1 تشرين الثاني 2009

في حقيقة الزّواج الكنسيّ!

       أكثر النّاس يخلط ما بين الزّواج الكنسيّ والزّواج الطائفيّ. حتّى ضمن الجماعة الأرثوذكسيّة، بين الأرثوذكس أنفسهم، علينا أن ندرك أنّ الزّواج الكنسيّ شيء والزّواج الطائفيّ شيء آخر. الزّواج الطائفيّ، في العمق، هو زواج بشريّ مكرّس بطقس مستمدد من التراث الكنسيّ. بضعة مفاهيم، هنا، بحاجة إلى توضيح. أوّلاً الطائفة، أرثوذكسيّاً، هي كتلة بشريّة تضمّ مَن يُقال عنهم إنّهم أرثوذكس بِغَض النظر عمّا إذا كان انتماؤهم إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة فعليّاً أو إسميّاً. التصوّر هنا، هو أنّ طائفة الروم الأرثوذكس فئة اجتماعيّة، شبه قبليّة، تُنسَب إلى شعارات أو عقائد دينيّة محدّدة ورئاسات خاصة بها دون أن يَنتسب أبناؤها واقعاً، بالضرورة، عن وعي وعن إرادة، إلى مضمون هذه العقائد. ثانياً الطقوس هي جملة الكلام والحركات والأصوات التي تتعاطى معاني كنسيّة معيّنة. هذه الطقوس قد تكون حاملة للنعمة الإلهيّة وقد لا تكون. الأمر متعلّق لا بالأداء الطقوسيّ وحسب بل بإيمان ذوي العلاقة أيضاً. خطأٌ التصوّر أنّ الطقوس تبثّ النعمة الإلهيّة من ذاتها. هذا سِحْر ولا سِحْر عندنا! كذلك خطأ التصوّر أنّ مَن يُجرَى لهما الطقسُ الكنسيّ للزّواج يأخذان نعمة إلهيّة بصورة تلقائيّة. هذا غير صحيح! ما يأخذانه رهن بإيمانهما أو بعدم إيمانهما أوّلاً. إذا كانا مؤمنَين فإنّهما يأخذان بَرَكة خاصة، صحيح! أمّا إذا لم يكونا مؤمنَين فقد لا يأخذان شيئاً على الإطلاق أو قد يأخذان حتّى لعنة! إذاً الطقوس الكنسيّة ليست قائمة في ذاتها بل في شركة المؤمنين وإيمان الناس. ثالثاً الزّواج الطائفي، عمليّاً، زواج بشريّ كالزّواج المدني لأنّه يكرّس قراراً بشريّاً اتّخذه شاب وفتاة، أو رجل وامرأة مستوفيان شروطاً طائفيّة، كانتماء الزّوجَين إلى الطائفة الأرثوذكسيّة أو الزّوجة إلى إحدى الطوائف المسيحيّة دون سواها، ومدنيّة كالسّن والصّحّة. الانتماء الطائفي، بإزاء هذا القرار، أمر عَرَضي لأنّه يكرِّس الزّواج من الخارج ولا يؤثّر في مضمونه. لذا كان طبيعيّاً أن يتحوّل إذن الزّواج في الممارسة، عندنا، إلى سماح شكلي بالزّواج بناء لتوفّر جملة أوراق ثبوتيّة. الأمر لا علاقة له بالإيمان الفعليّ لطالبَي الزّواج ولا بشركة المؤمنين. وحيث لا إيمان بيسوع – وأشدِّد على الإيمان دون المشاعر العابرة والعواطف السطحيّة التي لا تتمخّض عن التزام حقيقي بهذا الإيمان – أقول حيث لا إيمان بيسوع فإنّ الزّواج الطائفي لا يمكن اعتباره زواجاً دينيّاً بحال إلاّ شكلاً واسماً، فيما هو، في العمق، زواج بشريّ ذو نكهة طقوسيّة. الزّواج المدنيّ لو كان ليتمّ أمام القاضي المدنيّ بدل الكاهن، والحال هذه، لكان ليكون أكثر استقامة، بالمعنى الصارم للكلمة، من الزّواج الطائفيّ لأنّه قائم على واقع اجتماعيّ مدنيّ صريح لا على وهم دينيّ كما هو الحال في أكثر الزيجات الطائفيّة. إلى ذلك يسخّر الزّواجُ الطائفيُّ المقدّسات، في أكثر الأحيان، لغايات بشريّة طائفيّة هي، في أحسن الحالات، ملتبسة ولا قيمة كنسيّة لها في ذاتها، وهذا ضرب من الاختلاس للإلهيّات!

       هذا هو السياق والمدى الفعليّ للزّواج الطائفيّ، إنّه زواج من هذا الدهر، أمّا الزّواج الكنسيّ فسياقه ومداه مختلفان تماماً لأنّه يصير إلى الدهر الآتي. أوّلاً لا يتمّ الزّواج الكنسيّ إلاّ بين شخصَين مؤمنَين ملتزمَين إيماناً واحداً مشتركاً هو إيمان الكنيسة الأرثوذكسيّة. كلاهما يُفترَض به أن يكون مؤمناً لا أحدهما فقط. هذا كان مأذوناً به في الزّمن المسيحيّ الأوّل حين لم تكن الأمور قد تحدّدت تماماً بعد. وطبعاً هناك سبب لشرط وحدة الإيمان الحيّ هذا. لسنا، هنا، بإزاء عصبيّة طائفيّة، كلاّ أبداً! السبب هو أنّ غاية الزّواج الكنسيّ لا هي إنشاء شركة زوجيّة ببرَكَة الكنيسة، ولا هي الإنجاب ولا هي تكوين عائلة مسيحيّة ولا شيء مثل ذلك، هذه كلّها نتائج لا غايات. غاية الزّواج الكنسيّ هي المسيح. ليس أحد منّا يعيش لذاته ولا أحد منّا يموت لذاته لأنّنا إن عشنا فللرّبّ نعيش وإن متنا فللرّبّ نموت، فإن عشنا وإن متنا فللربّ نحن. الزّواج الكنسيّ هو زواج في المسيح، والمسيح فيه هو الألف والياء. الزّواج الكنسيّ، بمعنى، هو زواج اثنين متعاونَين، روحيّاً، بالرّبّ يسوع. الغرض هو أن نصير معاً واحداً في الرّبّ يسوع ومع الرّبّ يسوع. همّنا الاتحاد بالمسيح. المسيح هو الكنيسة ورأسها ونحن جسده. من هذا الاتحاد تنشأ الشركة الزّوجيّة وتتولّد العائلة المسيحيّة ويكون الانجاب هادفاً. المسيح حياتنا. المسيح معنا وفيما بيننا. منه نستمدد معنى إلهيّاً لزواجنا. هو المبتغى. إرادة الله قداستكم. الزّواج المسيحيّ، أوّلاً، زواج روحيّ بيسوع. فكيف يندرج الزّوجان في مشروع زواج في المسيح وبالمسيح ما لم يكونا معاً واعيَين سياق زواجهما ومداه، ما لم يكونا عارفَين الغرض من زواجهما، ملتزمَين به. هذا بحاجة إلى وعي وإيمان وإرادة مشتركة وإلاّ يرتدّان إلى الوراء، إلى الزّواج في مستوى اللحم والدّم، أو في المستوى الطائفي الدهريّ وفي السياق الاجتماعيّ المدنيّ. في الزّواج الكنسيّ لا تأتي الإلهيّات كَمِن الخارج ولا يبقى الزّواج عملاً بشريّاً بحتاً بل تتّحد الإلهيّات بالبشريّات، النعمةُ بما للإنسان، ليصبح الزّواج الكنسيّ إبداعاً إلهيّاً بشريّاً في الرّبّ يسوع المسيح، الإله المتجسِّد. لذا في الزّواج الكنسيّ ليس وارداً، في المبدأ، لا الزّواج بإنسان غير مسيحيّ ولا بإنسان مسيحيّ من غير إيمان شريكه، إيمان الكنيسة الأرثوذكسيّة، ولا بإنسان مسيحيّ أرثوذكسيّ ينتمي، إسماً، إلى إيمان شريكه ولا ينتمي إليه فعلاً.

       إنّ الكلام على ترك الرجل أباه وأمّه، في الرّسالة إلى أفسس، والتصاقه بامرأته يأتي في سياق كلام الرّسول المصطفى على علاقة المسيح بالكنيسة. المقاربة بين الرّجل وامرأته، من ناحية، هنا، والمسيح والكنيسة، من ناحية أخرى، ليس من باب التمثيل بل من باب التمثُّل. لذا يصفه الرّسول بـ "السّرّ العظيم" (أف 5: 32)، لأنّه ينتمي أوّلاً إلى الملكوت وليس قَصْراً على ما للبشرة. طبعاً ما للبَشَرة يبقى ولا يُلتَغَى ولكنّه يُضْبط ويُجْعَل مجالاً للتقديس. ولكنْ لا يحسبنّ أحد أنّ قصد الزّواج الكنسيّ هو أن يمدّ زواج الرجل بالمرأة إلى الأبد. في الملكوت لا يزوِّجون ولا يتزوَّجون بل يكونون كملائكة الله. قِبلة الزّوجَين مسيح الرّبّ. هما إليه في الروح القدس وكذا إلى أحدهما الآخر في المسيح على الرجاء، وهذا، في الحقيقة، شأن المؤمنين بعامة، تزوَّجوا على الأرض، في الجسد، أم لم يتزوّجوا. لذا الكلام على خِدْر المسيح والتوق إلى الدخول إليه يطال الكنيسة برمّتها. هي العروس وكلّ نفس إليه عروس وهو العريس. الزّواج، في وجهه البشريّ، على الأرض، لا يكتمل إلاّ بوجهه الروحيّ، في السّماء. هذا وليس ما يشير إلى أنّ اثنين إذا تزوّجا على الأرض، في الجسد، يمتدّ زواجهما، بشكل من الأشكال، إلى ما هو فوق، لأنّه لا يرث الفسادُ عدمَ الفساد، ولا يمتدّ ما للجسد إلى ما لروح الرّبّ، رغم أنّ روح الرّبّ هو الذي يجعلنا جسداً واحداً سرّيّاً في المسيح، وبذا تؤول البشريّة، في مدارها الأخيري، إلى زواج روحيّ كونيّ بالمسيح من حيث إنّها تمسي جسده.

       كلّ هذا يؤول إلى نوعَين، بعامة، من الزّواج: الزّواج البشريّ والزّواج البشريّ الإلهيّ. الأوّل يبقى في حدود الحياة على الأرض، بين رجل وامرأة، بِغَض النظر عن الشرائع المدنيّة أو الدينيّة التي تكرّسه، والثّاني يتجذّر، منذ الآن، في ملكوت السموات، وهو قائم بين رجل وامرأة متكافلَين كزوجة والمسيح كزوج. الأوّل زواج جسديّ نفسانيّ والثّاني زواج بشريّ روحانيّ. في الأوّل الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل، وفي الثّاني الرجل والمرأة معاً إلى المسيح. والرجل والمرأة، في الزّواج البشريّ الإلهيّ، ما داما في البَشَرة، فإنّ الرباط بينهما هو رباط بالمسيح وإليه. لا الرجل أُفُقُه أن يستهلك امرأتَه ولا المرأة أن تستهلك رجلها، بل كلّ يطلب المسيح في الآخر، والآخر صورة المسيح لديه وإليه. الزّواج المسيحيّ، بهذا المعنى، نسكيّ الطابع، شئنا أم أبينا، لأنّ كِلا الشريكَين يتخطّى ذاته، في شريكه، إلى وجه ربّه. القِبلةُ الملكوت! وما ينشأ هنا من السعي المشترَك للزوجَين هو عائلة مسيحيّة تحدّث عن هذا الملكوت، ومحبّة تعكس محبّة يسوع، وذرّية تتربّى على قداسة المسرى. فيما عدا ذلك الكلّ من التراب وإلى التراب يعود مهما زيّناه بطقوس وشرائع وَسَمْنَاها بالدينيّة أو المدنيّة، لا فرق!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما