ابتسامة من الأبديّة!
السيّد، على الصليب، عندنا، تعاينه، أحياناً، مفتوح العينين، وأحياناً مغمض العينين. في كلّ حال، تلقاه في سلام وصحو داخلي عميقَين. لا تشنّج ولا تمزّق ولا مأساة. كأنّه نائمٌ نوماً هادئاً هانئاً، أو صاحٍ صحواً كاملاً، أو، للمفارقة، نائماً نوماً صاحياً. على نقاوة طفليّة. بتسليم كلّي. كأنّه في حضن أبيه. وقد يزداد المشهد غرابة إذ تلمح في محيّاه ابتسامة خفيفة ثبتت تنقل إليك شيئاً من أبديّة حالة من الفرح الهادئ العميق تتخطّى صورة الموت التي تطالعك فيه وتسمو على كلّ لون من ألوان مباهج الحياة الدنيا التي عرفتها في ذاتك أو في سواك. شيء يأتي من الأزليّة إلى الزائلات عابراً إلى الأبديّة. موت السيّد، في كلّ هذا، إقرار واقع، ولكن مخصِب، بالحضرة من فوق، نابضٍ بالحياة. يحدِّث عن القيامة في كلّ حال. لا تنقل لك إيقونةُ الصليب فكرة بل لاهوتاً. "المسيح معنا وفيما بيننا. كان وكائن ويكون". فلاهوت السيّد هو السيّد إيّاه تعرفه في الجسد كمطرح لتجلّي ابن الله. غير المنظور يأتيك في المنظور ككلمة له. الحيّ الدائم يأتيك في المائت. والجسد، إلينا، صار، بالتجسّد، لغة بها يخاطبنا الله بابنه (عب 1: 2) الحبيب. إذاً ليس اللاهوت في منظورنا تجريداً عن الله بل الله عينه متلبِّساً داخليّاً بالجسد، ممدوداً صوبنا في كلمات. والكلمات هي ما يمتّ بصلة إلى كلّ ما له علاقة بالجسد والأرض والخليقة سوى الخطيئة.
قد يُخيَّل إليك، في كلّ ذلك، أنّك تتعاطى المقولات أو الخيالات. والواقع، الجديد تماماً، أنّك بإزاء حالة روحيّة حقيقيّة جداً تُطلّ عليك من خلال مِسحة الموت. الموت يطالعك حيّاً. لا تدري كيف! هذه ليست من خبرة الناس. ينتابك، فقط، شعور قويّ أنّك بإزاء ما للبشرة، موتاً، يتجلّى بما هو من خارج البشرة حياةً. فكأنّك بالأبديّة، من جرّاء الخبرة الجديدة، وقد اعتادت عِشرة الجسد وهو، بعد، حيّ، فلمّا حضره الموت ثبتت الأبديّة فيه واستبانت في محيّاه، على نحو يثير العَجَب، كمثل ما ينشف الجصّ في القالب متّخذاً كلّ معالمه. هكذا يأخذ الجسد في الموت، في الواقع الجديد، كلّ معالم النعمة الإلهيّة والحياة الأبديّة فترسخ فيه. الجسد، إذ ذاك، انحلّ أو لم ينحلّ، يكون جملة خلايا من نور ولو لم ندرِ!
في الثلاثين من حزيران الفائت 2009 م، رقد بالربّ الأب الشيخ يوسف فاتوبيذي الصغير، الابن الروحيّ للأب الشيخ يوسف الهدوئي الكبير، المتوفّى في 15 آب 1959 م. بلغ الثمانينات. له سيرة عطرة مبارَكة. أُخذت له، إثر وفاته، صورة تحاكي بعض إيقونات السيّد مصلوباً. إذ تمعن النظر في وجهه تحتار كيف تعبِّر عمّا أنت بإزائه. يستبين لك، في اللحم والدم، لاهوتُ الوجه السيّدي ولا أبهى ولا أبلغ. إذاً، ليس الكلام في هذا الشأن لغواً، كما قد يظنّ البعض، بل تعبيرٌ عن الواقع الجديد الصائر بالتجسّد الإلهي.
في زمن العقلنة الراهن صعب عليك أن تعرف، وجوديّاً وخبريّاً، الرابط بين اللاهوت والروحانيّة، أو بين الروحانيّة والجسد. كلّما أمعنتَ في مقاربتك العقلانيّة للإلهيّات كلّما استبانت الروحانيّة لناظريك كاقتحام ما ورائي للخليقة والإنسان، وتعذّر عليك أن تتخطّى النظرة إلى الجسد كلحم ودم. التجسّد، وتالياً الكنيسة، أي الخليقة الإلهيّة البشريّة الجديدة، صعبٌ، لا بل مُحالٌ عليك، أن تجعله في فئة فكريّة خاصة. العقلنة تعاطٍ بشري لما في الخليقة، أمّا التجسّد فواقع إلهي بشري لخليقة جديدة. أنّى للعقل أن يدرك ما لا يقع في نطاقه؟ لا تُعرف الإلهيّات ولا الروحيّات ولا علاقة الإنسان بها إلاّ بروح الربّ. لذا إن لم يصر الإنسان جاهلاً من جهة ما للبشرة، أي إن لم يقرّ بأنّه لا يعرف، فإنّه لا يصير حكيماً ولا يؤتيه ربُّه المعرفة الحقّ. "لا يخدعنّ أحد نفسه. إن كان أحد يظنّ أنّه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلاً لكي يصير حكيماً. لأنّ حكمة هذا العالم جهالة عند الله" (1 كو 3: 18 – 19). فإن عرفتَ أيقنتَ أنّ اللاهوت لديك هو روح الربّ فيك وأنّ الروحانيّة هي مسرى الروح في البشرة وأنّ الجسد هو هيكل روح الربّ. إذاً، من بعد التجسّد، نحن لا نتعاطى الخليقة العتيقة كخليقة ترابيّة مستأسرة للموت، بل نتعاطاها كخليقة تروحنت فباتت ترابيّتُها موطناً للنور والموتُ فيها مصدراً للحياة. لذا كانت العقلنة، كنهج ومقاربة للإلهيّات، تنكُّراً لها ولكلّ ما يمتّ إلى روح الربّ بصلة. تقف العقلنة، في اللاهوت، عند حدود التنظير، فتُجهض الحياة الجديدة المبثوثة بالروح وتُبقي الإنسان، في المدى الأخير، أسيرَ الموت. ليس الإنسان بحاجة إلى فكر بشري جديد – لا جديد تحت الشمس – بل إلى روح جديد. "الروح هو الذي يحيي. أمّا الجسد فلا ينفع شيئاً". إذا كان بولس الرسول قد تكلّم على فكر المسيح فلأنّه كان قد أطاح الإنسانَ الطبيعي، في مشروع الخلاص، وزكّى الروحيّ. دونك قوله: "ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنّه عنده جهالة. ولا يقدر أن يعرفه لأنّه إنما يُحكَم فيه روحيّاً. وأمّا الروحيّ فيحكم في كلّ شيء وهو لا يُحكَم فيه من أحد. لأنّه مَن عرف فكر الربّ فيعلِّمه. وأمّا نحن فلنا فكر المسيح" (1 كو 2: 14 – 16).
الموت في الجسد للإنسان الروحيّ، إذاً، هو مصدر حياة لا تنضب. المفاهيم، وفق الواقع الجديد المعطى في كنيسة المسيح، تغيّرت وتبدّلت. الحياة، في الخليقة العتيقة، تُتعاطى كحياة مائتة، فيما الموت في الخليقة الجديدة يُتعاطى كموت محيٍ. في المسيح، كلّ شيء يصير جديداً. كلّ ما هو ههنا يصير حمّالةً لما هو هناك. في كلّ عتيق نساهم النعمة جديدةً كلّ يوم.
وبالعودة إلى وجه الشيخ يوسف فاتوبيذي الصغير الآتي من وجه السيّد المصلوب، يصير بديهيّاً أن ينضح وجهُه الميت بالحياة وأن تبدو سيماؤه كالطفل، وعيناه على وشك أن تنفتحا وفاه أن ينطق بالإلهيّات لأنّ "الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك" (رو 10: 8).
تلك كانت ابتسامتَه الآتيةَ من الدهر الآتي والآخذةَ إيّانا إلى هناك! "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكلّ قد صار جديداً" (2 كو 5: 17). الآتي أَحْضَرَه، أمساً، السيّدُ بالروح والحقّ. ومن الجديد الذي فينا، اليوم، نمتدّ إلى الأبديّة!
فالسبح لله، في قدّيسيه، دائماً.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



