وسقطت بابل العظيمة!
يوم دخل ربّ الجنود أورشليم على أتان وجحش بن أتان فنبذته وعلّقته على الصّليب، يومذاك "صارت مسكِنًا لشياطين ومحرَسًا لكلّ روح نجس ومحرَسًا لكلّ طائر نجس وممقوت" (رؤ 18: 2).
لم تعد أورشليم الأرضيّة قِبلتنا. وجهُنا بات إلى أورشليم العلويّة. وأورشليم العلويّة نلتمسها هنا، على الأرض، في وجوه الّذين ماهى السّيّد نفسه بهم، وإلى الأبد، في قلب السّيّد حيث جعل لنا منازل كثيرة.
أورشليم الّتي كانت، بالأمس، محطّ بركات السّماء بامتياز باتت، اليوم، محطّ ظلمات الجحيم بامتياز. هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا! الأرض الّتي لا تحافظ على أمانتها لعريسها تستحيل أرض الزّنى والفجور. كلّ زينتها زينة فاجرة! لا تؤخذوا بمظهرها! رائحة روحها كرهة!
يدعونها، بعدُ، أرضًا مقدّسة لأنّ السّيّد أقام فيها وعبر بها. إذا كان الرّبّ الإله قد خلّف فيها شيئًا من عبير حضوره فما ذلك لأنّه لا زال مقيمًا هناك أكثر من أيّ مكان آخر في الأرض. ليست التّزكية للمكان. ذاك المكان مُدان لأنّه قتل ربّه! التّزكية هي لربّ الأرض الّذي نقل إقامته من الهيكل والبيوت والأزقّة والحقول الّتي هناك إلى قلوب النّاس. قلوب العباد هي الأرض المقدّسة الجديدة! أمّا الّذين لا زالوا علقى أورشليم الأرضيّة فأدنى إلى عبادة الأوثان. أرض السّلام كانت تُدعى، لكنّها منذ أن غادرها السّيّد على مركبة الصّليب إلى العلى استوطنت فيها الخباثات والنّجاسات والدّماء باسم السّلام. يتصارعون عليها كما على الاستئثار بالله وهي، مذ ذاك، الأرض الّتي ملك فيها الشّيطان. "لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات. ليس هو ههنا لكنّه قام" (لو 24: 5 – 6)!
لم تستعرف أورشليمُ السّيّدَ لأنّ قلبها كان إلى غيره. أحبّت العنف لأنّها كانت قهّارة فلم تستأسرها الوداعة. رتعت في الرّياء فالتمست الكذّاب وأبا الكذّاب ولم تفتنها صورة مَن يقول لها الحقّ. كانت شيمتها الحيلة والخباثة فلم تمل إلى استقامة المسرى. طلبت شيطانًا التزمت صورته في أهوائها فجاءها إله، على غير ما اشتهت، فقتلته. كان يكفيها اسم إله على دواخل شيطان، فجاءها إنسان على دواخل إله فلم تستسغه وعلّقته على الصّليب. اشتهت كائنًا بمظهر ملك فجاءها عبدٌ بروح ملك فلم يرضِ طموحاتها!
كان لا بدّ لمسيح الرّبّ أن يُرفَضَ ويُسْخَرَ منه ويُجرَّح ويُصلَب لأنّ المسيح الحقّ ليس مطلبًا بشريًّا. لم يكن وليس إلى الآن ولا هو صائر مطلبًا بشريًّا. غريب هو وباقٍ غريبًا! قلب الإنسان شرّير منذ حداثته! أيتغيّر الإنسان؟! أيُكتفى بقطيع صغير؟! أتجسّد ابن الله من أجل القلّة؟! ماذا عن الكثرة؟! لِمَ اجتنب السّيّد الجواب على السّؤال: أقليل هم الّذين يخلصون؟ لِمَ اكتفى بالقول: اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضّيِّق؟ لا يشاؤنا السّيّد أن نمدّ أيدينا إلى شجرة الحياة، أن نبسط سلطاننا عليها. يكفينا أن نأكل منها، منه لأنّه هو شجرة الحياة، لكنّه مبقٍ نفسه سرًّا علينا فيما خصّ العالمين. يطلب الإنسان الألوهة بالمعرفة، والرّبّ الإله يمنعها عنه. يكفيه أن يعرف أنّ الرّبّ الإله محبّة وأنّه يشاء الجميع أن يخلصوا وإلى معرفة الحقّ يقبلوا. إذًا الخلاص آت، بما لا نعرف، إلى الكثرة الشّاردة أيضًا. كيف؟ الله وحده يعرف ويقدر لأنّ كلّ شيء مستطاع عند الله. لم تقل الكنيسة بالخلاص للجميع كما تلفّظ القدّيس غريغوريوس النّيصصي والقدّيس إسحق السّريانيّ. أيُعقَل أن يكون المشتهى عند بعض القدّيسين غير مشتهى عند القدّوس؟!
لا نعرف ونشتهي أن نعرف لأنّ المعرفة ليست كلّها فضولاً بل فيها شيء أو الكثير من المحبّة. ليرتاحَ قلبي!
لعمري صعب التّصوّر أن لا تكون بإزاء الرّدّة الكبرى عن الله ردّة إلى الله. في لحظة، في طرفة عين، عند الظّهور الكبير، قابلٌ السّيّد أن يغيِّر القلوب، وتكون القلوب مهيّئة لأن تتغيَّر. ألم يتغيَّر لصُّ اليمين في لحظة وكذا مريم المصريّة؟! كلاهما كان موطنًا، في القلب، لبابل، أمّ الرّجاسات، وتغيَّر! نحن نحسب أنّ الممعنين في خطاياهم في الظّلمة قابعون. فماذا بالقول إنّه للسّاكنين في الظّلمة وظلال الموت نور يشرق عليكم؟! ماذا يحدث إذ ذاك؟ أيموت القابعون في الموت إلى هلاك أبديّ؟! أم لهم فرصة أن يتوبوا؟! أيُسرّ الخالق بهلاك المخلوقين؟! لا تحتاج التّوبة إلى وقت. التّوبة تغيير قلب. أسيّد القلوب أعجز من أن يغيِّر القلوب في لحظة؟! أليس أنّ المعتمين مضلَّلون؟ أليسوا عميانًا؟ أفما يفتح النّور عيون العمي؟ في مَن يتجلّى المجد أكثر؟ في الّذين يُثيب مسعاهم لأنّهم تبعوه أم في الّذين ردّهم عن غيّهم وهم الضّالون؟!
على أنّه لا بدّ من الضّيقات أوّلاً. "بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السّموات". هذه وارد أن تكون ضيقات في الجسد والنّفس، ولكنْ وارد أيضًا أن تكون ضيقات ناجمة عن انبلاج نور الصّبح في العتمة الكحيلة للظّلاميّين. إذا كانت أوجاع هذا الدّهر قاسية قاسية فأوجاعُ مطالعةِ وجه المسيح أقسى بما لا يُقاس. إذا صحّ ذلك فهذا يكون جحيم الكثرة، لكنّه جحيم، على صورة جحيم مريم المصريّة، إلى النّور. لا يُعقَل أن يقيم ولو إنسان واحد في الظّلمة إلى الأبد! محبّة الله، إذ ذاك، تكون منقوصة! كيف يرتاح الله وقدّيسوه فيما ثمّة مَن يقيم في العذاب؟! ولو قيل كلام عن هلاك أبديّ للظّالمين فأبديّة النّاس غير أبديّة الله. في نهاية المطاف، إذا حسبنا أنّ إنسانًا واحدًا يهلك فإمّا أن نقول إنّ الله عاجز وهو القادر على كلّ شيء، وإمّا أن نقول إنّه ناقص المحبّة وهو المحبّة بالتّمام والكمال!
إذًا بابل العظيمة ساقطة لأنّ المسيح قائم في ذاته وأكباد النّاس على نحو هو عارف به إلى أن يشيع القول فعلاً أنِ المجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المسرّة!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



