة للأصول.
لنتناول بعض الأمثلة.
موضوع المهاجر، خصوصاً أميركا الشمالية، وهي اليوم، بالنسبة لنا، أساس المشكلة المطروحة وما فجّر الخلاف الفكري الكامن من زمان. ليس وضع أيّ من الكنائس الأرثوذكسيّة، بما فيها الكرسي الأنطاكي، سليماً هناك لا من الناحية الكنائسانيّة ولا من الناحية القانونيّة. بأيّ حقّ نتمسّك بتبعيّة الأبرشيّة الأنطاكيّة في أميركا الشمالية لنا؟ لم تعد تلك الأبرشيّة في طور الإرساليّة. ساعدناها، أوّل نشأتها، ولكنّها الآن ناضجة، وأنضج منّا هنا مرّات في لاهوتها وعلمها وتنظيمها. بأيّ حقّ، بعدُ، يُفترض بها أن تكون تحت وصايتنا؟ ألأن بعض شعبها خرج من عندنا؟ ماذا إذاً؟ أجيال وأجيال نَمَتْ هناك من سنين والشعب في تلك الأصقاع صار أميركيّاً. ألأن هناك تراثاً عاطفيّاً يربطنا بهم ويربطهم بنا، أو لأنّ هناك شبه شعور قومي يشدّنا إليهم ويشدّهم إلينا ينبغي أن يكونوا خاضعين لتركيبتنا الكنسيّة المحليّة؟ هذا لا علاقة له بحال لا بالفكر الكنائساني ولا بالممارسة الكنائسانيّة العريقة التي انحدرت إلينا من الرسل والقدّيسين. من هنا أنّ اللاهوت العملاني، الذي نتعاطاه، في هذا الشأن، معيوب وغير مقبول لو كنّا لنكون منصفين قويمين.
وماذا يقال عن الخلل القانوني الذي نحن غارقون فيه حتى الأذن هناك؟
كلّ الأبرشيّات الأرثوذكسيّة التابعة للكنائس الأمّ في أميركا الشمالية وضعُها غير قانوني. هناك كنيسة أرثوذكسيّة واحدة في تلك الأصقاع وضعها قانوني وسليم: الكنيسة الأرثوذكسيّة الأميركيّة (OCA). هذه وحدها مستقلّة ورأسها منها (Autocephalous). وهي معترف بها (de facto) من الأبرشيات الأرثوذكسيّة الأخرى. اعتراف الأبرشيات التابعة للكنائس الأمّ بها، رسميّاً أو ضمنيّاً، إقرار واضح وصريح بأنّ وضع هذه الأبرشيات غير قانوني وغير سليم. ولو كانت هذه الأبرشيات والكنائس الأمّ التابعة لها لتكون منطقيّة مع نفسها ومنسجمة مع الفكر الكنائساني والقانوني الأرثوذكسي، بمعنى الكلمة، لكانت تنضمّ إلى الـ (OCA)، أو أقلّه تدخل في تفاهم معها، وتنهي أزمة الوجود الأرثوذكسي الشائكة، لاهوتيّاً وقانونيّاً، هناك. الموقف الأبسط والأسلم هو أن ندفع الأرثوذكسيّين في أميركا الشمالية باتجاه بعضهم البعض وأن نشجّعهم على تدبير أمورهم بأنفسهم! نحن وسوانا من الكنائس الأمّ مَن يعقِّد أمورهم!
طبعاً هناك مَن يدّعي أنّ مشكلة المهاجر هي، إلى حدّ بعيد، مشكلة حساسيّات قوميّة. الحساسيّات موجودة ولكنْ لا بالحدّة التي يُظنّ أنّها عليه. ثمّ الكنيسة في الماضي استوعبت الصعوبات القوميّة، كما في القسطنطينية وأنطاكية وسواهما، وهي قادرة أن تستوعبها في كلّ زمان ومكان إذا ما توفّرت استقامة الوجدان الكنسي. أمّا إذا كانت الهواجس القوميّة لتطغى على الهمّ الكنسي، فهذا مُعطى خطير وانحراف بالغ لأنّنا لا نعود، بعدُ، كنيسة ذات إيمان واحد بل جملة قبائل وهذا مبالغ فيه. الحقّ أنّ الكنائس الأمّ تتمسّك بأبرشيّاتها في أميركا الشمالية لأنّها لا تشاء أن تتخلّى عن امتيازاتها ولا عن مصالحها ولا عن سلطتها هناك. موضوع المال يلعب، في هذا الشأن، دوراً مهمّاً وكذلك النفوذ السياسي والكنسي. هذا كلّه لا علاقة له لا بالكنيسة، بالمعنى الصارم للكلمة، ولا بلاهوتها ولا بقوانينها ولا برعاية شعبها ولا بروحانيّتها.
وأعود إلى موضوع الأساقفة فأقول إنّ السبب الكامن وراء الجدل القائم بين الذين يتمسّكون بمفهوم الأساقفة الإسميِّين المساعدين ومفهوم الأساقفة المقامين على شعب وأرض، هو، في الحقيقة، سبب أهوائي. ثمّة صراع على السلطة، بالمعنى الدهري، قائم، والحجج المسوقة ترمي إلى تزكية كلٍّ حقّه في السلطة والسيادة. ولكن لا سلطة عندنا مقبولة بل خدمة مبذولة لكنيسة المسيح وشعب الله . لذا إذا كنّا لنعدل فعلينا، أولاً وأخيراً، أن نقدّم رعاية شعب الله على أنفسنا وعلى كلّ معيار آخر. الصراع على السلطة اليوم قائم بكل أسف على حساب هذه الرعاية! والسؤال الوحيد المشروع والمقبول في هذا السياق هو: ما الأنسب لرعاية المؤمنين الأرثوذكسيّين هنا وثمّة؟ أمّا التعقيدات الحاصلة فمردّها الخلل لا في الفكر المعروض بالضرورة بل في ما يكمن وراءه.
لذا يُرجى أن يكون تعاطي المتروبوليت مع الأساقفة ضمن الأبرشيّة الواحدة، حيثما وُجدوا، لا سيما حاليّاً في أميركا الشمالية ، بالحسنى والمحبّة وتواضع القلب وسعة الصدر أوّلاً. موضوع الأسقفيّة، الذي طالت هُجرته عن الكنائسانيّة الحقّ، لا يُحلّ بإفراغه بعناد من مضمونه الرعائي وتكريس إسميّته ولا بالإصرار، في المقابل، على تطبيق القوانين صنميّاً بل باحتضان المتروبوليت أخويّاً للأساقفة والأساقفة للمتروبوليت وأحدهم للآخر. بالهدوء والرويّة يصير بإمكاننا أن نحلّ قضايانا بتعاون وبساطة وسلاسة وفقاً للأصول، وننهض بشعب الله حقّانيّاً ليتمجّد الله فينا. أسلوب الكسر والإخضاع بالقرارات الفوقيّة والإذلال لا يجدي نفعاً. ينفِّر ويبعث على الشرذمة ويفضي إلى الانقسام! أقول هذا ويُخشى أنّنا في حال دقيقة وخطرة. أرثوذكس أميركا لا يُتَعَامَل معهم بالاعتباطيّة المعهودة في ديارنا هنا! إذا لم نخرج من ذاتيّتنا وكبريائنا ويتبنّى أحدنا الآخر باللطف والرحابة ونقدّم خير الكنيسة ووحدتها والأصول اللاهوتيّة على كل اعتبار شخصي آخر، مهما كان، فإنّ الأسوأ آت!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



