مَن له أذنان للسّمع فليسمع!
نيقوديموس، الّذي ذكرناه الأحد الفائت، أحد حاملات الطّيب، كان معلِّمًا لليهود. قال عنه الرّبّ يسوع، في الإصحاح الثّالث من إنجيل يوحنّا، إنّه معلّم إسرائيل. نيقوديموس، هذا، استنتج، ممّا رأى، أنّه لا أحد يقدر أن يعمل الآيات الّتي يعملها يسوع، إن لم يكن الله معه. الإنسان، كإنسان، لا يمكنه أن يفعل أكثر من أن يستنتج. عندما يعاين عمل الله يقول: "هذا لا يمكن إلاّ أن يكون عمل الله!" هكذا يكون الإنسان ذو النّفس القويمة، وهكذا ينطق. لمثل هذا الإنسان يكشف الرّبّ يسوع المسيح نفسه. لكنّه يقول له، صراحة، إنّه لا يستطيع أن يعاين الإلهيّات، إن لم يولَد من فوق. إذًا، الإنسان الّذي لا يُعطى نعمة من فوق يبقى في حدود الاستنتاج العقليّ. لا هو يعاين وجه الله، ولا يعرف الله كما هو. أمّا الرّبّ الإله فقد أعطانا ويعطينا أن نعرفه كما هو. هذا ما يسمّيه الرّبّ يسوع المسيح معاينة ملكوت الله. ثمّ إنّ ولادة الإنسان من فوق معناها أن يولَد من الماء والرّوح. مثل هذا الإنسان، وحده، يقدر، في المبدأ، أن يدخل ملكوت الله، أن يدخل في عِشرة الله، أن يعرف الإلهيّات، أن يعاين مجد الله. بغير ذلك يبقى الإنسان خارجًا مهما فعل.
هذا كان تعليمًا جديدًا على نيقوديموس. نيقوديموس يعرف ما في الكتب. لكنّ الرّبّ يسوع المسيح يكشف وجه الله لا فكرة عنه، لأنّه لا أحد يعرف الابن إلاّ الآب ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن، ومَن أراد الابن أن يكشف له. إذًا، معرفة الإلهيّات تُعطى بنعمة، ولا تُعطى بجهد بشريّ. الجسد، بكلّ أبعاده، لا ينفع شيئًا على هذا الصّعيد. مستحيل على الإنسان أن يرتقي إلى ما فوق حدود البشريّات. أمّا السّماويّات فالله هو الّذي يعطيه أن يرتقي إليها. غير أنّ هذا يستلزم تواضعًا كبيرًا. نيقوديموس، رغم أنّه كان رئيسًا لليهود، فقد كان متّضع القلب. لهذا جاء إلى يسوع مستعلِمًا، معبِّرًا عن صراعه الفكريّ في شأن التّجليّات الإلهيّة. والرّبّ الإله كشف له بعضًا من ذاته. على الإنسان، إذًا، أن يعرف، أوّلاً، أنّه لا يعرف. ثانيًا، أنّه لا يستطيع من ذاته أن يعرف. ثالثًا، أنّه بحاجة لأن يتّضع لكي يعرف. رابعًا، أنّه إذا أُعطي له أن يعرف، فمعرفته تأتيه بنعمة من الله.
النّقطة الأولى هي حاجة الإنسان لأن يعرف أنّه جاهل. ليس الله فكرة ولا يُمكن أن يُعرف على صعيد العقل. لذلك الكتب، وإن كانت تشير إلى الله وتحدّث عن الله، فليست بكافية لمعرفته. نحن، عندما نقول "معرفة" نظنّ أنّ الكلام هو على المعرفة الفكريّة العقليّة. لكن المعرفة، في القاموس الإلهيّ، هي أن يدخل الإنسان في عِشرة الله، أن يعاين الله، أن يدخل ملكوت الله. المعرفة الإلهيّة، إذًا، هي معرفة خبريّة بطبيعتها. معرفة الله، في الحقيقة، لا تكون بالعقل بل بالقلب. الله يتجلّى للإنسان في مستوى القلب، في مستوى الكيان. القلب هو النّافذة الّتي يُطلّ منها الإنسان على الإلهيّات. لذا قيل: "طوبى لأنقياء القلوب فإنّهم يعاينون الله"، ولم يُقَل: "طوبى للمفكّرين لأنّهم يعرفون الله". وما قاله الرّسول المصطفى بولس، في الرّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، يشير بقوّة إلى أنّ الرّبّ الإله جهّل حكمة هذا الدّهر. ما يعتبره النّاس، في هذا الدّهر، حكمة هو جهالة عند الله. لا قيمة له على الإطلاق! لهذا السّبب، نحن بحاجة إلى نوع من الانقلاب في المفاهيم. العالم يحشونا بالأفكار المغلوطة ويجعلنا نقبلها كأنّها ذات قيمة فذّة. هذه علينا أن نتنقّى منها ونتحرّر من رِبقتها. نحتاج لأن نحاذر كلّ معرفة لا تنفعنا كأبناء لكنيسة المسيح. المعرفة الكتابيّة والآبائيّة والتّراثيّة، المعرفة الّتي تدخلنا في مشروع تواضع القلب، هذه هي المعرفة الّتي تنفعنا والّتي علينا أن نطلبها ونتملأ منها. هناك أفكار كثيرة في سوق الأفكار، هي، بالأحرى، سموم روحيّة، تشوِّش الإنسان وتقلقه وتُبعده عن الله وتشكّكه بالله والإلهيّات.
من هذا المنطلق، خطأٌ التّصوّر أنّ الإنسان يطّلع على هذا الكتاب أو ذاك ليتثقّف. طبعًا هناك اطّلاع تفرضه ضرورات الحياة العمليّة. لكنّنا لسنا بحاجة إلى ثقافة دنيويّة دهريّة فضفاضة. هذه لا تنفعنا في شيء. ثقافة المعلومات، ثقافة الأفكار المنتشرة في العالم، هذه ثقافة مريضة. نحن بحاجة لأن نكون مثقّفين، ولكن، أوّلاً وأخيرًا، في مستوى إنسان القلب الخفيّ. بحاجة إلى ثقافة المحبّة، إلى ثقافة التّوبة، إلى ثقافة التّواضع، إلى ثقافة الصّبر، إلى ثقافة الأمانة، إلى ثقافة الاتّضاع... هذه هي الثّقافة الّتي نحتاج بعمق إليها. أمّا ثقافة الأفكار والمعلومات العامّة فجلّها حشو للعقول بما لا ينفع، وهي ثقافة تلهي عن الحاجة إلى الواحد، لذا تصبّ في خانة الفكر الشّيطانيّ وتزكّي عبادة الإنسان لنفسه.
نحن في حاجة، مثلاً، لثقافة الأمانة. في هذا الزّمن الرّديء، الأمانة صارت عملة نادرة! البشر لا يكذبون وحسب بل يجاهرون بكذبهم ويفاخرون به ويعتبرونه عملاً ذكيًّا ونافعًا لهم. لكن الكذب عمل شيطانيّ. ومَن يتعاطاه يجعل نفسه ابنًا للشيطان الّذي هو الكذّاب وأبو الكذّاب. تخيّلوا هذا الحدث: عندنا في الدّير أحراج. منذ بعض الوقت جاءت ثلاث سيّارات فيها صيّادون ومعهم اثنا عشر كلبًا، انتشروا بلا إذن منّا في أرضنا. قالوا إنّهم يرومون تخليصنا من الخنازير البريّة! عَمِلنا ما استطعنا لنقنعهم بالخروج من أرضنا. لكنّهم استمرّوا ساعتين. ثمّ جاءت الشّرطة وانصرفوا. أخذوا معهم كلابهم إلاّ واحدًا، قالوا إنّه لا ينفع في صيد الخنازير. ويبدو أنّ أحد الصّيّادين ترك سترته لأنّها تمزّقت. ألقاها أرضًا وانصرف. وقد بقي الكلب المتروك ثلاثة أيّام ملازمًا السّترة، يرفض أن يغادرها. هم تركوه وانصرفوا، وهو، بكلّ أمانة، لازم السّترة لأنّها سترة صاحبه. لكنّ صاحبه لم يعد. فممّن نتعلّم الأمانة؟! أمِن هؤلاء الصّيّادين أم من هذا الكلب؟! هم تركوه وهو لم يتركهم! لا شكّ في أنّنا بتنا في حاجة إلى إعادة النّظر في الكثير من قيمنا!
هذا أعطانا درسًا في الأمانة فيما يتصرّف النّاس بالكثير من اللامبالاة حيال بعضهم البعض والحيوانات وخليقة الله... لا يبالون إلاّ بأهوائهم! هذه هي ثقافة هذا الدّهر: ثقافة أهواء! نحن في حاجة إلى ثقافة الأمانة لأنّه بالأمانة يعود الإنسان إنسانًا. إنّها لدينونة أن نلقى الكلب معلّمًا لنا الأمانة! هذا يحدونا إلى إعادة النّظر في الكثير من مفاهيمنا ومفاهيم مجتمعنا المريض. الكثير من وسائل الإعلام، بما فيها الكتب والمجلاّت والجرائد، نحن لسنا بحاجة إليه. بالعكس أكثر ما هو شائع يزكّي الفساد في نفوسنا. حاجتنا هي إلى ثقافة الله، إلى ثقافة الكلمة الإلهيّة، إلى ثقافة القلب، إلى ثقافة الحبّ، إلى ثقافة الرّحمة... وهذه وحدَه الرّبّ الإله يمدّنا بها بنعمة من عنده. المهمّ أن ينفتح كياننا عليه، أن نكون مستعدّين، في كلّ حين، لأن نقتبل نعمة الله، والله لا يبخل علينا بشيء. لكن يبدو أنّ الإنسان لم يعد يشاء أن يسمع. يشاء فقط أن يتكلّم ويريد من الله أن يسمع له. وحيث لا أحد يسمع أحدًا يتحوّل العالم إلى بابل! لا أحد يفهم الآخرين لأنّه ليس أحد يشاء أن يسمع أنّات قلوبهم! كلٌّ يريد أن يكون المتكلّم. السّامع الأوحد، اليوم، هو الله! فمتى تنقلب الآية ونسمع ما قاله الرّبّ وردّده مرّات عديدة: "مَن له أذنان للسّمع فليسمع"؟!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



