20 كانون الأول 2009

البخيل والميلاد!

       كلّ إنسان بخيل إلى أن يذوق محبّة الله. وهذه لا يذوقها إلاّ الذي يؤمن بالرّبّ يسوع المسيح. ولا يؤمن بالرّبّ يسوع المسيح إلاّ مَن كان ساعياً شاهداً للحقّ حيثما تراءى له. ولا يسعى إلى الحقّ ولا يشهد له إلاّ مَن قدّم الحقّ على كلّ هوى آخر في نفسه. لذا لا يقيم أحدٌ، عمليّاً، في الحقّ إلاّ متواضع القلب. هذا يصير متواضعاً متى انحنى أمام الحقّ وتنازل عمّا له بإزائه وصار له الحقُّ عشيقاً. لذا كان البخيل ممتلئاً من ذاته وأهوائه. ولا يخرج البخيل من بخله إلاّ متى أفرغ ذاته من أناه وهواه واتّخذ صورة عبد للحقّ في كلّ ظرف ومكان وزمان.

       هذا والبخل عميق الجذور في النّفس لأنّه من طبيعة الخطيئة لأنّ الخطيئة لا تؤمن بالله. للخاطئ نفسه إلهاً يحسبها. الخطيئة غربة عن الله والحقّ. لا يؤمن الخاطئ إلاّ بنفسه. لذا هو لنفسه أوّلاً وأخيراً. حركته الكيانيّة هي منه وإليه. هو كائن مغلق. لا يؤمن البخيل بالله ولا يحبّ أحداً ولا يرى غير نفسه ومالَه في كلّ وجه وحدث وعلاقة.

       والبخل أربع درجات. أقصى البخل أن لا تعطي أحداً وموجود عندك. هذا يجعلك تتماهى وما لك. لذا تبلِّغك هذه الدرجة الإمساك حتّى عن نفسك. هذا، لأجل المفارقة، ما يجعلك تشعر، مَرَضيّاً، بالأمان. كلّما حافظ البخيل على ما لديه وزاد عليه كلّما اطمأن قلبُه. مالُه ليس له بل هو لمالِه.

       والدرجة الثانية من البخل أن تُعطي من الفتات وعندك الكثير. قلبك، والحال هذه، أوهى من أن يحتمل العطاء الكبير. تعطي لكنّك تخاف خسران شيء ممّا عندك إلاّ أقلّه، لأنّه يقلقك أنّ ما لديك آخذ في النّفاذ. كلّ قرش يعني لك الكثير: وعد وثبات! روحُك علقى، على نحو مَرَضي، بما بين يدَيك. وتتعلّل بشتّى العلل ولك منطقك الخاص. لا تشاء أن تجعل الناس يتّكلون عليك. تتخفّى، تتمسكن! كأنّك عرضة للحسد والسرقة! القوم كسالى، ليعملوا! ما تعبتُ به لا أشاء أن أُفرِّط فيه! ما لي حقّ لي أنا وحدي! الادّخار من أصول الاقتصاد! لا للتفريط! من الغريب أنّ البخيل، أحياناً، يتناغم والبخيل الذي مثله كأنما الاثنين يخدمان إلهاً واحداً وقضيّة واحدة. جاء بخيل إلى بخيل طالباً يد ابنته فقال له: متى صار لك بمقدار ما لَها أعطيتك إيّاها! غاب سنوات وعاد. حالما دخل بيت العروس العتيدة استفظع أنّ قنديل الكاز مضاء ببهاء فتقدّم سريعاً وخفّف سيل الكاز من قبيل التوفير. ثمّ اقترح حالاً أن يُطفأ القنديل ويخرج الجميع إلى خارج لأنّ القمر ساطع. وفي الجلسة خارجاً حلّ بنطاله وجلس على ثيابه الداخليّة. فلمّا رأى صاحب البيت ما فعل سأله مستغرباً: ما عساك أتيت؟ قال: هذا يجعل البنطال يخدم أكثر! فقال: أعطيتك الابنة!

       والدرجة الثالثة أن تعطي مَن ينفعونك وتمسك عمّن لا فائدة لك منهم. تبقى في حدود ذاتيّتك. تخرج من ذاتك لتعود، عبر الآخرين، إلى ذاتك. لا الكثير الذي تعطيه، والحال هذه، ذو قيمة ولا القليل ذو معنى. فقط تكون قد وسّعت دائرة أناك ولمّا تخرج منها. من هذا القبيل مافيات المال والجاه والمراكز والسياسة. يخدمون أحدهم الاخر لأنّ كلاً، في نهاية المطاف، يستخدم الآخرين لغاية في نفسه. غريب أمر هؤلاء القوم! ينفقون الملايين على باطل أمجادهم وعلاقاتهم العامة ويمسكون عن القرش في غير ما يرضي غرورهم ومصالحهم ويحسبونه ضياعاً. الأغنياء للأغنياء لأنّهم كذبى المنافع الذاتيّة، ويبقى الفقراء خارجاً!

       والدرجة الرابعة أن تجعل حدّاً للعطاء لأنّك تخاف على نفسك. قد تعطي القليل أو الكثير لكنّك، في قرارة نفسك، تبقى عند حدود الأمان وإلاّ لا تكون نفسك في سلام. هنا، أيضاً، لك منطق خاص بك. تأكل من تعبك. أحبَّ قريبك كنفسك مع التشديد على "كنفسك". تعطي لتؤمّن لذاتك الدنيا والآخرة، مع تأكيد مميَّز للدنيا. في كلّ ذلك يتّسم كيانك باللاإيمان. لا تُسْلِمُ ذاتك بل تأخذ مصيرك بيدك بحجّة أنّ لك نصيباً في فعل الخلاص. ثمّة تحفّظ يبقى لديك بإزاء ربّك. تريد ربّك وذاتك في آن ولا تأتي إلى المقول: "في يدَيك أستودع روحي". إذا كان ذوو العهد العتيق قد عُوِّدوا على العطاء الجزئي، كائنة ما كانت نسبة المئة، فذوو العهد الجديد يُعطُون كلّ شيء ولا يستبقون لأنّهم بذلك يُعطَون كلّ شيء كفقراء ويُغنون كثيرين.

       البخل، كيانيّاً، يقتل الإيمان، لا فرق أفي القليل كان أم في الكثير. أن تُسلم نفسك أو لا تُسلِمَها، هذا هو التحدّي. إمّا أن تزدهر فيك النزعة إلى إمساك زمام أمرك أو تجعل ذاتك بين يديه. إمّا البخل وإمّا الإيمان. إمّا عبادة الذات وإمّا عبادة الله. لا تكون الحياة لكلا الموقفَين. البخل يطرح الإيمان إلى خارج وكذا الإيمانُ البخلَ.

       التمويه لا يجدي. الصدق يفرض الكليّة. "إذا أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبِع كلّ ما لك ووزّعه على الفقراء، فيكون لك كنز في السّماء وتعالَ اتبعني حاملاً الصليب". الإيمان مسمَّر على الصليب أو لا يكون. شيء فيك ينبغي أن يموت وإلاّ لا تكون لك حياة.

       بعد أن تتخطّى ذاتك تَلقى الإيمان كغريب. عليك أن تخرج خارج مدينة نفسك أوّلاً لتلقى العريس. هناك تجدك بإزاء الملكوت. قبل ذلك تنظِّر أو تعدّ نفسك للملكوت ولا تعرفه. مَن يتكلّمون كثيراً لا يعرفون، ومَن يعرفون قلّما يتكلّمون لأنّهم لا يجدون لما عرفوه تعبيراً أو لأنّ الآخرين لا يحسنون فهم ما قد مرّوا هم به.

       أبناء الملكوت دائماً غرباء لأنّهم مقيمون ههنا لكنّهم ليسوا من هنا. يأتون دائماً من بطن الله. هو يلدهم. معرفته تلدهم.

       إلى أن يشرق النّور فيهم يقبعون في ظلمة أنفسهم. "والنّور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه... أمّا كلّ الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه" (يو 1: 5، 12).

       سلام على الذين يولدون من فوق! سلام على الميلاد الآتي... إلينا!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما