13 أيلول 2009

أبو طارق (الياس متري)
الشهيد الحيّ!

                "مررت بالبحر فاهتاجت لرؤيته
                                                عواطفي وبكت عيني على الأثر
                فقلت للبحر أَرجِع مَن ذهبتَ بها
                                                وخلَّفَتني أليف الوجد والسهر
                فودّعَتْتي وقالت في ملاطفة
                                                إنّ السفينة قد همّت على السفر
                يا ناصحي بجميل الصبر معذرةً
                                                صبرت يا صاح حتى عزّ مصطبري
                إما رجوع حبيبي بعد غيبتِه
                                                إلى الديار وإما ظلمة الحُفَر"

       هكذا غنّى سيّد درويش وهكذا تردّد الوجد في صدر صاحبي سنين طوالاً حتى لفّته "ظلمةُ الحُفَر". صوته كان مخنوقاً، أبداً، بالدمعة الداخليّة حتّى سكت الصوت في آذاننا واستقرّ، أخيراً، في قلب الله.

       كان كلام الحبّ ينعش قلبه ويملأه حيويّة. ليس غير الحبّ في قاموسه يبقى. كلّ شيء عابر. وحده الحبّ يقيم في الأرض ويُحيي. الحبّ، بدءاً، لديه، كان امرأة، ثمّ أضحى غنوة فحلماً فدمعة فنكهة فحنيناً أخيراً إلى وجه السيّد. يبدأ الحبّ لحماً ودماً وينتهي روحاً!

       عرفتُه ما يدنو من الثلاثين والخمسة الأعوام. لم آته مرّة لأغادره بلا قبس من لواعج القلب. كان دائماً على كلمة يبثّها في سامعه إن وُدَّ لو يسمع. نيِّراً في الفكر، دافئاً في القلب، حاضراً إليك إن جالستَه. اعتاد السماع. أسماعه كانت أضعاف ما للعاديّين من الناس. لماذا؟ لأنّه فقد البصر إثر حادث مفجع فصار ينظر بأذنيه، خارجاً وداخلاً. صار كلّه عيناً، كلّه حسّاً. مرّسه الألم في الانتظار ولمّا ييأس. كان يأبى أن ييأس. كان على أنفةٍ قلّ مثيلها. مجّ الشفقة! وكان يصارع ليبدو إليك قويّاً حتّى تكاد أن تنسى أنّك بإزاء رجل أعمى. جبّاراً مدّ نفسه إلى محدّثيه على قلب ولا أرقّ بلا أدنى ميوعة! كان بحاجة إلى المودّات الأصيلة ينتظرها. وحدها كانت تعزياته. وكان، أيضاً، يتعزّى بخدمة يؤدّيها عبر مشوراته النيِّرة وبعض معارف الأيّام الخوالي. لكنّهم كانوا يأتون ويرتحلون. يتركونه وحيداً! يتعبون وما يتعب شعورُه بالعزلة التي لازمته كظلّه وتغلغلت في عروقه. نَسَّكه ربُّه بالوحدة نسكاً شديداً. فقط الذين يشاؤهم كباراً هكذا يعاملهم! كان، بدءاً، ينشدّ إلى الناس ويقيم في الانتظار. وإذ رأى الأكثرين ينشدّون عنه إلى شؤونهم، أخذه، أخيراً، اليأس منهم. شاءه ربّه أن يشدّه إليه، أوّلاً وأخيراً، في كرّ وفرّ، لكنّه بقي، طويلاً، حصاناً جامحاً، لا يستكين، من حين لآخر، إلاّ في أويقات يجالس فيها السيّد، في الكنيسة أو في غرفته ليبثّه حرقته: "لا تُذلَّني، يا معلّم، أكثر من ذلك!" ويبكي!

       لم يكن يصلّي بانتظام، لكنّه ما عرف وجه السيّد شكلاً بل روحاً. كان، متى صلّى، يطفر بالكليّة من نفسه إليه. صلاة أفرام السرياني في التوبة كانت ترعبه: "أيّها الربّ وسيّد حياتي، أعتقني من روح البطالة والفضول وحبّ الرئاسة والكلام البطّال. وأنعم عليّ، أنا عبدك الخاطئ بروح العفّة واتّضاع الفكر والصبر والمحبّة. نعم، يا ملكي وإلهي، هَبْ لي أن أعرف ذنوبي وعيوبي وأن لا أدين إخوتي فإنّك مبارَك إلى الأبد، آمين". كان هذا الكلام يَخِزُه في أعماقه ويَلقى نفسَه أبداً دونه أو خِلواً منه. يصارعه قليلاً ثمّ ينصرف عنه وكأنّه ليس أهلاً له. كانت الصلاة، في وجدانه، مسرى مخيفاً وخطيراً!

       في جهاده والعمى، ما يقرب من الخمسين عاماً، كان أبو طارق يتعاطى ربّه والصلاة على نحو غير عادي. صلواته كانت طفرات كيانيّة، كما تعاطى ربّه على أشدّ ما تكون القربى، ولو في تقطّع، لأنّه كان أبداً منه وإليه بقوّة العزلة التي لم تترك له فرصة ليرتاح لا في ليل ولا في نهار، لا بين الناس ولا في غربة عنهم. شيء فيه كان ينقص بتواتر وشيء آخر كان يزيد. جُعل، وَضْعاً، خاضعاً لآلية بشريّة روحيّة شدّته، قليلاً قليلاً، إلى فوق بزهد كان، بدءاً، مفروضاً عليه بألم كبير، ولم يخفّف بعضَ وطأته غيرُ قراءة الأناجيل، لا سيّما يوحنّا، بحرف "بريل"، وإلى ذلك الكأس والسيجارة وسيّد درويش وقدامى الأغنيات العربيّة لا سيّما أم كلثوم، إلى أن أخذ يُسِلم نفسه إلى الزهد الكامل طوعاً، ولم يعد له، أخيراً، غير السيّد عشيراً بعدما تبدّدت التعزيات الدنيا لديه.

       قبل رحيله بوقت قصير صار إلى هناك في الوجدان لكنّه كان يخشى العبور ويضطرب وهو الذي كان في النفس، جبّار بأس. طلب غير مرّة أن يعترف بخطاياه وكان يساهم القدسات. الكثير من أَنَفتِه، بقوّة الأيّام، صار إلى الوراء وأسلم نفسه. أطلعني، ذات مرّة، أنّه كان في غرفته وإذا بحضور قويّ يجتاحه. أحسّ بأن آخر حاضرٌ لديه وأخذته غبطة لم يشعر بمثلها في حياته. قلت في نفسي: ها قد همّت السفينة على السفر!

       مذ ذاك أخذت قواه البدنيّة تغادره. آخر مرّة زرناه كان إلينا يَضْعُف. ذهنه بات في غير مكان. لم يكن، بعد، كلام نتعاطاه إلاّ العاديات. الكلام استُنفد! دخل أبو طارق الصمت ولو رمانا ببضع كلمات لطفاً. أخيراً، وكأنّه تعب، كيانيّاً، من حضور بات، في أعماقه، غريباً عنه، وقف وانسحب عنّا، نحن الذين أحبّنا وأحببناه بصدق، بلا حاجة إلى كياسة واستئذان وهو اللطيف المهذَّبُ أبداً. خرج إلى غرفته. وبعد حين خرج إلى ربّه.

       بوركت يا أبا طارق، يا الياس متري! ولو نسيك الأكثرون وباتوا إليك بلا إحساس بكَ فإنّ قلوباً عديدة لامست كيانك وأَكبرتْ! لم تعد في الانتظار المضني لأنّك بتّ في حضن الحبيب، في النور. ألا كان الله معك وزادك! لا تنسنا في خلوتك إلى ربّك! سامحنا! لم نكن في قامة آلامك! مَن يقدر أن يكون على قامة معاناة البشريّة غيرُ السيّد؟!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما