27 أيلول 2009

الوقت منذ الآن مُقصَّر!

       هذا جزء من قول تلفَّظ به الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، في معرض كلامه على الزواج وبعامة القول: "أيّها الإخوة الوقت منذ الآن مُقصَّر لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم... والذين يستعملون هذا العالم كأنّهم لا يستعملونه" (1 كو 7: 29 – 31). ليس في نيّتي أن أطرح للبحث موضوع الزواج بل موضوع الوقت، كيف يَقصر أو يَطول؟ الوقت زمان محدّد خاضع للقياس وذو معيار ثابت إلى حدّ بعيد جدّاً. هكذا تُتعاطى ساعة غرينوتش في لندن بامتياز كقياس. قبل ذلك يُسأَل: ما الوقت؟ في معجم بريتانيكا الوقت هو "الفكرة العامة أو العلاقة أو الواقع الخاص بالوجود المتواتر أو المتتابع، أو هو الزمن اللانهائي أو قياسه". إذاً نحن لا نتعاطى شيئاً متغيِّراً في ذاته بل ثابت. فكيف يقصر أو يطول؟ هو لا يَقصر أو يَطول، في الحقيقة، في ذاته بل في خبرة الناس. ولكن ما الذي يجعله يَطول أو يَقصر في خبرة الناس؟ أوّلاً ثمّة مُفاعل يؤثّر: ما إذا كنتَ تعمل أو كنتَ بطّالاً. إذا كنت تعمل يكون الوقت في خبرتك أقصر. أما إذا كنت عاطلاً عن العمل فالوقت يكون أطول. ثمّ إذا كثرت أعمالُك تجدك في حاجة إلى المزيد من الوقت، وتجد، تالياً، الوقت المتاح لك غير كاف، ومن ثمَّ قصيراً، مع أنّ الساعات التي بين يديك باقية هي إيّاها. فيما إذا قلّت أعمالك فإنّ الوقت تختبره ثقيلاً مديداً. إذاً البِطالة تُطيل الوقت. كثرة العمل أو قلّته تؤثّران، على هذا، في خبرتك للوقت.

       عامل ثان له تأثيره: تبنّيك للعمل. إذا كنتَ تشعر بالرغبة في العمل فالوقت يمرّ بسرعة. وإذا كنت تعمل ولا تشعر بالرضى عمّا تعمل فإنّ الوقت يطول والعمل يثقل.

       ثمّ هناك عامل ثالث: السرعة! إذا عملت بسرعة فكأنّك لتربح وقتاً. ينتابك شعور بأنّ الوقت بين يديك قليل. وإذا عملت ببطء فالوقت لديك يطول. عمليّاً تستعجل لتقصِّر الوقت!

       في الواقع إذ تجدك كثير الاهتمامات، تعمل بسرعة لتنجز أكثر. هذه تعتبرها فعالية وتسعى إليها ابتغاء الترقّي. لكن أكثر الاهتمامات، واقعيّة، لا سيما اليوم، خاوية مصطنعة لا قيمة لها ولا ضرورة ولا هي من صلب الحياة. أمران، والحال هذه، يترافقان: العمل يزيد والوقت يقصر. والنتيجة تكون التعب، والتعب النفسي أوّلاً. الناس، اليوم، مستمرّون بالمسكّنات! هذا لأنّ للإنسان إيقاعاً نفسيّاً وجسديّاً. التعب الجسدي له حدّ تعرفه بالخبرة وتلتزمه. هذا ينعكس في نفسك راحة متى لزم الحدّ. أما التعب النفسي فيضنيك لأنّه يأتي من همّ ولا حاجة، ويلقيك في القلق، محرِّكاً فيك ومهيِّجاً أهواء سمجة. الوقت، في هذا السياق، يُتعب سواء عملت أو لم تعمل. لماذا؟ لأنّك تحشوه بما لا ينفع، بما لا يشبع الكيان. وإذ تجعله، متى تيسّر، فرصة للراحة، للاسترخاء الجسدي، للتسلية (for fun)، يستحيل فرصة لإزكاء أهواء النفس، للشراهة، لترفيه الجسد، للخمول... على هذا النحو تجد الإنسان أبداً يحتاج لمزيد من الوقت ليرتاح. ليس وقتٌ كافياً له، ومتى توفّر، من جديد، أساء استعماله فلمّا يَجْنِ منه غير التعب لا الراحة. ثمّ يطلب المزيد، والمزيد من الوقت يُتعبه أكثر. على هذا النحو، تجري الأيّام وكأنّ الوقت فيها غير كاف لا للعمل ولا للراحة سواء بسواء. تَكُرُّ الأيّام بسرعة. يختبر المرء أمراً فينقضي بسرعة كأنّه لم يكن. ولا يَشْبَع! يتوق إلى واقع مفرح يدوم ولا يجد. يبقى التعب في نفسه أكبر من أن يذهب به الوقت. يقع المرء في دوّامة. كلّما سنحت له فرصة ليرتاح ويفرح قتلها. لا يذوق من الوقت إلاّ متعاً عابرة كأنّها لم تكن ويؤخذ بحركة آلية تُفقده ما هو إنسانيّ فيه فيتردّد بين التعب والعابرات. يمضي في استهلاك نفسه وقواه في كلّ حال ويقذفه التعب إلى التسليات الفارغة، والتسليات الفارغة إلى الفراغ الكياني والفراغ الكياني إلى التعب النفسي. هكذا يَلقى نفسَه أسيرَ وقت كأنّه مريض، يعبر كالطيف ولا يترك في ذاته طعماً لفرح أو لملء حقيقي. وتمرّ الأيّام سريعة وينقضي العمر ولا يشعر المرء، في عمق كيانه، أنّه استهلَّ، بعدُ، سيرة ذات معنى. هكذا يختبر انقضاء العمر وكأنّه لم يبدأ، إلى أن يدلف إلى شعور عميق، في كيانه، أنّه بعدَ حياة لا معنى لها آيلٌ إلى موت لا معنى له.

