7 شباط 2010

أسعد النجّار
كما عرفته!

       رقد أسعد في الرّبّ الإثنين، صباح الأوّل من شهر شباط، بعد معاناة متقطِّعة مع مرض السّرطان أودت، أخيرًا، به. لا أعرف عن ماضيه الكثير ولا اطّلاع لديّ على تفاصيل سيرته. في الثّالثة والثّمانين عمرًا. أقام في بشمزّين. بعدما تقاعد من إدارة شركة الـ "لسّيكو"، اهتمّ، بخاصّة، بإنهاض مدرسة بشمزّين العالية ونجح نجاحًا مرموقًا، بعون الله وما استقطب من مؤازرة قدامى الخرّيجين ومعارفه، في جعلها صرحًا تربويًّا وإنسانيًّا بارزًا في زمن بات فيه التّعليم تجارة!

       جالستُه مرارًا وتحادثنا في أمور شتّى. ربطته بديرنا، في مار يوحنّا دوما، علاقة طيِّبة. أُخذتُ بشخصيّته. لم يكن إلى كنيسة المسيح على دنو مميَّز رغم أنّه لم يكن بعيدًا عن مناخ الوداد الإلهيّ. جَرَحه في الصّميم موت ابنته مارينا، لكنّه كان رجلاً رجلاً. لم ألحظ، مرّة، أنّه كان ينوء تحت ثقل هموم الحياة رغم كونه حسّاسًا وعلى عاطفة تطفر، أحيانًا، من عينيه، ومن خلال كلامه وما يبادر إليه ليُعين مَن أتاه متضيِّقًا. كنتُ دائمًا أشعر بأنّ عند الرّجل اتّزانًا جميلاً بين ما للقلب وما للعقل، بين ما للفكر وما للعمل، بين ما لتحسّس آلام النّاس وما للسّعي إلى احتضانهم والتّخفيف عنهم. كان صاحب شخصيّة متماسكة على نحو مثاليّ. لا يعطيك الانطباع أنّه بحاجة إلى الاتّكاء على الآخرين بل أنّ بإمكانك، إن احتجت، أن تتّكئ عليه ولا يخيّبك طالما كان في طاقة يده أن يُعينَك. تعرف أنّك، بإزائه، متبَنًّى، ولك موضع في قلبه الهادئ أوّلاً. بين العقل والقلب لديه تواصل لا ينقطع. في القلب وداد يضخّ إلى العقل دفعًا، والعقل يبادر، بلا تلكّؤ ولا تخاذل، إلى ترجمة ما في القلب. ضابطًا يستبين العقلُ لديه لتوثّبات نفسه، لذلك تلفتك رجاحته وصوابيّة تحليلاته للأمور ومبادراتُه. يقظًا على سكون، حاضرًا على رحابة، لطيفًا على رصانة، أصيلاً على استقامة. لا ميوعة في شخصه ولا خفّة في ما يبدر عنه. فيه الوقار ودفء المعشر في آن. وتلك الابتسامة الخفيفة المرتسمة، أبدًا، على محيّاه، تنفرج، أحيانًا، عن قهقهة معتدلة لدعابة تبدر عنه أو عن الآخرين. الصّحو والحضور في عينيه يفرضان عليك الجدّة والفرح معًا. لا يطيق الكذب ولا يهاب المستقوي ويؤانس الضّعيف. تحسبه، لأوّل وهلة، قاسيًا وغير مبال، ولا تلبث، إن أصغيت إلى حركة نفسه، أن تفطن إلى أنّه ذو أعماق جميلة. علميًّا في توجّهه، منطقيًّا في حديثه، إنسانيًّا في انعطافه. لا تشعر أنّ بإمكانك أن تكسره إن كنت إليه غليظًا، فقط أنّه يلين ويلتزمك في ما أنت فيه، حاجةً أو ألمًا أو ضيقًا.

       صراعه مع الموت بقي لناظرينا خفيًّا؛ غير أنّ عينيه كانتا تحكيان، أحيانًا، المهابة والمخافة! هنا أيضًا كنت تلفاه متماسكًا، مضبوطًا. ثمّة أمور تبقى في نفوس الجبابرة طيّ الكتمان. تلمحها وحسب. هذه لا تلبث أن تتبدّد في انعطافه عليك في لطف ورقّة ودماثة، فتحسب، بيسر، كأنّ لا همّ عند الرّجل غير ما يتطارحه وإيّاك.

       أسعد رجلٌ لا تلتقي بمثله في العادة. هذا فريد من نوعه! علاقته بيسوع قلّما طفت على السّطح، ولكن مثله لا يمكن أن ينأى عن وجه السّيّد. ربما لم يكن من أهل الصّوم ولا على الفضائل المسيحيّة أكاديميّا، لكنّه كان إنسانًا، على استقامة واضحة في ناموس الطّبيعة، إذًا على قاب قوسَين وأدنى من ربّه لأنّ ناموس الطّبيعة عندنا يحدِّث عن الرّبّ يسوع، ومسيح الرّبّ يلج، بيسر، النّفس المنعطفة عليه بالخِلقة. هو إليها وهي إليه. لقد بتُّ مقتنعًا بأنّ الكثير من المفاهيم والسّلوك المسيحيّ تربية ومراس. فمَن لا يتسنّى له أن يتعاطى التّراث المعيش للكنيسة، كما انحدر إلينا، لكنّه يسلك في الأمانة لما للإنسان، فإنّ النّعمة الإلهيّة لا بدّ أن تفعل فيه بغير الطّرق المألوفة، ولا بدّ للرّبّ الإله من أن يتجلّى له ولو على نحو مختلف عن الّذين سلكوا في ما هو من عاديّات التّراث.

       على هذا لا شكّ في أنّ اسعد بلطفه استدعى لطف السّيّد الرّبّ الإله عليه، وكذا بحضوره الملتزم بين النّاس جعل الرّبّ يسوع ملتزمًا إيّاه. أليس أنّ ما تفعلونه بأحد إخوتي هؤلاء الصّغارفبي تفعلون؟ أسعد فَعَل الودّ واعتمل بالحبّ واتّخذ النّاس بين ضلوعه، فقراء ومساكين ومحطّمين، فحُقّ له أن يفعل السّيّد الودّ إليه وأن يضمّه بحنانه وأن يتّخذه لديه لأنّه هو أيضًا فقير إلى ربّه الآن. "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيليّ الأحمال وأنا أُريحكم".

       سنفتقدك يا أسعد افتقادًا كبيرًا! كنّا، دائمًا، ننهل من حسن الجلوس إليك وسماع كلامك وأخبار المدرسة الّتي تركت بصمات لطفك وغيرتك على حجارتها وصفوفها وتلاميذها، لا سيّما المعوزين منهم، وذويهم. اشتهينا، في الأيّام الأخيرة الّتي شعرنا فيها أنّك تصعد إلى هناك، أن تطول أيّامك بيننا ليكون لنا أن ننعم بحضرة الرّجال الأفذاذ نظيرك، في زمن بات فيه كلّ شيء برسم الاستهلاك. ولكنْ شاء ربّك غير ما اشتهينا! لقد كمل المسير، يا حبيب المسيح. "الآن أطلق عبدك أيّها السّيّد حسب قولك بسلام". ولو كان الكلام يؤلمنا فإنّنا نعترف أنّ انتماءك هو إلى هناك، إلى ربّك بالكامل. لقد نضجت الثّمرة وها يضمّها السّيّد إلى مخازنه العليا. تعزيتنا، ورجاؤنا أن تكون تعزيةُ ذويك، أنّ السّيّد الّذي بتّ إليه هو إلينا أيضًا. الأموات في المسيح لا يموتون بل يعبرون إلى حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهّد بل حياة لا تفنى. نحن لا زلنا في الظّلال، أمّا أنت الآن فقد بتّ في وجه الشّمس. فإلى أن نلتقي رافقتك الملائكة. لا تنسَ الّذين خلّفت وراءك. فمثلُك له كلمة صلاة عند ربّه من أجل الّذين تركت، فقلها من أجلهم. الله معك!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما