18 تشرين الأول 2009

المسنّون!

       ليس مَن يدري ما يجري في نفس المسنّ غير المسنّ. يجالس واقعه وحيداً ليل نهار. يترجّح بين المأساة الشخصيّة والخدَر. المستقبل الذي يتوق إليه الأكثرون بات لديه إلى الوراء. أمامه المجهول المعلوم. ينتظر الموت والموت ينتظره. يتسلّى ببعض ذكريات هنا وثمّة. ليس، بالضرورة، مريضاً، ومع ذلك كلّ عضو فيه مرتهن للوهن. كيفما استدار ألفى نفسه مدفوعاً دفعاً إلى مصير محتوم. بشريّاً، أشرف على نهاية رحلة العمر. لا يصدِّق أنّ السنين مرّت كذا بسرعة. يشعر، في قرارة نفسه، كأنّه لم يبدأ بعد، كما لو كان ما فات بعضَ تهيئة. لم يعد عالمه بحاجة عمليّة إليه. غادره الآخرون، في أعماقهم، بصورة تلقائيّة. يلاطفونه، إذا أحسنوا، ويمدّون له يد العون تحبّباً وردّاً لجميلِ بذلٍ أدّاه. ومع ذلك ينصرفون عنه أو يشتهون إلى شؤونهم الخاصة. في قرارة نفوسهم يَلقونه ثقيلاً عليهم ويشعر هو بالثقل، إذا كان حسّاساً، لأنّه واجدٌ نفسه حِمْلاً عليهم. قد لا يتبرّمون منه بشكل صريح. يبذلون جهداً ليكونوا إليه لطفاء. لكنّه يحسّ، ولو لم يقولوا له، أنّ المشتهى، في أعماقهم، هو أن يُسرع الخطى إلى هناك. نفسه ثابتة حيث كانت بالأمس، ولكنْ، لا شيء، بعدُ، يطاوعه. كلّه مقيمٌ في الخوَر. نظرة الآخرين إليه تغيّرت وكذا نظرته إلى الآخرين.

       ما قيمة الشيخوخة؟ حيثما كان المرء، في الأذهان، مساوياً لما يعمل فلا قيمة لشيخ أو تكاد. كمسرى بشريّ دهري لا قيمة تُرتجى لشيخوخة تحطّ رحالها، تدريجاً، في حياة امرء. رغم ذلك، الشيخوخة حلاوة قلب، لمَن هدأ عن توتّراتِ شبابيّةِ النفس والجسد. الشيخوخة نضج داخلي جميل لمَن لم يسترسل في الأهواء السمجة. تأتي بالإنسان إلى الاكتمال. تعطيه فرصة حقيقيّة للاتّضاع. الشعور بالوهن مُعين على واقعيّة المسرى. الصحّة، لا شكّ، عطيّة وبَرَكة، لكنّها، في آن، في وضع السقوط البشريّ، دافع إلى الغرور والاستكبار ومشجِّع على الانغماس في ما يليق وما لا يليق. فإن اعتورت الصحّةَ أوجاعٌ صغيرة أو كبيرة أو بات المرء من الصحّة على شفا القصور ارتحل الكثير من المغامرة لديه. مال إلى هدأة وسكون داخلي جميلَين.

       والشيخوخة، لمَن نَموا إلى عمر سويّ، إحساس لطيف سامٍ بأوهان البشريّة وتعاطفٌ مع الذين يعانون وتوحّدٌ بآلام الناس. لذا كان الشيخ، في وجدان الأقدمين، قرينَ الحكمة والبَرَكة. الناس، اليوم، كلٌّ إلى نفسه، قلّما يخرج من حدود فردانيّته، لذا يَسِمُون الشيخوخة، بالأكثر، باللامعنى، ويحكمون على المسنّ بالنّفي إلى مأوى. هذا مهما جمّلوه وجهّزوه فلا يعدو كونه مقبرة قبل القبر. لِمَ؟ لأنّ النزعة عند الأكثرين هي إلى التخلّص من المسنّ بطريقة حضاريّة تُخدّر ضميراً طلَّق البذل والبَرَكة. والموقف، في الأكباد، هو اجتناب ثقل وإزعاج المسنّين ما أمكن. كلّ ذلك يعيه المسنّ في حسّه بمثابة حكم إعدام. يفصلونه عن دنياه التي أَلِفَ سنين طويلة ويقطعونه، بالأحرى، من قلوبهم. والمسنّ، في هذا وذاك، يستعطي الحنان لأنّه يعي أنّه محكوم عليه بالقسوة وقلّما يجد مَن يبالي بما يجول في داخله ولو أحاطوه بعناية ماديّة وطبّيّة وتسلويّة مرموقة. كيف لا وقد أُسلم للموت قبل الموت واعتبروه لا ينفع وبات عبءً!

       وإلى الحكمة والبَرَكة المكنونتَين في ضلوع المسنّ، ينتصب، كيانيّاً، ولو تفكّكت أوصاله أو كادت، صرْحاً لواقع البشريّة الحاملة كنوزاً في آنية خزفيّة. إيّاه نلتمس، لو كنّا ندري، علامة للنضج الكبير في ترابيّة محتومة، صورة لما قد يأتي علينا. ومنه نستمدد طفولة رقراقة من فضائلَ استوطنت فيه بعدما انعجن بالتجارب والجهادات سنين طوالاً. لا يأتي الإنسان فقط من حشا الأمّ طفلاً، يأتي من حشا الكلمة النازلة من فوق والتجارب والآلام أيضاً. الطفولة الأولى إلى الثانية سائرة، والأخيرة تدوم لأنّ كلّ مقوِّمات الحياة والخصب كامنة فيها إلى الأبد.

       للمسنّ، دائماً، كلمة يقولها، بالفم، إن تيسّر، وبالكيان في كلّ حال. المسنّ يصير، في الحقيقة، كلمة. لذا يطالعنا، أبداً، كالآتي من البرّيّة لأنّ الوجود شاء له أن يستوطنها عنوة. وإن تكن الصحراء علامة الموت فهي علامة الحياة أوّلاً. لا أَحبَّ على قلب الله من خروج المرء، كيانيّاً، إلى الصحراء، لأنّه هناك يودّ أن يخاطبه، كما خاطب موسى بمعزل عن الناس وما للناس. هناك تطيب رعاية النفس على المودّات الإلهيّة. لذا كان المسنّ، طبيعيّاً، مَن أتت به الأيّام إلى العبادة الحلال المشبَعة بالزهد التلقائي.

       حدّث بكلام ربِّك تلقَ كيان المسنّ مفتوحاً لكلّ كلمة، إن أتى إلى الشيخوخة بلا عِقَد. قالها أستاذي، ذات مرّة، الرؤية الإنسانيّة مسنٌّ لا شاب. صورة عن تلك الرؤية عاينها يوماً في مسنّ ومسنّة جلسا جنباً إلى جنب في حديقة باريسيّة عامة. لم يعد كلام بينهما. الكلام انتهى. الحياة الدنيا أضحت إلى الوراء. كانت الشمس إلى المغيب وكانا، واليد باليد، إلى هناك في صمت ولا أبلغ. حين تأتي البشريّة إلى مغيبها والعين إلى المدى، إذ ذاك يكتمل مشروع الإنسان، كما في قلب الله. إذ ذاك يكون لسان حال البشريّة: "تكلّم يا ربّ، فإنّ عبدك يسمع". قبل ذلك، قبل الشيخوخة الحقّ، لا يسمع الإنسانُ غيرَ صوت نفسه. إلى أن يأتي إلى هناك، يكون إلى نفسه، فمتى حلّت الساعة يصير إلى ربّه. "وجهك يا ربّ أنا ألتمس". ساعتذاك يحقّ القول لديه: "الآن أَطلق عبدك أيّها السيّد فإنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته أمام كلّ الشعوب...".

       الشيخوخة الحقّ هي الطاعة الكاملة بالآمين لله بالروح والحقّ... تسليمٌ فسلام... "في يديك أستودع روحي".

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما