29 تشرين الثاني 2009

الرّعاة في التدبير الإلهيّ

في ذكرى الذّهبيّ الفم
في 13 تشرين الثّاني المنصرم

 

 

       القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم هو راعٍ صالح لأنّه من الرّاعي الصّالح. هذا راعٍ من عند الله. الله يستفقدنا برعاة من عنده، لنتعزّى ونتشدّد ونتقوّى ونتعلّم. الرّاعي، في الحقيقة، هو الرّبّ يسوع. في كلّ حال، "الرّبّ يرعاني، فلا شيء يعوزني". لهذا، بغضّ النّظر عن هويّة الرّعاة الّذين يتولّون رعيّة المسيح، يبقى المسيح، شخصيًّا، الرّاعي، وهو يهتمّ بكلّ خرافه، واحدًا واحدًا. لا شكّ في أنّ الرّبّ يسوع يرسل، من وقت إلى آخر، رعاة على قلبه. هؤلاء يشكّلون أيقونات حيّة للرّاعي الصّالح. متى رأيناهم، طالعنا فيهم وجه السّيّد. ولكن، هناك رعاة ليسوا من فوق، ولا إلى فوق. هؤلاء أيضًا يتولّون قطيع المسيح وهم، أحيانًا، أدنى إلى الذّئاب منهم إلى الرّعاة. يرعون أهواءهم، لا القطيع! والسّؤال الّذي يتبادر إلى الذّهن: لماذا يسمح الرّبّ الإله لمثل هؤلاء بأن يتولّوا خرافه وقطعانه؟!

       لا شكّ في أنّ الرّبّ الإله لم يستأصل الإثم من العالم. الإثم كان ولا يزال موجودًا وفاعلاً، بدءًا بخيانة يهوذا الإسخريوطيّ الّذي أسلم الرّبّ يسوع. الرّبّ كان يعرف، تمامًا، ما في قلب يهوذا، وما هو آيل إليه. ومع ذلك، قبل به، وارتضاه. ولو لم يكن هناك يهوذا إسخريوطيّ، لَما كان هناك صليب! ولكن، "بالصّليب أتى الفرح إلى كلّ العالم". طبعًا، يشتهي الإنسان لو يكون كلّ الرّعاة، في كنيسة المسيح، في كلّ زمان ومكان، صالحين. لكنّ الرّعاة الفاسدين، من حيث لا يدرون، يستدعون نعمة الله على الخراف بزيادة*، بحيث تكون هذه الأخيرة في مأمن، رغم كلّ شيء. الرّبّ الإله لا يشاء أن نتعلّق بالنّاس، بل به هو في كلّ حال. يشاء، أوّلاً وأخيرًا، أن نتطلّع إليه باعتباره هو الرّاعي الصّالح، وهو الفاعل، في كلّ حين، هنا والآن. هو فاعل من خلال خِرافيّة النّاس، وخِرافيّة الرّعاة، ومن خلال ذئبيّتهم أيضًا. طبعًا، الضّعفاء يعثرون. لذلك، على الأقوياء، في كنيسة المسيح، أن يشدّدوهم دائمًا، ويدفعوهم إلى التماس وجه العليّ في كلّ حال، مهما كانت الظّروف: "كن ساهرًا وشدّد ما بقي" (رؤ3: 2)، "متى رجعت ثبّت إخوتك" (لو22: 32). بالصّبر والاتّضاع، بالألم والمعاناة، بالصّليب يأتي الفرح، يأتي السّيّد ليعزّي النّفوس، ويشدّد الرّكب المخلّعة. للوهلة الأولى، يظنّ بعض النّاس أنّ الرّعاة الذّئاب يضربون كنيسة المسيح ويُفسدونها. هذا غير صحيح! لقد جعل الرّبّ يسوع سرّ الإثم مُسَخّرًا لسرّ الخلاص! لهذا السّبب، الموضوع، دائمًا، هو لا ما يطالعنا بحسب الظّاهر، بل الموقف الّذي نقفه من كلّ ما نعاني، في كنيسة المسيح. العثرات والضّيقات لا بدّ منها، والذّئبيّة أيضًا لا بدّ منها. ولكنْ، الرّبّ يسوع جعل كلّ هذا للخير. نحن لا نعرف دائمًا كيف يحوّل الرّبّ الإله ما هو من الإثم إلى خير وبركة. لكنّنا نعرف أنّ الصّليب، الّذي أتى من إثم اليهود، آل إلى خير البشريّة. لهذا السّبب، ننظر إلى الرّبّ الإله باعتباره الضّابط الكلّ. لا شيء إطلاقًا يحدث، إلاّ بضبطٍ من فوق. هذا ينبغي أن نؤمن به، وأن نثق بأن الرّبّ الإله حاضر وفاعل، في كلّ حين، وفي كلّ مكان. الرّبّ الإله يسمح أحيانًا بالتّعزيات، ويعطيها ليشدّدنا ويقوّينا، حتّى نعرف أنّ المسيح معنا، فلا تخور نفوسنا، وحتّى تكون لنا الهداية من خلال الّذين يرسلهم الرّبّ الإله رعاةً على قلبه، من عنده. وأحيانًا أخرى، يترك الرّبّ الإله للأثمة أن يعيثوا فسادًا في كنيسة المسيح. هم يظنّون أنّ بإمكانهم أن يجعلوها مطيّة لأهوائهم ، لكنّهم، في الحقيقة، مجرّد أدوات غير واعية يسمح بها الرّبّ الإله، لتنقية النّفوس. لِمَ سمح للشّيطان بأن يُعثِر النّاس؟! – لم يسمح له بما فعله ويفعله لأنّه يسيِّب خرافه للشّرّير. هذا غير صحيح! الله ضنين بكلّ خروف من خرافه، بكلّ شعرة في رؤوس أحبّته. ولأنّه الضّابط الكلّ، ليس بإمكان أحد، على الإطلاق، أن يخطف شيئًا من يده (يو10: 28)، مهما حاول، ومهما ظنّ. الله حافِظُنا ويرعانا في كلّ حين، وهو الآخذ الحكماء بمكرهم! لذلك، ما يظنّه الأشرار استغلالاً لأهوائهم يؤول، في نهاية المطاف، إلى تنقية الكنيسة، وتقديس المؤمنين. فقط، علينا أن نعي أنّ الرّبّ الإله حاضر ويرعانا، في كلّ حين. أحيانًا، يرعانا بالاهتمام المباشر بنا. وأحيانًا أخرى، يرعانا بالصّمت والإعراض، حتّى نثبت، ونصبر، ونتشدّد، ونتقوّى. يريدنا، في كلّ حال، أن نجاهد. لنا نصيب في الخلاص، وعلينا أن نتعب لحيازته. لذلك، في المبدأ، لا خوف إطلاقًا على الكنيسة من الّذين يدخلونها خلسة، ويحاولون استغلال المؤمنين، ولا على خراف المسيح. والرّبّ الإله، من وقت إلى آخر، يعطينا البرهان أنّه لم ولن يتخلّى عنّا. لا يتأخّر عن تعزية المؤمنين. ولكنْ، "مَن له، يُعطى ويُزاد؛ ومَن ليس له، فالّذي عنده يُؤخذ منه". في سرّ الإثم، المؤمن، إن صبر واتّضع ينمو ويزداد، وإن لم يصبر فإنّ ما عنده يكون عرضة للزّوال. الرّبّ الإله، في الحقيقة، يريدنا أن نكون كلّيّين في التّعاطي معه. إمّا أن يكون الإنسان مع الله، أو يكون عليه: "مَن ليس معي، فهو عليّ". لذلك، تأتي أوقات صعبة، في كنيسة المسيح، ويكون الزّمن زمن غربلة. نحن، لأنّنا، أحيانًا كثيرة، نحكم على الأمور بحسب الظّاهر، نظنّ أنّ كلّ مَن تَسمّى مؤمنًا هو مؤمن حقًّا بيسوع. لكنَّ الرّبّ الإله العلاّم القلوب يعرف الّذين هم له. والّذين ليسوا له يرسل إليهم القحط؛ لأنّه يشاء لهم اليباس، إن لم يتوبوا ويثبتوا ويتقوّوا. "كلّ زرع لم يزرعه الآب السّماويّ يُقلَع"! الله، بمعنًى، متطلّب، الحبّ متطلّب، الإيمان متطلّب! الله يريد كلَّ شيء! هو إله غيّور، يطلب كلّ القلب، كلّ الإنسان، ولا يطلب شيئًا من الإنسان. لذلك، يشدّد الّذين في حاجة إلى تشديد. أمّا المتوانون، فيعرّضهم للهزّات حتّى يتقوّوا أو يزولوا!

