30 آب 2009

المسيحيّون في لبنان
إلى أين؟

       المسيحيّون في لبنان، ولنقلها بصراحة ومن دون عِقَد، يواجهون، اليوم، أزمة مصير. المسيحيّة السياسيّة، بين العشرينات من القرن العشرين والعام 2009، تراجعت باطّراد، خصوصاً بعد حرب 1975 – 1990، وضعفت إلى أن تحوّل الزعماء المسيحيّون السياسيّون، على الساحة اللبنانيّة، اليوم، إلى لاعبين في الموقع الثالث والرابع، أو حتّى الرابع والخامس، من حيث إنّ السّنّة والشيعة احتلّوا الموقعَين الأوّل والثاني، ومن حيث إنّ الدروز نجحوا، باتّباع نهج التماسك الطائفي، في لعب دور أكبر من حجمهم، أي ما يمكن اعتبارُه دوراً في الموقع الثالث. طبعاً، ممّا يجعل المسيحيّة السياسيّة، اليوم، أقلّ تأثيراً في مجريات أمور البلد التضعضع، في الصف المسيحيّ، وتقديم المصالح الخاصة الضيّقة على العامة، والتبعيّة المغلّفة للآخرين تحت عنوان الشراكة، والصراعات الإلغائيّة والإستئثاريّة بالسّاحة المسيحيّة، وغياب الرؤية المسيحيّة الطائفيّة المشتركة حتّى لا نتكلّم على الرؤية الكنسيّة المسيحيّة التي لا فكرة لدى معظم السياسيّين المسيحيِّين عنها. وطبعاً، أيضاً، منطق المواطنيّة اللاطائفيّة المشتهاة، من أصحاب الفكر المستنير، في خِضَم التأجّج الطائفي والأصولي، الإسلامي بخاصة، والمسيحيّ أيضاً، أدنى، في الاعتبار، إلى حلم إبليس بالجنّة. أما اعتماد رؤية المساواة اللاعدديّة، بين الأكثريات والأقلّيات الطائفيّة، على أساس اعتبار التمايز والتكامل الحضاريَّين، فأرقى، وتالياً أبعد منالاً من أن يُترجَم، راهناً، إلى واقع فذّ في بلد مُغرَق، عن وعي وعن غير وعي، عن إرادة وعن غير إرادة من أبنائه، باعتبار التيّارات الفاعلة فيه، في حساسيّات وصراعات طائفيّة عميقة كالتي نعاني. الأصوات المسموعة من حين إلى آخر، والمتبقّية، على هذا الصعيد، تبدو كأنّها صارخة في البرّيّة. صيغة المناصفة، المسيحيّة الإسلاميّة، تبدو، في خلفيّة المياه الطائفيّة الجوفيّة الراهنة، غير واقعيّة على نحو متزايد وتتآكل، وليس ما يضمن، في خضمّ الجاري، استمرارها طويلاً، حتّى على صعيد حقائب الدرجة الأولى. أمّا مركز رئاسة الجمهوريّة فبعدما خسر الكثير من مضمونه وصلاحيّاته، خاصة بعد الطائف، فإنّ المسيحيّة السياسيّة لا يمكنها أن تطمح، في أحسن الحالات، في المستقبل الآتي، إلى أكثر من رئاسة على نحو مَلكيّة ملكة بريطانيا. هذا إذا لم تُستَبَح رئاسة الجمهوريّة للطوائف غير المسيحيّة أيضاً، باعتماد أسلوب التناوب بدءاً ومن ثمّ حقّ الأكثريّة في السدّة الأولى. بكلام آخر، المسيحيّة السياسيّة، في إطار التمخّض الحاصل على الساحتَين الإقليميّة والمحليّة، بخاصة، تُخرَج من اللعبة، وتسير بخطى ثابتة نحو الإفلاس كقوّة نافذة. ما تتمتّع به، بعدُ، من امتيازات بات أدنى إلى الصدقة يتصدّق بها الآخرون عليها. المسيحيّة السياسيّة دخلت، الآن، مرحلة الأكل من الفتات. استعادة امتيازات الأيّام الخوالي غير واردة، عمليّاً، إلاّ عند الأحلاميّين الذين يسوِّقون، لأغراض رخيصة، شعارات خاوية بشأن ما تخطّاه الزمن. وما بقي للمسيحيّة السياسيّة، اليوم، تخسره باطّراد، ولا يلوح في الأفق ما يمكن أن يوقف حركة التدهور الحاصل لها.

       ما يحدث وما يحسّ المسيحيّون السياسيّون بأنّه آتٍ يسبِّب لهم إحباطاً عميقاً ويدفعهم إلى اعتبار أنّه لا مستقبل لهم، بعدُ، في هذا البلد. هذا يجعلهم في وضع عدم استقرار متواتر ويشدّ الكثيرين منهم إلى الرحيل، كأنّ البلد لم يعد بلدَهم كما كان، وكأنّهم، من جديد، في ذمّة المسلمين، لا شركاء وإيّاهم في صناعة صيغة حضاريّة ثقافيّة فذّة في البلد، لاحت في الأفق لمّا انبلج فجر لبنان الكبير، واستبانت معالم الوطن الحلم في الاستقلال.

       الذين لا يقيمون وزناً للوجود المسيحيّ، من المسيحيّين، إلاّ من خلال المسيحيّة السياسيّة، في لبنان، هؤلاء يجدون أنفسهم، بلا شكّ، في حيرة من أمرهم واضطراب وسأم. حلمهم في وطن مسيحيّ أو في وطن علمانيّ أو في وطن يتلاقى فيه الإسلام والمسيحيّة، والمسلمون والمسيحيّون، والحضارتان الإسلاميّة والمسيحيّة، على نحو تفاعلي حواري إيجابي، هذا ضاع في متّاهات التمنيّات والباطنيّة المعمَّمة الراسخة في طائفيّة تاريخيّة ذات جذور عميقة في مشروع الوطن الصغير. غير أنّ المسيحيّة السياسيّة ليست الرؤية الوحيدة ولا الأصيلة للوجود المسيحيّ في هذه البقعة من الأرض أو في سواها من أرجاء المعمورة. ليس المسيحيّون، في الحقيقة، ولا يجوز اعتبارهم، إيمانيّاً، شعباً كسائر الشعوب، ولا هم أمّة ذات هيكليّة أمميّة ليستمددوا قيمتهم ورفعتهم من وزنهم السياسي. كلّ الكيانات المسيحيّة السياسيّة، التي قامت في الشرق والغرب، منذ القرن الرابع الميلادي إلى اليوم، كلّها انتهت إلى فشل، وكلّها أساءت إلى المسيحيّين وإلى  الشهادة المسيحيّة في العالم أكثر بكثير ممّا خدمتها. غير صحيح أنّ المسيحيّين أمّة من أمم الأرض ذات ديانة خاصة بهم. المسيحيّون أمّة ملوك وكهنة (رؤ 1: 6). وجودهم نبويّ تخميري ولا وجود لهم في ذاتهم. "أنتم ملح الأرض. أنتم نور العالم". هم في العالم ولكنّهم ليسوا منه. يأتون من روح الله، من مسيح الربّ، من فوق أو هم عدم. وجدانهم أخيري أسخاتولوجي لا دهري. "ليست لنا ههنا مدينة باقية بل نطلب الآتية" (عب 13: 14). "أنتم لستم من العالم، بل أنا اخترتكم من العالم" (يو 15: 19). ساعة يصيرون كغيرهم من شعوب الأرض، فكراً ووجداناً وسيرة، يفقدون هويّتهم كمسيحيِّين ومعنى وجودهم، وتقوى عليهم الأمم الأخرى عاجلاً أم آجلاً، لأنّ الربّ الإله اختارهم، أساساً، من بين الضعفاء لا من بين الأقوياء. لم يسمح لهم أن يكونوا أقوياء بحسب هذا الدهر. بل جعل نفسَه قوّتَهم لا بمعنى القوّة الدهريّة بل بمعنى القوّة المحبّيّة السلاميّة المخلّصة من الخطيئة والموت، بالكلمة الإلهيّة والنعمة، لحياة أبديّة. فإن هم فقدوا قوّة الروح الفاعل فيهم وسكنى الله أضحوا أوهى شعوب الأرض. "قوّتي من عند الربّ الذي صنع السماء والأرض". كلّ شعوب الأرض يصطنع لنفسه آلهة تنصره على أعدائه ويقدّس القتال، إلاّ المسيحيّون، إلههم ينصرهم على أنفسهم وأهوائهم ليكونوا نوراً إلهيّاً لاستعلان الأمم. شعوب الأرض فخرُها في ذئبيّتها، وفخر المسيحيّين، تراثيّاً، في خِرافيّتهم. شهداء شعوب الأرض يَقتلون ولو بذلوا أنفسهم من أجل أممهم ودياناتهم، وشهداء المسيحيِّين يمدّون موت معلّمهم عن العالم في أجسادهم ولا يمدّون أيديهم إلى المآثم. كلّ شهادة غير هذه للمسيحيِّين زور وتزوير! فكيف لأمثال هؤلاء أن يتسيّدوا على الناس ويعنفوا بعنف الناس؟ "مَن يأخذ بالسيف بالسيف يؤخذ. رُدّ سيفك إلى غمده" (مت 26: 52)! لم تكن مشيئة الله في أيّام صموئيل النبيّ أن يكون لشعبه ملكٌ كما لأمم الأرض. أراد أن يكون وحده لهم الملك (1 صم 12: 12). ومع ذلك تنازل وسمح لهم بأن يكونوا كشعوب الأرض لقساوة قلوبهم. يسمح الربّ الإله، أحياناً، بما لا يُرضيه، كما في حكم الطلاق (مت 19: 8)، ولكنْ ما يأتيه المسيحيّون، عن قسوة قلب، يستبين تأديباً كبيراً لهم وفخّاً. التأديب الكبير لإسرائيل القديم كان سبيَهم إلى بابل، على آلام وذلٍّ لا يُستهان به، وتأديبنا، اليوم، أنّنا نتحوّل إلى شعب مهجَّر، مهاجر، أو إلى شعب بلا أرض حتّى على أرضه. نفرِّط بأعظم مقوِّم من مقوِّمات الانتماء: الأرض! والفخّ أنّ أكثر إسرائيل استُعبد للأمم وعَبَد أوثان الأمم وقلّةٌ ارعوت وتابت إلى ربّها، والفخّ، اليوم، أنّنا بتنا دهريّين، شكليّين في عباداتنا، ندين بقيم هذا الدهر العبثيّة ولا ندين بالإنجيل، بل نستخفّ به ونسخر منه، إلاّ قلّة عزيزة. قوّة المسيحيِّين في إيمانهم وحفظهم لوصايا إلههم، لا في عضلاتهم ولا في عقولهم. فقط إذا حفظوا الأمانة، يتسلّطون على الأمم بالحقّ والحبّ واللطف، ويجعل الربُّ الإله مهابته فيهم فترهبهم شعوب الأرض ولا تقوى عليهم ويزدهرون على نحو عجيب. ضعفاء وهم الأقوى، فقراء وهم الأغنى! هذه حكمة الله لهم، لخلاصهم والأمم، ليكونوا بينهم أمّة ملوك (رؤ 1: 6) تسود على قلوب الناس للخلاص. بهذا يؤدّي المسيحيّون الشهادة الحقّ ويحكمون بالحكمة ويرثون الأرض أو يُمسُون كتلة دهريّة تافهة بين التافهين! "من قِبَل الربّ كان هذا وهو عجيب في أعيننا"! إذاً، المسيحيّون يعودون إلى الإنجيل ويتأدّبون ويقوَون أو يكونون مأكلاً للأمم!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما