الحلّ بالصّلاة!
في رسالة يعقوب أن "صلّوا بعضكم لأجل بعض لكي تُشفَوا. طلبة البار تقتدر كثيرًا في فعلها" (5: 16).
لا حلّ لمشكلات البشريّة، اليوم، بغير الصّلاة. طبعًا علينا أن نبذل ما في وسعنا ليعين بعضنا بعضًا. لكن كلّ ما نفعله إن لم نفعله بالصّلاة فإنّه لا يثمر. وراء مشكلات الإنسان، في الحقيقة، روح خبيث يعمل، اليوم، وبقوّة. "فإنّ مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرّؤساء مع السّلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدّهر مع أجناد الشّرّ الرّوحيّة في السّماويّات" (أف 6: 12). العقل وحده لا يكفي! العقل، في الواقع الرّوحي الّذي نحن فيه، بات أداة الإفساد الأولى للبشريّة طالما القلب غير نقيّ!
اليوم، ربّما أكثر من أيّ وقت مضى، مشكلات الإنسان تزيد وتتعقّد. الخطيئة تتكثّف. سلّم الفضائل بين العامّة يتآكل. الفردانيّة تسطو على الوجدان. مبدأ اللّذّة يسود. الضّمير يصاب بالضّمور. محبّة المال تحكم العالم. الكلّ بات محلَّلاً ومبرّرًا في مستوى الموبقات. التّراث العائليّ العريق يموت. ما كان يُتناقل من جيل إلى جيل على صعيد الفضيلة يصير من الماضي. وسائل الإعلام تبثّ السّموم في النّفوس. ما كان بالأمس معتبرًا عيبًا صار تعبيرًا، اليوم، عن الحريّة. التفلّت في الأخلاق بات قاعدة. لذا تتعقّد مشكلات البشريّة وتمسي أعسر من أن تحلّ. نحن في بابل فكريّة وأخلاقيّة عارمة. روح الخبيث يضرب بعنف. النّاس ولو طوِّرت أجهزة الاتّصال لديهم فإنّها بدل أن تقرِّب فيما بينهم فإنّها تكرّس عبادتهم لأنفسهم وفردانيّتهم ومن ثمّ تباعد بينهم في مستوى العلاقات الإنسانيّة. الشّرّير يلعب على وتر توق الإنسان إلى الحريّات الفرديّة. لذلك حاجتنا، اليوم، إلى الصّلاة أكبر من أيّ وقت مضى!
في ضوء ما تقدّم تبدو مقولة يعقوب الرّسول بؤرة الضّوء للخروج من دوّامة الظّلمات الدّاخليّة المتكثّفة فينا. في الماضي الصّعوبات المعيشيّة وهموم التّفاعل مع ضغوط البيئة الخارجيّة كانت غلاّبة. اليوم الصّعوبات الّتي هي من هذا النّوع باتت أقلّ، لكن المشكلات النّفسيّة والعتمات الدّاخليّة في القلب زادت بشكل كبير. القلق زاد. الاضطرابات النّفسيّة تفجّرت. الشّعور بالعزلة، بين النّاس، يخنق. العائلة كانت الإطار، اليوم المرء يواجه التّحديّات في وحدة ووحشة كاسرتين. التّعب، بالأمس، كان، بالأحرى، جسديًّا، والتّعب، اليوم، صار نفسيًّا. رغم سهولة العيش، ليس الإنسان سعيدًا. شيء بين النّاس يتفكّك وينحلّ وشيء في داخل الإنسان أيضًا. إنسان الأمس كان ينام باكرًا فيرتاح من تعبه، اليوم يستمرّ بالمسكّنات. التّعب الجسديّ كان أوفق لراحة الإنسان الدّاخليّة، اليوم الرّاحة الجسديّة والتّعب النّفسيّ عقّدا الحياة والعلاقات وكرّسا حياة الجزيرة بين النّاس.
لذلك باتت الحاجة إلى الصّلاة أكبر من ذي قبل بكثير.
الأطبّاء النّفسانيّون، بعكس ما نظنّ، أعجز من أن يواجهوا ما تعاني منه النّفس البشريّة. إنهم لا يعرفون حقيقة ما في داخل الإنسان ولا القوى الّتي تؤثّر فيه فكيف يمكنهم أن يعالجوه؟! ما داموا لا يؤمنون بالله ولا يكترثون لقوى الرّوح الغريب المؤثّرة في نفوس النّاس، فهم يتعاطون ما لا يعرفون وما لا طاقة لهم على تقويمه!
عجبتُ في قراءتي للأب الشّيخ برفيريوس أنّ كلّ الأسئلة الّتي كان يطرحها النّاس عليه، بما في ذلك صعوباتهم الشّخصيّة وهمومُهم وتربيتُهم لأولادهم، كان له عليها جميعًا جواب واحد: أحبّوا يسوع، تنقّوا، اعترفوا بخطاياكم، تقدّسوا سيروا بأمانة في تعاملكم مع الله، ويسوع يتولّى كلّ شؤونكم. يسوع هو الحلّ والصّلاة إليه هي الطّريق. بالحبّ، والصّبر، والصّلاة، واتّضاع القلب، والدّموع ومساهمة القدسات كلّ شيء يتغيّر، كلّ مشكلة تجد حلاً لها، كلّ الآلام النّفسيّة وحتّى الجسديّة تجد علاجًا لها. والصّلاة، إلى ذلك، تحصّن الإنسان ضدّ قوى الشّرّ المستشرية في عالم اليوم. حتّى المشكلات النّفسيّة فإنّها من طبيعة شيطانيّة، وتزداد تفاقمًا كلّما بَعُد الإنسان عن الله. النّعمة تُعيد الاتّزان للنّفس. الاعتراف بالخطايا لدى الشّيخ برفيريوس أداة أساسيّة للتّنقية والتّجديد وشفاء النّفس وحتّى الجسد. طالما الإنسان متواجد في إطار قوى الإثم فإنّه عرضة للوهن والمرض وكلّ علّة. النّفس لا تتماسك والجسد لا يُشفى إلاّ بالنّعمة. النّعمة تعيد كلّ شيء في الإنسان إلى منظومة الوحدة الكيانيّة المتماسكة. لذلك بالتّنقية ننفتح على الله وبالانفتاح عليه تأتي الصّلاة وبالصّلاة تنحدر النّعمة وبالنّعمة تنتظم الحياة من جديد وبانتظام الحياة تعود قوى الحياة فتتماسك وتتناغم، وبذا يستردّ الإنسان عافيته الدّاخليّة، ويمسي القلب في سلام، وسلام القلب ينعكس على الجسد شفاء وعلى النّفس فرحًا. الإنسان مولود للفرح، لكنّ الفرح لا يسري في الكيان إلاّ بالنّعمة والنّعمة لا تتنزّل إلاّ بالنّقاوة والصّلاة. كلّ عطيّة صالحة وكلّ موهبة كاملة هي منحدرة من العلو من لدنك يا أب الأنوار. هذه تركيبته. كلّ شيء في الإنسان يندرج في هذه المنظومة. والباقي تفاصيل!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما



