من الموت إلى الحياة!
هذه تعليقات حول الإنجيل الّذي تُلي في الخدمة الإلهيّة، يوم السّبت 16 كانون الثّاني 2010، وكان العيد، في كنيستي، للسّجود لسلسلة القدّيس بطرس الرّسول المكرّمة. التّلاوة كانت من إنجيل يوحنّا، الإصحاح 21، الآيات من 14 إلى 25، وهي إنجيل الإيوثينا 11، المتلو في صلاة سَحَر الأحد. تلاوة هذا اليوم تُرجى قراءتها، في محلّها، قبل قراءة هذه المقالة.
مرّتين دعا الرّبّ يسوع بطرس إليه. المرّة الأولى، عندما كان بطرس يصطاد سمكًا. قال له يسوع: "اتبعني!" (مت 4). والمرّة الثّانية، هنا، في تلاوة اليوم، بعدما قام يسوع من بين الأموات. كان بطرس قد أنكره ثلاثًا. سأله الرّبّ يسوع إن كان يحبّه، أيضًا ثلاثًا. فأجابه بطرس، بغصّة، بالإيجاب. "نعم يا ربّ، أنتَ تعلم أنّي أُحبّكَ". في المرّة الثّالثة، أجاب بطرس بحزن: "يا ربّ، أنتَ تعلم كلّ شيء". لماذا بحزن؟ ألأنّ يسوع شكّك في محبّة بطرس له؟ كلاّ، أبدًا! هذا بين النّاس. أمّا يسوع، العارف بكلّ شيء، فقد فتح عينيّ بطرس على خطيئته المُرّة لمّا أنكره ثلاثًا. سؤالُ يسوع يبطِّن عتبًا محبِّيًّا وتذكيرًا بما فعله بطرس، حتّى لا ينسى، وحتّى تبقى خطيئته أمامه في كلّ حين (المزمور 50)، وحُزْنُ بطرس ليس عابرًا بل كيانيّ، وهو يمدّ بكاء بطرس المرّ بعدما صاح الدّيك وتذكّر بطرس كلام يسوع (مت 26: 57) ونظر يسوع إليه (لو 22: 61). عند ذاك، لمّا انتخس قلب بطرس، كلّفه يسوع برعاية خرفانه، ودعاه، ثانية، أن "اتبعني!" الرّبّ يسوع سامح بطرس لكنّه لم ينسَ ولا شاء لبطرس أن يمرّ بما ارتكب مرور الكرام. ذكرى الخطيئة في الكيان هي ما يثبِّت الخاطئ في محبّة يسوع والأمانة له. ليس أقسى على الكيان من جرح الحبيب ولا أمدّ!
لم تأتِ، يا بطرس، إذًا، من نقاوة بل من عدم نقاوة. لم تأتِ من أمانة بل من عدم أمانة. أنتَ لا فضل لكَ على السيّد! لا تألّمتَ من أجله ولا بذلتَ دمك. أنكرته وهربت!!! بل الفضل، كلّ الفضل، للسيّد عليك! هو اختارك أوّل مرّة وثانيةً، محبّةً منه مجّانيّة لك. "أنا اخترتكم ولستم أنتم اخترتموني". لو كان الإنسان، كلّ إنسان، ليُترَك لنفسه، لما كان يختار الرّبّ يسوع، ولا يستطيع؛ لأنّ كلّ إنسان غارق في نفسه: في أفكاره الخاصّة، في مشيئته، في حبّه لذاته. لا يستطيع أحد أن يحبّ الله لأنّه لا يستطيع أن يخرج من نفسه، لا يستطيع أن يقطع مشيئته. لذا سأل الرّبّ يسوع بطرس ثلاثًا: "أتحبّني؟!" لأنّه أراد له أن يدرك، في قرارة نفسه، أنّه لا يحبّ الرّبّ يسوع، كما يكون الحبّ، ولا يستطيع! بطرس، من جهته، كان واثقًا أنّه يحبّ السيّد. ولكن، ما فعله، عندما أُسلِم السّيّد، لا يدلّ، أبدًا، على أنّه كان يحبّه فعلاً. الإنسان يحبّ على طريقته. فكرةٌ في رأسه وقناعة، وشعور في فؤاده، لكن الفكرة لا تنزل إلى القلب، ولا تتحوّل إلى فكر قلب، ولا تملك عليه كيانه كلّه. ربّما أمكن القول إنّ الإنسان، إن استقامت نيّته، يظنّ أنّه يحبّ، يرغب في أن يحبّ، لكنّه لا يستطيع أن يخرج من نفسه. الخطيئة، الآتية من السّقوط، أقعدته في نفسه، سمّرته عليها، وجعلته مُقعَدًا، على صورة مُقعَد النّاصرة (مت 9) برسم مغفرة الخطايا والخلاص بيسوع. وحده الرّبّ يسوع قادر على إخراج بطرس، وتاليًا الإنسان، من نفسه، كما أخرجه، في قيامته، من الجحيم. إخراج يسوع آدم وحوّاء من الجحيم هو إيقونة القيامة عندنا. كلّ إنسان، في الحقيقة، نَفْسُه جحيمُه. ويبدو أنّ الرّبّ الإله يعطينا ما يعطينا من زمن خلاصيّ، في حياتنا، لا لنصنع صلاحًا، لأنّه لا يمكننا، في الحقيقة، أن نصنع أيّ صلاح، بل لنكتشف عقمنا وعجزنا، وأنّنا، من دون الرّبّ يسوع، لا نستطيع إتيان أيّ شيء صالح. كلّما تطلّع الإنسان في نفسه، اكتشف أغوارًا، لا قرار لها، من حبّ الذّات. كلّما تقدّم بنا المسير الرّوحيّ، ونمَونا، اكتشفنا أنّ ما فينا أصعب وأقسى بكثير من أن نتمكّن من الارتقاء إلى وجه ربِّنا من دونه، وتقدّمنا، في الحسّ، بأنّنا لا ننفع شيئًا في ذواتنا، وأنّنا، في الحقيقة، كُتَلُ طين، عاجزون!
لا يحسبنّ أحدٌ أنّ بطرس أنكر الرّبّ يسوع عن سابق تصوّر وتصميم! لا، أبدًا! نيّته، من جهة نفسه، في وعيه، كانت نقيّة. كان يودّ الرّبّ يسوع بكلّ معنى الكلمة. وقد عبّر عن هذا الوداد عندما قال للرّبّ يسوع إنّه مستعدّ أن يموت عنه. ولكن، لم يكن بطرس يعرف نفسه، في ذلك الوقت. لم يكن يعرف أنّه، في عمق نفسه، يحبّ نفسه أكثر من يسوع. لم يكن بطرس قد مرّ، بعد، في الّليل الأليل للنّفس البشريّة. لم يكن قد ذاق عمق الظّلمة في النّفس البشريّة. لم يكن قد عرفها بعد. لكنّه كان في حاجة إلى أن يعرفها. كان، بعد، صغيرًا في الفهم، في روحه. ما كان بإمكانه أن يرتقي إلى معرفة السّيّد، بنعمة منه، إلاّ بعد أن يمرّ بجحيم نفسه. لهذا السّبب، تركه الرّبّ يسوع يُنكره ثلاثًا. كان يسوع لديه أدنى إلى الدّمية الفكريّة. وثق بطرس بنفسه حتّى الغرور، لذا قال ليسوع وهو على مشارف الصّليب: "وإن شكّ فيك الجميع فأنا لا أشكّ أبدًا". إذ ذاك بدا بطرس بحاجة إلى صدمة كيانيّة جديدة بعد الصّدمة الأولى الّتي تلقّاها لمّا قال له يسوع: "اذهب عنّي يا شيطان. أنتَ معثرة لي لأنّك لا تهتمّ بما لله ولكنْ بما للنّاس" (مت 16: 23). فقال له يسوع: "الحقّ أقول لكَ إنّك في هذه الّليلة قبل أن يصيح الدّيك تُنكرني ثلاث مرّات" (مت 26: 34). غرور بطرس، من ناحية، وحبّ يسوع له، من ناحية أخرى، استدعيا خبرة الجحيم قبل العبور إلى أرض الميعاد، إلى وجه السّيّد الأزليّ.
أراد يسوع أن يعلِّم بطرس وإيّانا درسًا أن "اعرف نفسك" أوّلاً، وقبل كلّ شيء. مستحيل على الإنسان أن يعرف الله إن لم يعرف نفسه في عمقها، وعلى حقيقتها، أوّلاً. لذا، كلّما نظرنا إلى عيوب الآخرين، وتغاضينا عمّا فينا من عيوب، كلّما ابتعدنا عن الله، ولو ظننّا أنّنا بذلك نزداد منه قربى كغيارى على الوصيّة في النّاس. والعكس صحيح: كلّما أخذنا نتغاضى عن عيوب الآخرين ورحمناهم، واهتممنا بمعرفة عيوبنا وإصلاح أنفسنا، كلّما عرفنا حقيقتنا أكثر وازددنا، تاليًا، قربى من الله. لهذا، قال الرّسول المصطفى بولس عن الرّبّ يسوع إنّه "جاء ليخلِّص الخطأة الّذين أنا أوّلهم" (1 تيم 1: 15). لماذا قال: "أنا أوّلهم"؟! هل كان بولس أشرّ من غيره بمقاييس ذلك الزّمان؟ وفق مقاييس البشر، بالعكس، كان إنسانًا فاضلاً، فرّيسيًّا لا لوم عليه، غيورًا على النّاموس وتقليدات الآباء. ولكنْ، عندما عرف بولس نفسه على حقيقتها، عرف، أكثر من سواه، حقيقة النّفس البشريّة، في عمقها. ظهور الرّبّ يسوع له، في الطّريق إلى دمشق، كذّب نظرته إلى نفسه وقلّصه، في عين نفسه، حتّى إلى العدم. الكلّ سواسية! كلّ نفس مضروبة، كلّ نفس معيوبة! ليس أحد صالحًا إلاّ الله. لا درهم صلاح لنا في ذواتنا لأنّ الخطيئة فينا، ولو درهمًا، تذهب بكلّ صلاح. نحن نأتي من ظلمة لا من بِرّ، نأتي من جحيم، لا من فردوس على الأرض. جنّة عدن أُخرج آدم وحوّاء منها، من زمان. طُرد الإنسان وأُقيم شرقيّ جنّة عدن الكروبيم ولهيبُ سيفٍ متقلِّب لحراسة طريق شجرة الحياة (تك 3: 23 – 24) إلى أن يشرق نور، في أرض زبولون ونفتاليم، على الجالسين في كورة الموت وظلاله، كما قال إشعياء (مت 4: 13، 16). كلّما شعرنا بهذا الجحيم، في قرارة نفوسنا، كلّما ردّدنا مع الرّسول المصطفى بولس: "ويح لي، مَن ينقذني من جسد الموت هذا"؟! كلّما أحسسنا في عمق ذواتنا أنّه مقفل علينا في الجحيم، كلّما صار بإمكاننا أن نؤمن إيمانًا كاملاً حقيقيًّا حيًّا بالله، كلّما صار بإمكاننا أن نلقي بأنفسنا، عن خلوص، بين يديه، ونقول مع السّيّد على الصّليب كلمةَ الإيمان الحيّ في عمق الكيان: "في يديك أستودع روحي"!
إذًا، لكلّ إنسان جحيمه، لكلّ إنسان صليبه، ونفسُه جحيمه، نفسُه صليبه. المهمّ ألاّ نيأس. "فقط اعرفي إثمك أنّك إلى الرّبّ إلهك أذنبت" (إر 3: 13) أيّتها النّفس الشّرود! في نهاية المطاف، ليس لنا ما نُقرّبه إلى الله سوى هذا التّواضع والخشوع أنّنا بالنّعمة، وبالنّعمة وحدها، مخلَّصون، و"القلب الخاشع المتواضع لا يرذله الله". الكلّ من الله. ليست فينا ذرّة صلاح. إذًا ليس لنا ما نتباهى به، من جهة أنفسنا. لهذا علّمنا السّيّد أنّنا إن أحسنّا، أو متى أحسنّا، فلا ندع يميننا تعرف ما تفعله شمالنا، لا لأنّه يشاؤنا أن نخفي كلّ صالحة عن عيون النّاس، لا سيّما وقد قال: "ليضئ نوركم قدّام النّاس"، بل لأنّ كلّ عمل نظنّه صالحًا إنّما نصنعه، في عمق ذواتنا، لأنفسنا وليس لله، فيسيء لنا بدل أن ينفعنا. الخفاء هو حتّى لا ندّعي ما ليس لنا ونؤذي أنفسنا ولأنّ الآب السّماويّ يرى النّيّة في الخفاء، وهو الّذي يجازينا علانية. لا يجوز لنا ولا يليق بنا، إذا كنّا لنكون أمناء لله، أن نمضغ، مباشرة أو بالتّواري، أيَّ مكرُمة فينا أو أيّ موقف لنا أنّنا صالحون. إذا كان لا بدّ من الافتخار، فنحن نفتخر، بالحريّ، بضعفنا وعجزنا وعقمنا بلا يأس! لهذا بطرس، الآن، صار مؤمَّنًا عليه لأنّه بكى، إثر نكرانه السّيّد، لمّا حزن، عميقًا، بعد سؤال الرّبّ يسوع له ثلاثًا: "أتودّني"؟ ذاق جحيمَ نفسه. لم يعد موهومًا، من جهة نفسه، أنّه شيء. فقط، إذ ذاك ثبّته الرّبّ يسوع في الرّسوليّة قائلاً له أن يرعى خرافه ويتبعه. إذ ذاك بات، حقًّا، من المخلَّصين!
الحكاية نفسها تردّدت مع بولس شاول ومتّى العشّار وتوما الشّاك وسائر التّلاميذ، وتتردّد مع سائر البشريّة. لا حاجة للتّفاصيل كيف ومتى. هذه هي النّفس البشريّة! يبدو أنّ الإنسان كلّما عرف نفسه عرف العالم. كلّ إنسان خليّةُ البشريّة. كلّ نفس مضروبة! والعلّة واحدة! الباقي تفاصيل لا قيمة كيانيّة لها! لا، لا فرق بين خاطئ وخاطئ إلاّ بالتّوبة!
حتّى بعدما قال الرّبّ لبطرس: "ارع خرافي"، بعدما أقامه في الرّسوليّة، لا يبدو أنّ بطرس تنقّى بالكامل ممّا فيه من خَبَث ومن دنس! كيف تعامل بطرس مع التّلميذ الذي كان يسوع يحبّه؟ تعامل معه بغيرة غير مقدّسة. بلى، كان غيورًا! كان فيه شيء من الحسد! "ما لهذا"! قال بطرس ليسوع! أوّلاً، اعترض على يوحنّا كأنّه منافس له. وثانيًا، استعماله للفظة: "هذا" استعمال فيه تعالٍ وتحقير! "فقال له يسوع: إن شئتُ أن يثبت إلى أن أجيء، فماذا لك؟! أنت اتبعني!" أنتَ لستَ سيِّدًا على الكنيسة يا بطرس! فقط كن سيِّدًا على أهوائك واتبعني في كلّ أمر! كلّفتُك برعاية خرفاني، أن تكون خادمًا لها، والرّاعي الصّالح يبذل نفسه عن الخراف! لم أكلّفك بالتّسيّد عليها! "لا تدعوا لكم سيِّدًا على الأرض لأنّ سيّدكم واحد في السّماء"، "وأنتم جميعًا إخوة"!
الحقيقة أنّ بطرس لم يتنقّ من ذاتيّته بالكامل إلاّ بالموت. سأله يسوع ثلاثًا: "أتودّني"؟ ثمّ قال له: "إرعَ خرافي". بعد ذلك انتقل، فجأة، إلى الكلام على موت بطرس: "الحقّ الحقّ أقول لك، إذ كنتَ شابًا، كنت تمنطق نفسك وتذهب حيث تشاء. فإذا شخت فستمدّ يديك، وآخر يمنطقك ويذهب بك حيث لا تشاء. وإنما قال هذا دالاً على أيّة ميتة كان مزمعًا أن يُمجّد الله بها". يبدو أنّ الإنسان لا يستطيع أن يمجِّد الله إلاّ بموته. لهذا، الكنيسة كنيسة شهداء. شهداء الدّم كانوا وحدهم، بدءًا، القدّيسين، ثمّ صُنِّف آخرون شهداء، أي قدّيسين، فيما بعد، لشهادتهم البيضاء لأنّهم ماتوا عن أنفسهم حتّى الموت. قبل ساعة الشّهادة، في الحقيقة، تكون للإنسان صولات وجولات، يتصارع مع نفسه بالوصيّة الإلهيّة، ويعمل على تنقية نفسه. يقوم ويسقط ويسقط ويقوم إلى أن تأتي ساعة الحقّ. كلّ ما يعمله الإنسان قبل ساعة الموت استعدادٌ للموت الكامل عن الذّات، للتّسليم، للإيمان الكامل بابن الله. قبل تلك السّاعة، يبقى هناك، دائمًا، ظلّ حبّ الذّات مخيِّمًا على هذه النّفس الآثمة! "ويح لي! مَن ينقذني من جسد الموت هذا؟!" وحده الرّبّ يسوع، القادر على كلّ شيء، الإلهُ القويّ القدير، يقدر على ذلك! فليكن اسمه مبارَكًا من الآن وإلى الدّهر.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