       في هذا الإطار، لا شكّ أنّ تطوير الآلة وزيادة سرعة الانتاج وشغف الاستهلاك قد غيَّر نمط الحياة وجعل للوقت نكهة أخرى. لقد باتت للإنسان طاقات أكبر ولا شكّ، ومع ذلك يطلب المزيد كمَن أدمن الانتاج. لم يعد شيء يشبعه! اعتوره اللامعنى! الإنجاز الكبير لديه أن ينجز الكثير. حلقة مفرغة! الحركة للحركة! ماذا ينتفع غير التعب؟ صار آلة استهلاك بلا مرمى إنسانيّ واضح. القنية صارت هدفاً وأفق حياة. القيمة الإنسانيّة، ناهيك عن الإلهيّة، لما بين يديه، تتبدّد. يستقرّ في العبث! لم يعد لشيء طعم لديه! زقّ يمتلئ ويفرغ! الحشو وانعدام الطعم الكياني للوجود بات سيرة حياة. الوقت، والحال هذه، يعكس حالة وجود يموت. هل جعلت الحداثةُ الإنسان أسعد؟ كلاّ، بل أشقى! لذا أضحى الوقت خاوياً، بلا طعم. تحقّق القول: "الذين يبكون كأنّهم لا يبكون والذين يفرحون كأنّهم لا يفرحون والذين يشترون كأنّهم لا يملكون". أمام انزلاق الوقت في اللامعنى تزول هيئة هذا العالم بسرعة!

       لم يُخلَق الإنسان للهمّ بل للفرح. ولا مصيره استهلاك الأرض ونفسِه. الخَلقُ حديقة غنّاء للفرح يأخذ منها قدر حاجته والباقي أزاهير للمسرّة. فلسفة الاستهلاك كأساس لإحقاق الإنسان إنسانيّته هرطقة وجود. ليس هو كائناً مستهلِكاً بل كائن مسبِّح لله في الخليقة وفي تجاوزها إلى وجهه الأسنى. ليس الوقتُ معطًى ليستنفد الإنسان الأرض بل ليذوق الأبديّة في حضرة الله في الخليقة كلّ يوم. الوقت مؤشّر ومدخل إلى الأبديّة، نقيم فيه لنمتدّ إليها. خِصْبُ الوقت من خصب كلمة الله في الأكباد وإلاّ كان عقيماً. الوقت، في أفق الإنسان، إذا أقفل الإنسان على نفسه وقواه وطاقاته يقصر ليمسي وجوداً عدميّاً بلا معنى، فيما إذا انفتح على ربّه والخليقة واحتضنها بالحبّ، يطول ليمسي، كلّ لحظة فيه، وجوداً خصيباً ممتلئاً معنًى ويصبّ في الأبديّة.

       أمّا بعد فلا شيء مضيءٌ هنا في ذاته. في البدء كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة (تك 1: 2). النور يأتي من فوق، من عند أبي الأنوار، من كلمة الله. من الأبديّة يُلتمَس معنى الوقت. إذ ذاك تنتظم الخليقة. الوقت هنا، في ذاته، موت ومؤشّر موت، والعمر قصير إلى أن تنزل علينا نعمة الحياة وتنبثّ فينا أبديّة الكلمة!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما