لا تقتل لا تزنِ
لا تسرق!
الوصيّة شجرة حياة. لذا لكلّ من هذه الوصايا الثلاث: "لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق..." جذع وجذر. الجذع هو ما بان والجذر هو ما خفي. الجذع هو المنظور والجذر هو غير المنظور. في زمن موسى الاهتمام كان بالجذع. في زمن الربّ يسوع الاهتمام صار بالجذر. في العهد القديم طغت على الوجدان المحسوسات. وفي العهد الجديد انتقل قطب الوجدان إلى الروحيّات. بات القول إنّ "الجسد لا ينفع شيئاً. الروح هو الذي يحيي" (يو 6: 63). سابقاً، ختانة الجسد اللحمي كانت المعيار. لاحقاً ختانة القلب بالروح صارت هي المعيار. المسار الأوّل كان إعداداً للمسار الأخير. "لقد كان الناموس مؤدّبنا إلى المسيح. فلمّا جاء المسيح لم نعد، بعد، تحت مؤدِّب" (غلا 3: 25). لا يُشْفَى الإنسان إذا ظهرت أعماله حسنة بل إذا استقام قلبه. حتّى منذ القديم كان النداء: "أعطني قلبك يا بنيّ" (أم 27: 26)، "قلباً نقيّاً اخلق فيّ يا الله" (مز 50). فلمّا كلّمنا الربّ الإله، أخيراً، بابنه، صار القول: "طوبى لأنقياء القلوب فإنّهم يعاينون الله" (مت 5: 8). على هذا باتت للوصايا الأولى: "لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق..."، في ملء الزمان، أبعاد جديدة. كنّا، بدءاً، نهتمّ بها من جهة السلوك، فصرنا، أخيراً، نهتمّ بها من جهة ما في القلب. الجذوع ومن ثمّ الجذور.
لا تقتل!
لا تقتل، في أوّل الأمر، كان معناها لا تحرمْ أحداً حياته في الجسد. فلمّا تجسّد ابن الله صارت الوصيّة عينُها ألاّ يَحرِم أحدٌ أحداً الحياة في الروح. هذا معناه أن تتّخذه، أن تلتزمه، ألاّ تستهين به، ألاّ تلغيه، ألاّ تستعمله كأنّه آلة، ألاّ تستغلّه. معناه، في العمق، أن تودّه كنفسك لأنّه من الإله الذي أنت منه. فإن ألغيته قتلته في قلبك. اعتبرتَه كأنّه غير موجود. تنكّرت له بصفته خِلقة الله. الله أوجده وأنت تبيده. هذا، عمليّاً، أفظع من القتل الجسدي، لأنّ التصفية الجسديّة يمكن أن تكون عن خوف أو دفاعاً عن النفس أو عن غير عمد. إذا قتلت، في الجسد، إنساناً فأنت قتلت إنساناً واحداً، أمّا إذا ألغيت من نفسك إنساناً واحداً فقد ألغيت في نفسك كلّ الجنس البشري. الموقف الفيزيائي محدود بحدود المادة، أمّا الموقف الروحي فلا حدود له. إذا مَلَك فيك روح الإلغاء بات كلّ أحد في دنياك برسم الإلغاء. أنت، إذ ذاك، المعيار: مزاجك، أنانيّتك، كبرياؤك، عبادتُك لذاتك. الله، عينه، يُمسي خارج الصورة. بموقفك تُلغيه وتصطنع لذاتك إلهاً مِسخاً على صورتك. إذا قتلتَ في الجسد فقد تتوب ويسامحك ربّك لأنّك كنتَ ضالاً فوُجدتَ. أمّا إذا قتلت في الروح فسيكون صعباً جداً عليك أن تتوب وتحظى بالمسامحة. على أنّه وإن كان هذا غير مستطاع عند الناس، فإنّ كلّ شيء مستطاع عند الله. إمّا أن تجتهد لتحبّ قريبك كلّ يوم كنفسك وإمّا أن تتعاطاه كلّ يوم قتلاً. "مَن ليس معي فهو عليّ. ومَن لا يجمع معي فهو يفرِّق" (مت 12: 30). "كلّ مَن يُبغض أخاه فهو قاتل نفس" (1 يو 3: 15)!
لا تَزْنِ!
أن تزني، بالمعنى المتداول، قديماً وحديثاً أيضاً، هو أن تخون زوجك. هذا يضرب الأمانة ويغتال الحبّ ويفكّ الرباط أن الإثنين يصيران جسداً واحداً. الجسد الواحد، هنا، هو ما جمعه الله، رجلاً وامرأة، وجعله جسداً روحيّاً واحداً. بشريّاً ليس في طاقة اثنين أن يصيرا واحداً. فقط يأتيان بقصد واحد كامل لا شائبة فيه على نحو "أحبَّ قريبك كنفسك"، ولكنْ من حيث إنّ الرجل، كيانيّاً، يكتمل بالمرأة والمرأة، كيانيّاً، تكتمل بالرجل. هذا معبَّر عنه بالقول إنّ المرأة من الرجل (سِفر التكوين) والرجل بالمرأة (الرسول بولس). بالتوق الكياني الواحد والقصد الواحد يتقدّم الرجل والمرأة من الله فيُسبغ الربّ الإله نعمته عليهما ويجعلهما بالروح واحداً فيثمران كواحد، أو مشروع هذه الوحدة يلغيه الزنا. إذاً وإن يكن للزنا تعبير جسداني ويُدخل، في الصورة، وضعاً قانونيّاً ناشذاً، فإنّ الزنا ينبع من خلل في القصد، في القلب، من فساد كياني، ويكرّس فرقة في العمق بين المرأة والرجل، وتالياً بين هذا أو تلك، من ناحية، والجنس البشري من ناحية أخرى. الرجل للمرأة، والعكس بالعكس، هو الآخر الأكثر محسوسيّة، وتالياً الصورة الأكثر واقعيّة للجنس البشري والمدخل والمفتاح للعلاقة به، سليمة أو فاسدة. مشروع الزواج، أي مشروع الحبّ بين الرجل والمرأة هو المدرسة التي يتمرّس فيها كلاهما على اتّخاذ البشريّة برمّتها بالحبّ من الحبّ الإلهي لها. لأنّ الله محبّة ثالوثيّة فإنّه أحبّ البشريّة كخاصةٍ له، كزوجة، كتجسيد محبّة، كذلك الرجل والمرأة، بالحبّ الجامع بينهما إلى واحد، يَدخلان والبشريّةَ جمعاء في زيجة بشريّة روحيّة إذ يصيران كلاهما، متّحدَين ومجتمعَين، واحداً، جسداً روحيّاً واحداً والبشريّة. إذاً كلّ فكرِ قلب يؤثّر، كلّ حركة نفس، كل نأمة حسّ. ما يجعلك تَحيد عن شريكك إلى سواه، في النيّة، في القصد، في الكيان يجعلك مُعتَوَراً بروح الزنا ولا يتركك، إذا استبدّ بك، إلاّ جيفة. "مَن تطلّع إلى امرأة ليشتهيها فقد زنا بها في قلبه". إذا كان الحبّ حركة القلب إلى الحبيب فالزنا حركة القلب عن الحبيب. ساعة تحيد عن وجهِ مَن التزمتَ ذات مرّة ينتفي الجسد الروحاني لديك ليحلّ محلّه جسد لحمي وتغورَ النفسُ المتروحنة فيك لتُمسي نفساً جسدانيّة لحميّة شيطانيّة. ليس الزنا، في العمق، إذاً، أن تعرف جسداً آخر وحسب بل بالأحرى أن تعرف، أن تحيد، أن تستحلي وجهاً آخر. ما هو غير منظور، إن تعوكر، هو الأخطر لأنّ العفّة، والعفّة وحدها، هي مركبة إيليا الناريّة إلى وجه ربّك في وجه شريكك الذي وددتَ والبشريّةَ من خلاله. مَن التزمتَ، إذاً، هو صليب حياة ربِّك إليك يأتيك بالفرح، وعبرك، بعبق الفرح إلى كلّ العالم، أو تستقرّ في الظلمة إلى الدهر وحيداً!
لا تسرق!
لا تسرق أي لا تختلس ما ليس لك. ليست السرقة، في العمق، أن تأخذ شيئاً لسواك، عنوةً أو في غفلة عنه وحسب، بل عدم الأمانة الكاملة غير المنقوصة له ولِما له. تكون أميناً له أمانتك لنفسك أو تُمسي سارقاً. "أحافظٌ أنا لأخي؟" طبعاً! أنا حافظ له ولما له! لا إيمان من دون أمانة ولا أمان من دون إيمان ولا سلام! لو كنتَ موظفاً عند أحد فقد صرت مؤتمَناً على كل ما لَه في وظيفتك. الصحيفة التي تقرأها خلسة أثناء عملك، أو الثرثرة التي تستغرق فيها مع أحد الموظّفين، أو المكالمة الهاتفيّة في غير ما للوظيفة، كلّ هذه وما شاكلها تجعلك سارقاً. أنت لا تأخذ إلاّ ما يُعطى لك، وما لا يُعطَى لك حقُّ التصرّف به تحفظه بأمانة لأخيك كَمِنَ الله، تحرص عليه كأنّه لك، أو تكون سارقاً. جيّد أن تَحسب أنّ ما حُسِبتَ مؤتمَناً عليه تتعاطاه كأنّه لربّك. موقفك تستمدده من فوق وما تُؤتَمن عليه تؤتمن عليه كعلى ما يأتيك من فوق. في كلّ حال، لا تبقَ في حدود البشرة في تعاملك والناس! ذهنك ينبغي أن يأتي من فوق ويتّجه إلى فوق. "المسيح معنا وفيما بيننا. كان وكائن ويكون".
كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم" (مت 7: 12). من هنا تنطلق، لئلا توجد في محاولة يائسة لاختلاس ما لربّك لأنّه ليس أحدٌ يقدر أن يختطف من يد الله شيئاً. مَن تسرقه يجعلك في موقع السارق تجاه ربّك لأنّه علامة حضوره إليك ورسول لك منه. ليس أحدٌ قائماً في ذاته بل كلّ أحد من الله أو إليه. لذلك ما تفعله بأخيك تفعله بربّك. إذا كان الإيمان والأمانة يدنيانك من ربّك فالكفر بما له وإساءة الأمانة إليه لديك يقصيانك عنه.
في كلّ حال القتل قفا المحبّة وكذا الزنا والسرقة. بالوصايا: لا تقتل! لا تزنِ! لا تسرق!... تتمرّس في محبّة القريب كنفسك. وبمحبّة القريب كنفسك تمسي مهيّئاً، بنعمة من فوق، لأن تدخل في محبّة ربّك من كلّ قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك. الكلّ، في كلّ حال، بالنعمة صائر. المهم أن تندرج في النعمة بالوصيّة حتّى تقتادك النعمة إلى حضرة ربّك في النور!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