       من هنا، إنّنا متى أقمنا ذكرًى لأمثال القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم؛ فإنّنا، في الحقيقة، نطالع وجهًا لا كلّ وجوه العناية الإلهيّة. هذا الإنسان كان راعيًا صالحًا، على صورة الرّاعي الصّالح، وقد بذل نفسه بالكلّيّة. غيرته على كنيسة المسيح كانت كبيرة، ولم يكن مستعدًّا إطلاقًا لأنّ يتزحزح عن شهادته للحقّ. هذا، طبعًا، يشدّدنا ويقوّينا ويفرّحنا ويشكّل لنا قدوة. لكنْ، هناك وجه آخر، أيضًا، من رعاية السّيّد لنا. أحيانًا كثيرة، حين لا تكون لنا تعزية، في الصّحراء، وحين لا يكون لنا رعاة صالحون؛ فإنّ السّيّد يرعانا بذاته، ورعايته تكون عظيمة جدًّا. لا يحقّ لنا أن نحكم على الأمور بحسب الظّاهر. فقط، نجعل أنفسنا بين يدي الله الحيّ بثقة كاملة وتامّة: "لتكن مشيئتك كما في السّماء، كذلك على الأرض". لا يحقّ لنا أن نطلب شيئًا من الله. فقط، نلتمس وجهه. في ما عدا ذلك، هو يعطينا كلّ ما نحتاج إليه في أوانه. لهذا، لا نخاف على كنيسة المسيح، ولا يليق بنا أن نخاف على أنفسنا، أيضًا، إذا ما ساس الكنيسةَ رعاةٌ ذئاب خاطفة. هذا كلّه فرصة لنرفع قلوبنا إلى فوق، لنستصرخ الرّبّ الإله، لنسترحمه، لنستعين به، لنبكي لديه، لنجلس في المسوح والرّماد، لنتوب إليه، وهو يعيننا دائمًا ولا يتخلّى عنّا إطلاقًا. لا ننسينّ، يا إخوة، أنّ بابل، بالنّسبة إلى اليهود، كانت جزءًا من مخطّط الرّبّ الإله لخلاص إسرائيل. ترك الرّبّ الإله الشّعبَ يذهب إلى بابل، وعانى هذا الشّعب كثيرًا. وعلى الرّغم من ذلك، لم يفنَ، والرّبّ الإله لم يتخلَّ عنه. لا بل في أوقات الشّدّة والضّيق، الرّبّ الإله ينقّي النّفس، حتّى يملأها من نعمه وبركاته من جديد. أوقات الصّليب دائمًا ما تكون برسم القيامة. طبعًا، هذا لا يعني أن نسيّب، نحن من جهتنا، كنيسة المسيح! علينا، دائمًا، أن نكون شهودًا للحقّ. ولكن، علينا، في آن معًا، ألاّ نستسلم للخوف أو لليأس. لو كانت الكنيسة قائمة على حكمة حكماء هذا الدّهر الّذين يتولّون كنيسة المسيح، لما بقيت هناك كنيسة. ولكنْ، اعتمادنا، أوّلاً وأخيرًا، هو على حكمة الله، وعلى قوّته ورعايته، وعلى كون الله هو الضّابط الكلّ، وهو الّذي يرعانا، ويرعانا بصورة مباشرة، من خلال الآخرين، ومن دونهم أيضًا.

       إذًا، نحن نفرح بأمثال الذّهبيّ الفم، ونتّخذهم قدوات لنا، ونتعلّم منهم. ونفرح أيضًا حين يشاء الرّبّ الإله أن يرعانا بصورة مباشرة، كما في الصّحراء، كما في بابل. هذا يكتمل بذاك. في كلّ حال، طالما نحن بين يدي الله الحيّ، فإنّنا برسم الفرح والشّكران والخلاص، ولو بدت الأمور، لبعض الوقت، غير ذلك. الله معنا، كان، وكائن، وسيكون، ولا خوف على أحد منّا. المهمّ ألاّ يؤذي أحد منّا نفسه، وألاّ يستسلم لليأس والحزن والموت. على العكس، كلّما اشتدّ الخناق علينا، كان هذا مدعاة لرفع القلب إلى فوق، إلى أبي الأنوار، وهو يتكفّل بكلّ شيء، ويأتي في السّاعة الموافقة ليعزّي ويشدّد ويجدّد. الصّليب ضرورة، طالما نحن هنا، على الأرض، ليتجدّد الإنسان، وإلاّ فالجديد لديه يصير راكدًا؛ وتاليًا، منتنًا. نحن في حاجة إلى تجديد مستمرّ. لهذا، كان لا بدّ من الألم والمعاناة جنبًا إلى جنب والفرح والتّعزيات، في كنيسة المسيح. الآلام والمعاناة، روحيًّا، هي للتّنقية والتّطهير. ألا تمجّد الله في تدبيره الخلاصيّ، وجعلنا شركاء لأبناء الملكوت إلى المنتهى.

              آمين.

* "حيثما كثرت الخطيئة، ازدادت النّعمة جدًّا". (رو5: 20)

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما