العنف إن حكى!
في العالم خراف وذئاب. يسوع حَمَل الله. والذين ليسوع يرسلهم إلى العالم كحملان بين ذئاب (لو 10: 3). الذين لله حملان والذين للعالم ذئاب. إذاً ليست الذئبيّة من الله بل الخرافيّة. إذا كان عنوان الذئبيّة العنف والعداء والفتك فعنوان الخرافيّة الوداعة والمحبّة والسلام. الذئبيّة إفناء والخرافيّة بناء. لذا في الكتاب المقدّس تحذير وحثّ: تحذير من أن ينهش ويأكل الناس بعضهم بعضاً لئلا يُفنوا بعضهم بعضاً (غلا 5: 15)، وحثّ لأن يخدموا بالمحبّة بعضهم بعضاً (غلا 5: 13).
لا مبرِّر للذئبيّة عند الله تحت أيّ ظرف. الذئبيّة شرّ. "ومَن يصنع الشرّ لم يُبصر الله" (3 يو 11). "مشيئة الله أن تفعلوا الخير" (1 بط 2: 15). لا يُغلَب الشرّ بالشرّ بل بالخير (رو 12: 21). "وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا" (1 يو 5: 4). الغلبة هي الثقة بما يقوله الله والثبات فيه. أما القتلة وكلّ مَن يصنع كذباً فسيبقون خارج المدينة السماويّة (رؤ 22: 14 – 15).
العنف، بحسب هذا الدهر، يبذر الموت. لذلك لا يمكنك أن تلجأ إلى العنف لتخدم الحقّ. بالعنف تقتل الحقّ ولا تخدمه. مهما كان الإنسان سالكاً في الباطل، ومهما كان موقفه وسلوكه سيِّئين، يبقى وجود الإنسان حقّاً وله حقّ في الوجود والمحبوبيّة. من أجل الخاطئ مات المسيح لا من أجل البارّ لأنّه ليس بارّ ولا واحد. ليس غرضٌ مهما بدا صالحاً يبرِّر العنف الذئبيّ. إذا كنت في الحقّ ونظرتَ الحقَّ مهتوكاً فلا تستسلم للذئبيّة بحجّة استعادة الحقّ لأنّك إن فعلت انقلبت باطلاً ولو باسم الحقّ. لذا كان الحقّ، في هذا الدهر، مصلوباً أبداً وكذا الساعي إليه. الحقّ حَمَل يُضحَّى به أبداً في هذا الدهر وهو وحده الضحيّة المقبولة لدى الله. فكلّ مَن رغب في الثبات في الحقّ كان عليه أن يسلك كحَمَل ذبيح. الغلبة عند الله غير الغلبة في هذا الدهر. الغلبة، في هذا الدهر، هي أن تتسلّط وتقمَع وتقهر وتُهلك، وهذه من الشرّير، فيما الغلبة، عند الله، هي حفظ الأمانة لله والمحبّة للأعداء. الغلبة هنا، هي أن تحقِّق مكاسب ترابيّة. والغلبة هناك، هي أن تنال البَرَكة السماويّة. إن لم تكن ملكوتي النزعة، إن لم تكن إنسان روح، إن لم تُقم في السرّ الإلهي بالإيمان بالربّ يسوع فلا يمكنك لا أن تفهم ولا أن تغلب ولا أن تتبارَك. تبقى أسير الموت وأنت واهمٌ أنّك حيّ! إذا لم يكن ما هو هناك حيّاً فيك هنا وفاعلاً فلن ترى للإلهيّات قيمة سوى اللامعنى. تستقرّ في هذا الدهر وأمور هذا الدهر ويستقرّ فيك منطق هذا الدهر. تحسب أنّه فقط ما هو هنا نصيبك ولا شيء سواه! تكون جاهلاً غبيّاً وتحسب نفسك فَطِناً حكيماً! "يا جاهل الليلة تُطلَب نفسُك منك فهذه التي أعددتها لمَن تكون؟"
ولكن لا تظنّ أنّ بإمكانك أن تقتني الموقف الإلهي، موقف الحقّ والوداعة والمحبّة والسلام، إذا لم تكن على عنف داخلي كبير. ولا تحسب أنّ الذئبيّة وحدها عنيفة المسرى، الخرافيّة، أيضاً، عنيفة وهي الأعنف لأنّها الأقوى وتكسر شوكة الذئبيّة في قوّة التصميم. مَن الأقوى الجلاّد الذي قطع رأس الشهيد أم الشهيد الذي ثبت على الإيمان بيسوع حتّى النهاية؟ أن تهتاج نفسك وأن تحتشد فيك ذئبيّة القلب ولا تنفجر ولا تستسلم بل تمسك نفسك وتتماسك مستعيناً بربِّك لتسلك في الوداعة، هذا، أيضاً، يحتاج إلى عنف عنيف من جانبك. أجل، هناك عنف للخير وعنف للشرّ: هناك عنف الأهواء المتفجِّرة في نفسك، وهناك عنف تقمع به عنف الأهواء إلى أن يعتريك السكون والوداعة والسلام والمحبّة بروح ربّك. هناك عنف ناشئ من الطبيعة الساقطة في الموت وهناك عنف آت من إرادة الحقّ والحياة في المسيح. المعركة الكبرى، في الحقيقة، ليست بين إنسان وإنسان أو جماعة وجماعة. ليس إنسان صالحاً وآخر غير صالح إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله. المعركة الكبرى، في الوجود، المعركة الكيانيّة الحقيقيّة، هي بين الإنسان ونفسه. كلّ الناس، بلا استثناء، على معطوبيّة من جهة العنف والخطيئة والأهواء. لذلك تَصَادُم البشريّة لا شيء يبرِّره وهو إمعانٌ في لحس المبرد، وإسهام في إهلاك البشريّة، لا سعي إلى إصلاحها. لا يُصلَح العالم باقتلاع مَن نحسبهم أشراراً بل بالتصدّي لأهواء النفس والجسد في كلّ منّا. فقط إذا وعى الإنسان أنّ عدوَّه الحقيقيّ نفسُه والشرّيرُ وتصدّى لأهوائه ومَن وراءها بكلّ عزم وثبات، اصطلح واستقامت علاقته بالآخر والكون. كلّما عنُف الإنسان في علاقته بنفسه كلّما تأنسن ولَطُفَ في علاقته بالناس. وكلّما كفر بعشقه لذاته كلّما كانت محبّته للآخرين أصيلة. كذلك كلّما قسا الإنسان على نفسه وضبطها كلّما مال إلى رحمة الآخرين وبكى عليهم. عُنْفُ الحقّ هو الأعنف لأنّه من التوحّد في الحقّ حتى إحقاق الحقّ. هذه سيرة المؤمنين. هذا جهاد القدّيسين. هذه قوّتهم النازلة من فوق كتلةً متراصةً تسحق الباطل. ليس أعنف في الدنيا من القدّيسين! غير أنّ هؤلاء عنفُهم نقيّ، عنفهم مبارَك، عنفهم إلهي، ولأجل المفارقة عنف وديع. لذلك عنفهم يبني ويصون ويحفظ ولا يهدم أحداً بل الباطل. وهؤلاء هم أعمدة الخليقة: القدّيسون! بهم، وبهم وحدهم، سرّياً، يثبت العالم ويستمر! القدّيس هو الإنسان المتألّه المساهم في الخَلْق، لأنّه صامد في الحقّ ولأنّه يحبّ ولأنّه من الله يأتي وفي الله يقيم.
على أنّ الخراف، في هذا العالم، مصيرها الذبح. الحياة الإلهيّة هنا تأتي مغلّفة بالموت لأنّ الناس، بالسقوط، أحبّوا الظلمة. صاروا يحسبون النور الإلهيّ ظلمة وظلمة هذا الدهر نوراً. الحقّ هنا لا صورة له ولا جمال في العيون! لذا كان عنوانُ هذا الدهر الظلم والحقُّ مضطهَداً. رغم ذلك العداء الشيطاني للحقّ الخراف باقية ولا تفنى. الحقّ لا يموت لأنّ الروح القدس ضمانته ويسوع راعيهُ. كلّ مَن شهد للحقّ ومات كان حيّاً عند ربّه وأقلق، إلى ذلك، العالم ورمّم النفوس الناهدة إلى الحقّ. أحيى الضمير بتواتر وأبقى شعلة الحقّ وضّاءة ولو اشتدّت العتمات. تَسيَّد على قلوب الكثيرين لأنّها، أساساً، من معدن الحقّ. القلب على الحقّ مفطور ولو ملأ الباطلُ الدنيا زعيقاً وعنفاً. لا أعنف ولا ألطف، بإزاء كيانات الناس، في آن، من وداعة القدّيسين. لذا كان القدّيسون، على نحو خفي، حكّام الأرض وأصحاب الحقّ فيها لأنّ لهم، بنشر الحقّ وإثباته، سطوة على قلوب كثيرة. "طوبى للودعاء لأنّهم يرثون الأرض". الظالمون يحكمون في الظاهر والغلبة والبقاء لمَن يشهدون للحقّ. الظلم في القلوب واقع ممجوج ولو رضخ له الناس، والحقّ حركة محمودة ولو قمعه الظالمون. إذا كان الظلم يحكم فباسم الحقّ شكلاً، أما الحقّ فيحكم على الظلم فعلاً. إذا كان دأب الظلم ضَرْبَ الحقّ فالحقّ دائماً يقلّب الناس على الظلم والظالمين. الظلم في توتّر مبين ولا يستكين لأنّ الحقّ يوجع الأكباد بتواتر مهما تصحّرت. الحقّ صرخة لا تُخرسها قوةّ في العالم وأنّة لا تهمد إلى أن تندكّ هياكل الظالمين الواحدة تلو الأخرى. إذا كانت حركة هذا الدهر من الظلم إلى الظلم فالمحرِّك في النفوس هو هاجس الحقّ ولو شكلاً، ولو مبتوراً. وراء الظلم، دائماً، توق ولو ذبيح، إلى الحقّ. لا تستسيغ النفسُ الباطلَ ولو اسماً ومع ذلك تسلك فيه، واأسفاه، عن خدعة من الكذّاب والأهواء. هكذا تتقلّب النفس من ظلم إلى ظلم، ومن عنف إلى عنف ولكن، ويا للمفارقة، التماساً للحقّ! لأنّ النفس تستسلم للخوف تَظلم! لأنّها تستسلم للخوف تعنُف! وتبقى كذلك متقلّبة في الضنك، ساعية، من حيث تدري ولا تدري، إلى سلام المسيح، إلى أن تقيم فيها وداعة المسيح أو لا تستريح! فقط في المسيح تتحرَّر النفس من الخوف، تتحرَّر من العنف، تتحرَّر من الظلم، تتحرَّر من الموت إذ يقيم فيها روح الحياة ويستقيم فيها القلب! لهذا يسمح الربّ الإله بالظلم لأنّ الظلم، رغم مظهره الظافر، جحيمٌ للظالمين ولا راحة فيه تُرتجى. يُتعِب ويُضني ويؤدِّب العديدين ويصلح الكثيرين ولو كان ثمّة مَن لا يتأدّبون ولا يصطلحون. أكبر مؤدِّب للإنسان خطيئتُه وأقسى عصا للقساة عنفُهم. ما برأ الربّ الإله النفس لتكون إلى الخطيئة ولا إلى الذئبيّة. لا يرتاح القلب إلى الباطل ولو ضلّله الشيطان بل إلى الحقّ لأنّ في الحقّ المحبّة، وبالمحبّة الإلهيّة وحدها كانت الخليقة! في نهاية المطاف، بضلالات الشيطان، يأتيك الخلاص بالله عن غير قصد من الشيطان! هذه حكمة الله في هذا الدهر وهذا تدبيرُه! بالصليب أتى الفرح إلى كلّ العالم! مآل الخليقة الأولى، عبر المعاناة، أن تتجدّد ولكنْ بالقيامة! هذا مسارنا وهذه غلبتنا!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



