حول القدّيس
غريغوريوس بالاماس
الأحد الثّاني من الصّوم الكبير فيه ذكرى للقدّيس غريغوريوس بالاماس. وله عيد، على حدة، في 14 تشرين الثّاني، هو ذكرى رقاده عام 1359 م. في السّنة 1368 م، أعلن مجمع في القسطنطينية قداسته ووصفه بأنّه "الأعظم بين آباء الكنيسة". مَن هو وما أهميّته؟
من عائلة نبيلة مهاجرة من بَرّ الأناضول إلى القسطنطينية. أبواه مستنيران روحيًّا. له أخوان وأختان. كلّهم، مع خدّام العائلة، صاروا رهبانًا. حتّى العشرين، سنًّا، انكبّ على العلم الدّنيويّ. درس الطّبيعيّات والخطابة والمنطق والبيان. أبلى في الفكر الفلسفي بلاء حسنًا. أتقن العِلم الدّنيويّ إلى حدّ بات معه قادرًا، عن معرفة، على ازدرائه. وجده خاويًا ولا ينفع شيئًا من جهة معرفة الله والخلاص، وهو الّذي انزرع فيه الإحساس بالإلهيّات والتّقى، منذ الطّفوليّة، فنبذه وترهّب. نصح، فيما بعد، في ثلاثيّته الأولى، بأن يتدرّب المرء في علوم الدّنيا قليلاً، لأنّها تنمي في عين النّفس نظرًا ثاقبًا، ثمّ يضرب الصّفح عنها وينقل جهده إلى ما هو أسمى منها وأضمن وأنفع بكثير، فإنّ الله، على حدّ تعبيره، "يعوِّض تعويضًا سخيًّا عن ازدراء الآداب" (الثلاثيّة الأولى بالعربيّة ص 32).
خرج، أوّلاً، إلى جبل آثوس. تعهّده نيقوديموس الشّيخ الآثوسيّ قرب فاتوبيذي. كان يصلّي لوالدة الإله بحرارة وقضى ثلاث سنوات في الصّوم والصّلاة والسّهر الدّؤوب. كان دائم الترديد: "أنر يا ربّ ظلمتي! أنر ظلمتي". ظهر له القدّيس يوحنّا اللاّهوتيّ وأنبأه بأنّ والدة الإله جعلته معينًا له في كلّ شيء في الحياة الحاضرة والآخرة.
انتقل إلى اللافرا الكبير لثلاث سنوات أخرى. ساد، بنعمة الله والنسك الشّديد، على أهوائه وحتّى على ضرورات الطّبيعة كالنّعاس. بقي ثلاثة أشهر لا ينام إلاّ قليلاً. خرج إلى الصّحراء، إلى إسقيط يُعرف بـ"غلوسيّا". هناك تتلمذ لغريغوريوس النّاسك البيزنطي الشّهير وأخذ عنه الصّلاة الذّهنيّة. صار على تواضع عميق ومحبّة لا توصف لله والقريب. أخذت الدّموع تدفق من عينيه كمعين ماء لا ينضب.
في سنّ الثّلاثين تحوّل إلى منطقة فاريا، بين مقدونيا وتراقيا. نسك وقسا على نفسه في مغارة. كان الرّهبان والنسّاك، في تلك الأنحاء، ينظرون إليه كمثال لحياة الفضيلة. حياته الملائكيّة، على حدّ تعبير مترجمه، "كانت تدهش الجميع وتُدخلهم في نشوة". بعد خمس سنوات عاد إلى جبل آثوس. بلغ معاينة الله في نور الرّوح القدس والتألّه. أيقن، في رؤيا، أنّه آن له الأوان لمباشرة عمل كتابيّ يستفيد منه مَن يحرّك الله قلوبهم. كتب مما خبر. قال: بالاعتزال والصّلاة، ببساطة القلب، يؤدّي المرء العمل الفائق الّذي من أجله خُلق، وهو الدّخول في دائرة الضّوء الّذي أشرق على قمّة ثابور.
كان غريغوريوس يرى الكون مشحونًا، على نحو دائم، بقوّة التجسّد الإلهيّ وجمال مريم والدة الإله. الأرض، كما استبانت في عينيه بالرّوح، موضع إلهيّ جماله يكاد لا يُحتمل. نور التّجلّي لا يكفّ عن السّطوع، بعدما جاء ابن الله في الجسد. قال: "في الاسم القدّوس قوّة إلهيّة تخترق قلب الإنسان وتغيِّره متى انبثّت في جسده". روح الله يتحرّك ويملأ الجسد الماديّ. لذا للجسد البشريّ، كما خلُص، كرامة تجعل الإنسان أسمى من الملائكة. ويضحى الإنسان إلهًا متى عاين في القلب نور التجلّي الإلهيّ المتوهّج. الله هو إيّاه هذا النّور! الله يُعايَن في شخصه كنور غير مخلوق، ولو كان غير قابل للمعاينة في جوهره. بالنّسبة إليه "نور ثابور هو ملكوت الله"! ممّا قال: "ليس لنا أن نشترك في الطّبيعة الإلهيّة، ومع ذلك، وبمعنى من المعاني، لنا أن نشترك، وبيسر، في طبيعة الله لأنّنا ندخل في شركة معه، فيما يبقى الله تمامًا، وفي الوقت نفسه، بمنأى عنّا. لذا نؤكّد معًا، وفي وقت واحد، أمرين متناقضين نُسَرّ بهما ونعتبرهما مقياسًا للحقيقة". ولو سألنا: كيف يَلتمس الإنسان هذا النّور؟ لأجبنا: بالتّوبة والدّعوة باسم يسوع واستدعاء رحمة الاسم القدّوس.
القدّيس غريغوريوس بالاماس هو لاهوتيّ الرّوحانيّة الأرثوذكسيّة الأوّل في الكنيسة الجامعة. ما خَبرَه بولس الرّسول، لجهة النّور الإلهيّ، في الطّريق إلى دمشق، وما عرفه إيليا في المركبة النّاريّة، قبل ذلك، وكذا ما عاينه موسى بإزاء العلّيقة الملتهبة، وما خبره آباء البرّيّة، جيلاً بعد جيل، وما هو مُعطى لكنيسة المسيح، هذا اشترك فيه غريغوريوس وعبّر عنه بأجلى بيان في أحرج وقت مرّت به الكنيسة في القرن الرّابع عشر. يومها تعرّضت الرّوحانيّة الأرثوذكسيّة لأقسى هجمة، من داخل فلك الأرثوذكسيّة وخارجه، بعدما اجتاحت التّياراتُ الفكريّة المتمثّلة، بخاصة، بالفكر الفلسفيّ الإغريقيّ والوثنيّات القديمة، الغربَ وأطاحت الرّوحانيّة الكنسيّة التّراثيّة هناك، وتحوّلت إلينا في الشّرق لتبتلعنا، محاولةً الاستعاضة عن تلك الرّوحانيّة الفذّة بتيّارات عقلانيّة وحركات إنسانويّة تمجِّد، في أساسها، الفكرَ البشريّ وتجعل الإنسان مستقلاً عن الله، وتكرِّس عبادته لنفسه، وصولاً إلى الدّهريّة المعاصرة، ومرورًا بفكر "الله مات"، مُحِلَّةً الأنسانويّات محلّ الإلهيّات والأخلاقيّات محلّ الرّوحيّات. القرن الرّابع عشر كان المفصل عندنا. وكان يمكن أن تُبتلَع الأرثوذكسيّة، ومعها الرّوحانيّة التّراثيّة، ممّا تفشّى في الوجدان الغربيّ. لكنْ، بعناية العليّ ووعي الكنيسة الأرثوذكسيّة، تأكّد لهذه الرّوحانيّة الثّباتُ واستعلتْ خبرةُ الرّهبان والمؤمنين، بعامة، يومذاك، على المخاطر والهجمة الوجدانيّة الفكريّة الشّرسة الّتي تهدّدتها، وكان القدّيس غريغوريوس بالاماس بؤرة الرّوح التّراثيّة بامتياز وكلمة الكنيسة الفصل منذ أوّل تاريخها إلى ذلك الحين. فقالت الكنيسة، في مجمعَين انعقدا في القسطنطينية في حزيران وآب سنة 1341 وتمّوز سنة 1351: ما خبره غريغوريوس والرّهبان وما قاله وكتب عنه، في شأن المعاينة الإلهيّة، هو ما خبرته وتختبره الكنيسة الجامعة منذ البدء وهو تعليم آبائها، بلا منازع، جيلاً بعد جيل.
من ذا أهمّية القدّيس غريغوريوس وتعظيم الكنيسة له!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



